المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد يكتب: فساد.. تاريخي!

04/25 23:03

في الزمان الهابط تنحدر قيمة الكلمات، فكما تمسخ الحقيقة تمسخ الكلمات، وتستعمل في غير موضعها, فيقال "زعيم" لفأر ذليل مفعم الروح بالهوان أمام أعدائه وإن استأسد على قومه وتلك شيمة الجبناء, ويقال "حكيم" عن نصف متخلف عقليًّا جاهل فظ غليظ القلب، ويقال "حامي الحمى" لمستباح الديار والحرمات!.   وفي زمن مبارك هبطت الكلمات ورخصت، حتي صار وصف "تاريخي" يطلق على حدث تافه فارغ بلا معنى باقٍ، كإحراز لاعب كرة هدفًا في مرمى الخصم في لعبة لا تنهض بها أمة ولا تطعم جائعًا ولا تكسو عاريًا ولا تعالج مريضًا.   وفي الحقيقة إن نظام مبارك قد أبدع وأتقن وسائل الإلهاء، وراح إعلامه ينفخ في كل حادث تافه لإلهاء الناس، بل كثيرًا ما كان يصنع الحدث، كأن يزج باثنين من ديكته للتناقر بألفاظ   خادشة للحياء ويحلان ضيفين أثيرين على البرامج الجماهيرية؛ ليصبح السباب تكملة "عشاء" غير القادرين وهم ملايين.   والحقيقة أن مبارك أنجز ما يعجز عنه ربما إبليس نفسه بحق مصر والمصريين, فعمالته للصهاينة ربما تصلح عنوان عصره وخنوعه وذله وجبنه أيضًا, وعدم انتمائه للمصريين عنوان بارز طوال حكمه، حتى إنه قال في لحظات احتضار نظامه إنه لم يبحث قط عن شعبية زائفة, وقد صدق كل الصدق ولكن مع حذف كلمة "زائفة" من الجملة؛ لأنه في الحقيقة لم يبحث عن أي شعبية؛ اللهم إلا بين الصهاينة حتي إنهم ذبحوه بسكين بارد، ولو بقي لديه من الإحساس ذرة لمات كمدًا لما وصفه بعضهم مرةً "بالكنز الإستراتيجي لإسرائيل"، ومرة بوصف أنكى وأمر، وهو أنه ثاني أهم شخصية في تاريخ "إسرائيل" بعد الصهيوني "بن جوريون"! تصوروا؟ تصوروا أن مبارك أهم للصهاينة من موشي ديان ووايزمان وروتشيلد وجولدامائير وبيجين وحتى مجرم الحرب الأكبر السفاح  شارون؟!   وفي رأيي أن أكبر ما أنجز مبارك مما يستحق وصف "تاريخي" بحق هو الفساد, بل إن كلمة "فساد" تقف عاجزةً عن وصف ما روَّع المصريين اكتشافه حتى إنه أصاب بالخزي الكثيرين من الذين تبنوا عند سقوط زعيم العصابة وجوب إكرامه لتقدمه في السن وسبق خدمته في القوات المسلحة.   في البلاد التي يحكمها رجال دولة لا رجال عصابة ينتحر الوزير؛ لأنه اقترض من صديق له في ظروف تشي باستغلال النفوذ, وفي الكيان الصهيوني شرِّد مسئولٌ كبيرٌ؛ لأنه وضع مبلغًا هزيلاً في بنك أمريكي ولم يكن يعلم أن الإيداع خارج الكيان محظورًا, رغم أنه لم يسرق المال، بل جمعه من عمله, ناهيك عن انتحارات المسئولين اليابانيين لأسباب لا يهتز لها جفن أي من أصحاب الوجوه البليدة عندنا من جلاَّبي النكبات من موت الألوف بعبَّارات غارقة أو قطارات ومسارح حارقة أو مبيدات وأغذية مسرطنة.   إن من أغرب وأعجب ما جرى في مصر خلال الأعوام السوداء الماضية هو حالة "الشيزوفرينيا" التي تمتع بها أكثر المسئولين, فأنت ترى أحدهم مثلاً يصرخ في مجلس الشعب عن فساد "وصل إلى الركب"، وترى آخر يتحدث عن زمن الطهارة والشفافية, وتقرأ عن حكايات الخيال المعتوه المصنوعة بغباء عبقري عن الرئيس الذي أدَّى الضريبة المستحقة عن سلعة تافهة مستوردة؛ لأنه ليس فوق القانون, وأن وزير المالية (الفارّ حاليًّا من وجه العدالة) لمَّا علم أن السلعة التافهة للرئيس صمَّم على دفع الضريبة عدًّا ونقدًّا ولآخر مليم، وأنه تصرف بصرامة شبه انتقامية، ولم يكن باقيًا إلا أن يكتب على (الطرد)، وأظنه كان نوعًا من التمر عبارة "بالسم الهاري!", وتقرأ عن الرئيس المهموم الذي يمضي الليل مسهد الجفون بلا نوم لأجل مسحوقي الدخل الذين كانوا طوال حكمه همه الأكبر وشغله الشاغل!.   إن التاريخ سوف يقف مبهورًا أمام إنجاز مبارك التاريخي الأكبر، وهو صنع "دولة الفساد" الذي بلغ حدًّا جعل الكثيرين من المصريين كلما سيق متهم للعدالة يتضرعون إلى الله ألا تكون سرقاته بالمليارات, ولكن مع مرور الوقت وتعاقب المتهمين تبين أن المطلب عسير المنال!.   في دولة تبني مساكن للشباب تقل اتساعًا عن قبور كبار اللصوص التي تتكلف بعضها مئات الألوف من السحت, فحتى القبور تقام من المال الحرام, وفي بلد يستورد أسوأ اللحوم وأسوأ الأسماك وأسوأ شاي وأسوأ ألبان وأسوأ منتجات على ظهر الكرة الأرضية حتى يقال إن بعض الدول تنتج منتجات بالغة الرداءة تخصصها للتصدير إلى مصر تحت حكم العصابة, في مصر نفسها كان الواحد من أفراد التشكيل العصابي لا يتملك قصرًا واحدًا ولا فيلا واحدة بل عددًا من القصور والفيللات والشقق في أرقى الأماكن على امتداد ربوع مصر, فهو يمضي النهار سارقًا ملوث اليدين بمالنا، ثم يطل علينا في الليل عبر الشاشات، واعظًا ناسكًا زاهدًا أو يطل في المرحوم المجلس سيد قراره صارخًا محتجًّا عن الفساد مشددًا على ضرورة تعقب الفاسدين!.   لقد أسيء الناس بالفساد التاريخي مرات لا مرة واحدة, مرة لما نهب خيرهم وحرموه على يد الأنذال والمجرمين والخونة اللصوص, ومرة بسبب الإهانة فكيف لشعب في عظمة وعبقرية الشعب المصري أن يحكمه تشكيل من الأيدي الملوثة بدمهم ومالهم، ثم هم يستغفلوننا طوال الوقت ويتحدثون عن قيم الشرف والنزاهة والطهارة، بينما إبليس نفسه ربما يخجل من سوء ما صنعوا بمن استأمنوهم, ومرة ثالثة أسيء الناس لما تبنَّى بعض من ركبوا الموجة الثورية من أنصار نظرية الحلول الوسط وسماسرة كل الاتجاهات وألآكلين على كل الموائد, وراحوا يطرحون حلولاً عن "التصالح مقابل رد المال"!.   لقد سرقنا وأهلنا، ونحن لن نتسامح لا في السرقة ولا في الإهانة, ولا بد أن يأخذ القانون مجراه ضد كل اللصوص، بدءًا من كبيرهم إلى أصغرهم, ومن يقض عليه بالسجن فلا بد أن يسجن وإن قضى على أيهم بالإعدام فلا بد أن يعدم, أما أموالنا فسوف نستردها ولكن قبل استرداد المال لا بد من القصاص العادل إرضاء لكبريائنا وكرامتنا, وعلى المجرمين أن يحمدوا الله حمدًا كثيرًا؛ لأنهم لم يساقوا إلى المحاكم الاستثنائية التي نكلوا من خلالها بالشرفاء, وعلى أصحاب الحلول الباهته أن يكفونا شر حلولهم المهينة المستخذية!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل