المحتوى الرئيسى

إعلام الفساد!

04/26 11:14

بقلم: د. حلمي محمد القاعود كان من المفترض أن يكون الإعلام في مصر بعد الثورة مطابقًا ومماثلاً لروح الثورة وغاياتها، ولكنه ظلَّ على طبيعته السابقة التي استند إليها النظام البائد، في الاعتماد على الضيوف القلة الذين تتم استضافتهم لترديد كلام واحد لا طعم له ولا لون ولا رائحة اللهم إلا مديح الزعيم القائد، وإهانة المعارضين- الإسلاميين خاصة- والترويج لما يقوله سدنة النظام من أفكار سطحية أو عبثية أو تخريبية، فضلاً عن تخصيص مساحة ممتدة وواسعة لِمَن يسمون أنفسهم بـ"الأرتست" أو أهل الفن، ولا علاقة لهم بالفن الحقيقي أو الفن الراقي، ومرتزقة كرة القدم والمستفيدين منها، وما تبقى من وقت يخصص لبعض النساء البائسات اللاتي يتحدثن عما يسمى المجتمع الذكوري، وتمكين المرأة، وحق الكوتة، وقهر الرجال في محاكم الأسرة وحرمانهم من الرؤية إلا في مقار الحزب الوطني، وتنفيذ الخلع فور تغير مزاج الهوانم المترفات!!.لا تسل عن البرامج الإسلامية أو حتى نقل صلاة الجمعة، فوقت هذه البرامج المحدود جعلها نمطية منفرة تقتصر على أشخاص بأعينهم لا يملكون قدرة على التعبير الحي، ولا التفكير الذكي، والاستثناء بين هؤلاء يثبت القاعدة ويؤكدها.   البرامج الدينية في التلفزيون قاصرة على المناطق المسموح بتناولها وتدور غالبًا حول القيم العامة مثل الصبر والرضا وتفسير بعض الآيات التي تتناول التاريخ، ليس من بينها ما يتعلق بالفرعون وجنوده، ولا الجهاد ولا الحرية ولا تغيير المنكر ولا الدفاع عن الدين ولا الأوطان أو ديار الإسلام.   وليت الأمر اقتصر على ذلك، بل امتد إلى تشويه صورة الإسلام والمسلمين، من خلال المتحدثين الذين ينتمي معظمهم إلى التيار اليساري المتأمرك والعلمانيين الذين يرفضون الدين عامة، ويسمون الإسلام بأسماء كودية من قبيل الظلامية والرجعية والأصولية والتطرف والإرهاب والتخلف.. وغير ذلك.. ثم إن الدراما التي يذيعها التليفزيون أو ينتجها تصور الإسلام في صورة الدم والعنف والتدمير والتخريب، والمسلم هو ذلك الملتحي الجهم الذي يكره نفسه ويكره الحياة، ويقتل الآمنين ويروع الأبرياء، ويستحل ما ليس له.. لا تجد أبدًا مسلمًا طبيعيًّا يعيش كما يعيش الناس ويلتزم الأخلاق الرفيعة، ويبذل في عمله بالإخلاص والصدق ما يرفعه إلى منزلة الأسوياء المقبولين، وصارت المسلسلات والأفلام لا تكتمل إلا بوجود هذا النمط الغريب والشاذ للمسلم، وتخصص بعض الممثلين في تقديم شخصية المسلم الإرهابي الدموي؛ ليحظى بالقبول لدى النظام البائد ومثقفيه المعادين للإسلام، وكان يتم الإنفاق على المسلسلات والأفلام التي تتبنى هذا التوجه المنحرف من الملايين التي يدفعها المسلمون الفقراء من دمهم وجيوبهم!.   أما البرامج الثقافية فلا وجود لها تقريبًا، وإذا وجدت فمن خلال مثقف حظائري دينه الرسمي محاربة الإسلام، وخاصة إذا كان شيوعيًّا سابقًا، ثم إن عقيدته هي ما يكسبه من مكافأة وظهور على الشاشة وعرض كتاب رديء أو التحدث عن قضية هامشية تافهة بمنظور غريب لا يخدم الوطن ولا الأمة!.   أما البرامج الحوارية ففيها العجب! بعضها تخصص في مهاجمة الإسلام والإسلاميين، واستضافة الوجوه التي لا تعرف الحياء، وأدمن أصحابها الكذب والتلفيق، وبعض هذه البرامج كان يمتد وقته لساعات، وكان مذيعه القادم من إحدى الصحف الكبرى، وتلاحقه الفضائح المخلة بالشرف مذ كان في خارج البلاد؛ يحاول أن يبدو كوميديًّا ساخرًا وهو يتحرك على مسرح البرنامج بشكله البرميلي المنتفخ؛ ليسخر من الإسلام ويباهي بما كان يسمى الفكر الجديد للجنة السياسات، وهذا المذيع هو الذي لم يستحِ وهو يطالب بتغيير الأسماء الإسلامية للمدارس والمؤسسات الاجتماعية القائمة منذ عشرات السنين، بينما لا يستطيع أن يطالب بتغيير اسم سيده الفرعون من فوق مدرسة أو محطة أو مشروع، لقد قال المذكور في أحد أندية الإينر هويل للسيدات (؟) قبيل الثورة بأيام قليلة (17/1/ 2011م): "إن الأسماء التي تطلق على بعض المنشآت العامة، كما في الساحل الشمالي مثل قرية "الإسراء" و"جنود الرحمن" و"مدارس تبوك"، كلها مسميات تعمق الفجوة والتمييز بين الناس والتمييز الاجتماعي، الذي ينذر بخطر، ويجب فصلها عن المواطنة التي يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات".   هل يستطيع هذا الكائن البرميلي الكوميدي أن يطالب بتغيير أسماء مدارس الراهبات أو القديسة تيريزا أو الأخوات المسيحيات؟   تصوروا هذا الكاتب المذيع خادم الاستبداد والنظام السابق يحتل الآن مساحات واسعة في صفحات جريدته والجرائد الأخرى المناظرة ليفلسف الثورة، ويقنن لها ويوجهها بعد أن ارتدى ثوب الثوري المناضل البطل الذي يعادي النظام الذي كان يخدمه ويلعق حذاءه؟!.   وإذا كانت هذه نوعية الإعلاميين الذين يملكون قدرًا من التفكير، وجاءوا من الصحافة، فما بالك بالدمى الجميلة وغير الجميلة التي عُيِّنت في التليفزيون؛ لأنها تحظى بصلة النسب أو القرابة لأعيان النظام البائد؟!.   إن الواحدة منهن لا تحسن النطق ولا علاقة لها بالقراءة الصحيحة، فضلاً عن الثقافة والمعرفة.. كل ما تجيده هو الماكياج والملابس التي تبدو كأنها استعداد لدخول غرفة النوم، أما مَن يملكن شيئًا من الوعي الفكري واللغوي فهن ندرة، تنتمي غالبًا إلى الفكر اليساري المتأمرك الذي يعادي الإسلام وثقافته.   ثم إنك لا تعدم بين هذه الدمى من تقاتل من أجل اغتراف مال الشعب الحرام، وتطلق لسانها المنقوع في الشرشحة والردح بما يفوق نساء الحواري إياها ضد مَن يقف في طريقها أو يهدد لصوصيتها!.   أما المذيعون فهم يمثلون حالة من البؤس لا تملك إلا ترديد ما يريده السادة الكبار الذين يملون عليهم ما يقال وما لا يقال، وللإنصاف فإن بعضهم حين يُتاح له العمل في قنوات غير حكومية أو غير مصرية، ينطلق وتنفك عقدة لسانه ويعمل بهمة ونشاط من خلال مهنية ملحوظة..   واليوم بعد الثورة هل تغيرت الحال في الجهاز الإعلامي الخطير؟   لم تتغير.. فالقوم هم هم، صحيح أن بعض قياداتهم قد نُحِّي جانبًا وتمَّت ترقيته، ولكن المنهج ظلَّ كما هو عداءً صارخًا للإسلام، وخصومة حادة مع تشريعاته، واستضافة للوجوه الكريهة الكالحة ذاتها التي تنظّر وتفلسف الأحداث، بما يخدم الأقلية العلمانية، ويحقق أهدافها في إقصاء الإسلاميين، بل إقصاء الإسلام نفسه..   وتأمل مثلاً أن تقوم مذيعة تقدم برنامجًا إسلاميًّا بإلقاء خطبة غير عصماء تهجو فيها بعض التيارات الإسلامية، وتقيم الدنيا ولا تقعدها؛ لأن بعض الحوادث التي وقعت هنا أو هناك نسبت بالكذب إلى هذه الجماعة أو تلك، ولم يسعف المذيعة التي يفترض أنها تقدم برنامجًا إسلاميًّا ذكاؤها؛ لتدرك أن هناك حملة إجرامية لتشويه الإسلام والإسلاميين بالباطل، يعمل من أجلها مجرمون يحادون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، سواء كانوا ممن يحملون أسماء إسلامية أو غير إسلامية..   في صحيفة (المصري اليوم) "9/4/2011م" مقال تضمن رسالة من أحد الكتاب يعلق فيها على الأكذوبة الكبرى التي نسبت إلى السلفيين بإقامة الحد على أحد النصارى وقطع أذنه، وقامت كبرى الصحف المصرية في حينها بنشر الأكذوبة خبرًا رئيسيًّا على ثمانية أعمدة في فضيحة مهنية غير مسبوقة.   الرسالة التي تضمنها المقال تشير إلى أن الحادثة تمت بصلة حميمة إلى العادات والتقاليد القائمة في مكان الحادثة (الصعيد)؛ حيث تضع حماية الأعراض قبل أي اعتبار.. وتنفي الرسالة في شجاعة نادرة لصاحبها الذي تحرَّى الأمر في مصدره؛ لأنه ينتمي إلى المنطقة التي وقع فيها الحادث أن يكون للسلفيين أي علاقة بالحادث الإجرامي، فالحادث ابن بيئته التي أنتجت الجريمة، ولكن التليفزيون المصري يأبى إلا أن يحول الأكاذيب إلى حقائق ثابتة ومؤكدة، ويساير خصوم الإسلام الذين يلصقون به كل نقيصة.   لو أن القوم تثبتوا قبل أن يتهموا، وتيقنوا قبل أن يقرروا؛ لكان الأمر مختلفًا، ولكن الرغبة الإجرامية في تجريم الإسلام والمسلمين تسبق كل منطق وتفكير!.   المسلمون ليسوا ملائكة، وهم بشر يصيبون ويخطئون، والتشريعات الإسلامية فيها ما يكفل ردع المخطئين، ومحاسبة المخالفين، ولكن الجريمة الأخطر هي تعميم الأخطاء والانحراف على المسلمين جميعًا! وهي الجريمة التي تقترفها الأقلية العلمانية لتحقيق مكاسب سياسية لا تستحقها ولا تجوز لها بحكم عدم وجودها في الشارع المصري.   إن مجتمع صدر الإسلام شهد أخطاءً من بعض الصحابة، وقد نزل الوحي لمعالجة هذه الأخطاء، ولم يقل أحد يومئذ يجب أن نتخلص من الإسلام، أو يعمم الحكم على المسلمين جميعًا بأنهم مخطئون!.   الإعلام الفاسد الذي لم يتغير يحتاج إلى بناء جديد يتخلص من الجيش العرمرم في ماسبيرو ببيع القنوات والموجات إلا بعضها الضروري، على أن يكون لها مجلس إدارة محايد فتحقق قومية الإعلام بالمعنى الدقيق، لخدمة الدين والوطن.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل