المحتوى الرئيسى

حماس بلا توقف.. كيف؟!

04/26 17:56

بقلم: أحمد صلاح كان نجاح هجرة المسلمين من مكة والاستقبال الحافل لهم وللرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة لحظةً تاريخيةً فارقةً في التاريخ الإسلامي؛ فهي لحظة التخلص من نظام الظلم والفساد والقهر في مكة بعد ثلاثة عشر عامًا من حرب العقيدة والمهانة والتعذيب، وهي لحظة استقلال الإرادة وبداية تحقيق حلم بناء دولة قائمة على هدى الله وقيم ربانية أتت لإسعاد الناس وتحرير البشر وتعمير الكون.   كانت لحظة انتصار ولحظة شكر على نعمة الله وفضله ورحمته.. (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)) (يونس).   كانت لحظة انتصار دافعةً للحماس والعمل في سبيل الله، حتى أثناء الرحلة نفسها، فأسس الرسول مسجد قباء، وهو في طريقه إلى المدينة قبل أن يلتقي بإخوانه وأحبائه ليبدءوا معًا في تحقيق حلمهم ونشر الإسلام في ربوع العالم.   كان الحماس دافعًا للعمل والتخطيط من أول لحظة، وكيفية إدخال المهاجرين في النسيج الاجتماعي عن طريق المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكيفية إرساء قواعد للدولة الوليدة، عن طريق وضع دستور ينظم العلاقة بين فئات المجتمع المختلفة، ومنهم اليهود، وبناء سوق تجاري لتحريك عجلة الاقتصاد.. إلخ.   أما المسلمون فكانت شعلة حماسهم لا تنطفئ، وكان دأبهم لا يهدأ في دعوة أهل المدينة، حتى اكتملت الرسالة بفضل الله بعد 10 سنوات؛ ليستمر الحماس من جديد في استكمال بناء الدولة الإسلامية ونشر الإسلام في ربوع العالم.   أخي الداعية.. ما أخبار حماسك؟! أخي الحبيب.. ما أخبار حماسك بعد أكثر من شهرين من ثورتك على الظلم والفساد والقهر والاستعباد؟ هل ضعف حماسك لتنزوي على نفسك أم تضاعف لتنطلق في المجتمع وتحلق بجناحيك تسبح بحمد الله وتشكره على فضله العظيم ورحمته بعباده؟ هل هدأت ثورتك لترتاح، أم انطلقت بها بين أهلك وناسك تبشرهم بالإسلام العظيم بقيمه وأخلاقه ومبادئه القادرة على حلِّ مشكلاتهم ونهضة بلادهم؟ هل تنتظر أن يحركك أحد أم تبادر أنت بتحريك غيرك وبث الحماس في قلوبهم لخدمة دينهم وبلدهم؟ هل تكتفي بشكر الله على وقوفه بجانبنا في معركتنا بالقلب واللسان أم تصرّ على أن تشكره بالفعل والجهد المتواصل والعمل الجاد.   من أين نستمد حماسنا؟! أخي الحبيب.. إذا لاحظت تراجعًا في حماسك بعض الشيء فإني أدعوك أن تتذكر معي بعض المصادر القادرة على شحن قلوبنا من جديد بإذن الله، وهي:   أولاً: عقيدتنا يدفعنا إيماننا بالله دائمًا إلى العمل في كل الأحوال والظروف، وهو يحركنا إلى ذلك بقوة دافعة قوية لا تهدأ أبدًا، هذه القوة اسمها "الإخلاص لله" في الحديث القدسي عن الله عز وجل: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء".   فالإخلاص يعني أن نعمل من أجل إرضاء خالقنا، وهو سببٌ كافٍ تمامًا لأن نعمل بكل حماس من أجل رضاه وحصد الثواب ليل نهار، والعمل لوجه الله دون انتظار شكر، أو الخوف من لوم. إن الإخلاص يُدخل في قلبك سعادةً إلهيةً يمنحها الله لعبده المخلص مكافأةً له على إخلاصه، وهذه السعادة هي التي تشعل حماسك من جديد، لتتحرك من جديد، وأنت ترجو من الله قبول العمل ورضاه عليك.   ثانيًا: دعوتنا على مدار أكثر من ثمانين عامًا ودعوتنا الغالية تتعرض لضربات وملاحقات ومؤامرات من كل اتجاه، تعاقبت عليها الأنظمة لتختلف فيما تختلف، ولكنها تتفق على إنهاك الدعوة وظلم أهلها، ومن الناس من أنصفنا ووقف بجانبنا، ومنهم من حالت الظروف لأن تصل إليه دعوتنا بوضوح نقيةً صافيةً من غير لبس، وكنا ندعو الله ليل نهار أن يكتب الله لنا شيئًا من الحرية حتى نتمكن من الوصول بدعوتنا إلى هؤلاء الناس؛ ليعرفوها ويروها تتحرك على الأرض رأي العين، وها هو الآن قد جاءتنا الفرصة، وأفاض الله علينا بكرم يشعرني أنا شخصيًّا بالخجل من الله؛ لأني لن أستطيع أن أردَّ إليه هذا الجميل مهما حاولت، الآن جاءتنا الفرصة لأن نتحرك بين الناس، نشرح لهم دعوتنا كلامًا وفعلاً بصورة واضحة وجلية لا لبس فيها ولا غموض، نسمع آراءهم ثم نقول لهم عمليًّا: من نحن؟ وماذا نريد؟!   ألا تستحق دعوتنا الغالية صاحبة الفضل علينا دعوتنا التي أخرجتنا من الظلمات إلى النور؛ لترفع قدرنا أمام الله، وشأننا أمام الناس وأمام أنفسنا؛ أن نعمل من أجلها بحماس لا يهدأ ولا يتوقف، حتى نردَّ إليها بعضًا من جميلها علينا، في الوقت الذي أرجو أن تتنبَّه فيه أن الجميع الآن من حولك يتحركون من أجل نصرة فكرتهم ودعوتهم، وعلينا أن نتحرك كما يتحركون، في إطار من الحب والود والتنافس الشريف.   ثالثًا: الناس قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ) (الأنبياء: 107).   هذه هي فحوى الرسالة التي بعث الله به نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، رسالتك رحمة للناس يا محمد، الناس تعيش في شقاء وتعاسة وعبودية، الناس تحتاج إلى دين يسمو بروحها ويربطها بخالقها، وهي تسير في الأرض، تأكل منها وتعمر فيها، الناس تحتاج إلى نور يهديها الطريق ويحميها من شياطين الظلام.   هذه هي الرسالة التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لنكملها، نريد أن نخفِّف هموم الناس ونشاركهم في حل مشكلاتهم.. نريد أن نرسم البسمة على وجوه البسطاء، ونخفِّف الأحمال عن كاهل المثقلين، ننير الطريق للآباء والأمهات لنحافظ على الأسرة؛ مما يحيط بها من أخطار، وندفع الشباب في الطريق الصحيح ليصلح من نفسه ويبني ويعمر.   آليات الحفاظ على الحماس من الطبيعي أن تصاب- أخي الداعية- ببعض الفتور، وأن يقلَّ الحماس بعض الوقت، لكن ينبغي أن تكون هذه اللحظة هي اللحظة التي تتنبَّه فيها للخطر، وتبدأ بعدها في إعادة شحن قلبك مرةً أخرى بالوسائل الآتية:   1- جدِّد نيتك باستمرار تذكَّر أخي الحبيب أنه مهما تغيَّر العالم من حولك، ومهما حدث من هزَّات وزلازل سياسية واجتماعية، تذكَّر دائمًا أنك تعمل من أجل الله، وأن الله هو الوحيد الذي سيأجرك، وأن العمل لغير الله ستُمحى بركته وستفقد أجره، جدِّد نيتك قبل أن تنام، وادعُ الله أن يشعل حماسك في اليوم التالي للعمل في سبيله.. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم".   2- حدِّد هدفك.. طور هدفك لا يمكن أن يعمل أحد بدون تحديد هدف، فإلى الهدف توجه حركتك وتزيد من سرعتك، وعليك أن تحافظ على حماسك حتى تحقِّق هدفك، ولكن ماذا سيحدث بعد أن تحقق هدفك؟ وكيف يستمر الحماس بعد تحقيق الهدف؟!   إذا استطعت أن تجدِّد هدفك وتطوِّرَه فيتجدَّد حماسك مرةً أخرى وسينقلك هذا الحماس من نجاح إلى نجاح، ومن أرض إلى أرض، حتى يذهب بك إلى أرض بعيدة، تحقق فيها ما لم تكن تتوقعه.   3- وسِّع مشاركتك مع غيرك "الشيطان قريب من الواحد، ومن الإثنين أبعد". هذه قاعدة ذهبية تضمن استمرار الحماس في العمل، حاول أن تضمَّ إليك شخصًا أو شخصين في عملك، فيعاونوك بالفكرة ويدفعوك إلى الحماس بدافع تحمُّل المسئولية، وعندما تنجح وسع مشاركتك بتفعيل أكبر عدد ممكن من الأشخاص ترى فيهم استعدادهم للعمل، ساعتها لن تكون مشكلة ضعف الحماس هي مشكلتك، بل ستظهر لك مشكلة أخرى، هي مشكلة ضيق الوقت.   4- تقبَّل النقد بصدر رحب أعود بك أخي الحبيب لأذكرك بالنقطة الأولى، وهي نقطة الإخلاص لله في العمل، وهي النقطة التي تجعلك تتقبَّل النقد حتى وإن كان جارحًا في بعض الأحيان، وأن تحتسبه في سبيل الله، فالإخلاص سيكون عاصمًا لك بإذن الله من الإحباط الذي يصيب كل عامل في أي مجال، طالما أنه لم يُجِد التعامل مع منتقديه، أو أن يختزن النقد داخله بطريقه خاطئة تسبب له الإحباط، وبالتالي فقدان الحماس للعمل.   أخي الحبيب.. الآن.. قمْ وتوضأْ، وصلِّ ركعتين تجدِّد فيهما نيتك مع الله، وتسأله أن يعينك على عمل جاد وشاق في سبيله، لا ينتهي إلا بمماتك. ------- *ahmedsalah146@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل