المحتوى الرئيسى

ثلوج حكامنا.. وأسرار أمريكا بقلم:عزيز العصا

04/25 20:51

بسم الله الرحمن الرحيم ثلوج حكامنا.. وأسرار أمريكا!! عزيز العصا aziz.alassa@yahoo.com لقد شهد النصف الثاني من القرن الماضي اتساع لحركات التحرر العربية، أدى في النهاية إلى أن تتكلل تلك التضحيات باستعادة شعوبنا حريتها؛ عندما تحررت من نير الاستعمار والتبعية، واستغلال الثروات، وجعل أصحاب الأرض الأصليين عبيداً، بل مجرد عضلات، بلا إرادة، يأتمرون بأوامر المستعمر الذي ينهب الخيرات ويدوس التاريخ وينتهك الجغرافيا لصالح مخططاته العدوانية الهادفة إلى تكريس وقائع تفضي إلى انقياد تلك الشعوب وتبعيتها المطلقة، أينما حلت وارتحلت. وبمجرد زوال الخطر المباشر للمستعمر وذيوله وأذنابه، يُفتَرَض أن تكون تلك الشعوب قد تنفست الصعداء وأخذت تطور الاستراتيجيات الوطنية الكفيلة بأن تستعيد ذاكرتها التاريخية، وثقافتها التقليدية التي تزخر بالقيم والمثل العليا التي تشكل شخصيتها التي تتميز بها بين شعوب الأرض قاطبة، كما وسعت تلك الاستراتيجيات لكي تمكنها من مواكبة روح العصر ليأخذ أبناؤها دورهم في رفعة البشرية وتطورها، دون أن تخلو من نقد الفكر الغربي الذي برر استعمارهم واستباحة حرماتهم الوطنية عبر عقود من الزمن. علماً بأن الإنسانية جمعاء قد ورثت عن الغرب مفاهيم ونظريات، تشبه الحقائق المطلقة، عن الطبيعة وما وراء الطبيعة، وقد تعززت تلك النظريات بالتكنولوجيا التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية لكل فرد، لتحقق في النهاية تغيراً نوعياً في الثقافات الفردية والجمعية لتلك الشعوب. إلا أنه يتبين، بما لا يدع مجالاً للشك، أن رحيل المحتلين قد سبقه التخطيط لإنشاء كيانات مبعثرة، منها ما لم يكن عدد سكانه يساوي عدد قاطني حارة صغيرة في القاهرة أو بغداد، تحمل كل منها اسماً مستقلاً وعَلَماً، لا يشاركه فيه أحد، مسجلاً في المحافل الدولية، بخاصة في الأمم المتحدة ككيان مستقل يضع رأسه في رأس أمريكا وبريطانيا العظمى والاتحاد السوفييتي في حينه.. كيانات محاط كل منها بحدود رسَّمها الاحتلال، بما يؤكد على الحذر "بل العداء التام" من الجيران (وهم من الأشقاء الذين يتوحد معهم في اللغة والمشاعر والقيم والاتجاهات).. كيان محاط بجيران يحرم عليهم حتى النظر عبر الحدود و/أو التحسر على الماضي القريب للأمة القوية المهابة الجانب. وقد جاء هذا كله وفق استراتيجية بعيدة المدى، تهدف إلى "ضمان!!" عدم إمكانية استعادة الأمة لكينونتها الطبيعية كحاضنة آمنة لأبنائها الشرعيين أصحاب الحق في التنعم بخيراتها والعيش بكرامة على الأرض التي تحررت بفضل تضحيات آبائهم وأجدادهم. ثم سُلِّمَت تلك الكيانات لمن فَهِمَ قواعد اللعبة التي تقوم على أن عمر الحاكم يطول بالقدر الذي يبقي فيه على ثوابت الاستعمار القديم-الجديد المتمثلة في ضمان تدفق النفط إلى الغرب، والابقاء على الجغرافيا، بما تتمتع به من خصائص استراتيجية، في خدمة الملاحة البرية والبحرية والجوية وفي خدمة التحركات العسكرية الهادفة إلى إخضاع كل من يرفع رأسه في هذه الأمة، والتسلح بأحدث الأنواع والأشكال، لا للذود عن الوطن في مواجهة الأعداء، بل لتأجيج العداوة والبغضاء مع الأشقاء. أما كرامة الإنسان وحريته في التفكير، وحقه في العيش الكريم، وما يتطلبه ذلك من منظومة حكم ديمقراطية فلم تكن في يوم من الأيام معياراً، ولو بنسبة تقترب من الصفر، للسكوت عن الحكام وأفعالهم. ولعل هناك من الغرب من يقول: الديمقراطية والنفط لا يلتقيان. فلم يَخفَ على أحدٍ، مهما بلغ من السذاجة السياسية، مدى التستر الذي مارسته أمريكا وأوروبا على بعض الحكام بأفعالهم التي يندى لها الجبين، وأرصدتهم ذات الأرقام الفلكية، وأسرارهم بل فضائحهم التي نثروها على أشواك أجهزة الاستخبارات الغربية بلا وازع من خجل أو ضمير.. فقد كان التستر على كل مَن كرَّسَ وطنه ومقدرات شعبه وما فوق الأرض وما في باطنها لخدمة ما لا يخدم وطنه. أما عندما هبت الجماهير بتلقائيتها في وجه أولئك الحكام، التي لم يكن للاستعمار القديم-الجديد فَضلٌ فيها، لا من قريب ولا من بعيد، تذكر الغرب وعلى رأسه أمريكا أنهم حكام متسلطون لا ديمقراطيون وأن تغييرهم هو ضرورة من ضرورات إسعاد البشرية جمعاء!! وعندئذ تذكرت أمريكا، ومن يدور في فلكها من أحلاف، أن هذه الشعوب تستحق الحياة.. ولكنها حياة على الطريقة الأمريكية-الأوروبية. ولعل المتابع للتحركات الأمريكية اتجاه ما جرى في تونس ومصر واليمن والبحرين وما يجري في ليبيا من سفك للدماء تقشعر له الأبدان، يخرج بنتيجة واحدة مفادها أن أمريكا تدعم وتمول وتسند التغييرات في تلك الدول لتولد رياحاً تجري بما تشتهي سفن السياسة الخارجية الأمريكية المتمثلة بضمان تدفق النفط، وحفظ أمن إسرائيل، وتكريس الجغرافيا لتوفير تحرك عسكري آمن لها في المنطقة كلما احتاجت ذلك. أما ثمن إعادة "تطويع" المنطقة وفق السياسة الأمريكية فهو من أموال العرب ودمائهم ونفطهم.. ولعل ما يجري في ليبيا خير شاهد على ذلك فالقذافي يعبث بأموال الليبيين ويسلط الليبيون على الليبيين، وأمريكا تؤجج النيران وتوفر ما يضمن استمرار لهيبها بأن تسلط الليبيين على الليبيين، وأما أثمان الأسلحة التي يتم ضخها من مخازن الغرب، وحتى من إسرائيل، فهي من أموال الليبيين ومن نفطهم.. وأما النتيجة النهائية، فإن الليبيين لن يهنئوا يوماً لا بالديمقراطية التي ثاروا من أجلها، ولا الحرية التي ذُبِحوا وهم ينشدونها، ولا الاستقلال والانعتاق من التبعية التي يحلمون بها. أما في مصر فإننا نسجل اعتزازنا بقادة ثورتها الذين فاجأوا العالم أجمع بما تحلوا به من قدرات فائقة على إدارة الأزمة بما جعل الثمن في حده الأدنى، بل أدنى الأدنى.. وكل التقدير والثناء على تلك المعالجات التي حافظت على وحدة أرضها وشعبها، وأعادت لها هيبتها، وحفظت لشعبها حق محاسبة مسيئي استخدام السلطة، والعابثين بأمن مصر وأهلها.. فبقيت مصر أم الأحرار، وأم الثوار، وأم العباقرة الذين شكلوا مدرسة في فن إدارة الأزمات، وفوق ذلك تبقى مصر أم الدنيا التي هتفنا لها منذ طفولتنا المبكرة وسنبقى نهتف لها كما نهتف لفلسطيننا الغالية. أما خلاصة القول، فإن ذوبان ثلوج الحكام قد كشف العيوب التي كانت مختبئة تحتها من أنه لم يكن هناك أي شكل من أشكال الوفاء من قِبَلِ الغرب، وعلى رأسهم أمريكا، لمن خدموا سياساتهم، وحققوا استراتيجياتهم في المنطقة، كما أنه لم يكن لشرط تحقيقهم للديمقراطية في حكم شعوبهم أي مكان على أجندة السياسة الخارجية لأيٍ من الدول العظمى، بل أن تأمين النفط و"إخراس" الشعوب وضبط الإيقاع بما ينسجم واللحن الأمريكي و/أو الأوروبي هو الذي أبقى الحكام على كراسيهم حتى تاريخه، والتي غادروها تحت جنح الظلام، هرباً من وابل غضب شعوبهم الحرة الأبية التي ترفض الضيم والاستكانة والتبعية. بقي أن نقول: أيها الثوار، أينما كنتم في قلب الأمة أو على تخومها، احذروا من العبث في مستقبل الأجيال، ولتعلموا أن ثروات أوطانكم ليست ملكاً لأحد، بل هي أمانة في أعناقكم للأجيال القادمة؛ وعليكم ممارسة ثوراتكم بلا تبعية، ولا ثمن من الغير (مقبوض أو غير مقبوض)، ولا تجعلونا كمن انتقل من "الدلف" إلى "المزراب".. لأن أجمل ثمن لتضحياتكم هو أن تذكركم شعوبكم كثوارٍ-أحرار، وتتغنى بكم الأجيال القادمة وتضع ذكراكم نياشين على جبينها.. وإلى أن تتحقق آمالنا في الحرية والتحرر، نقول: اللهم احفظ دماء أبناء الأمة في كل مكان وزمان، واجعل نيران الحاقدين والمتآمرين برداً وسلاماً على المنتفضين في وجه الظلم والطغيان.. العبيدية، 22/4/2011م

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل