المحتوى الرئيسى

هذي الملايين حتماً أمة العرب بقلم:ياسين السعدي

04/25 21:07

هدير الضمير هذي الملايينُ حَتْماً أمةُ العربِ!! ياسين السعدي كنت قد أشرت في مقالي المنشور في القدس الغراء يوم الجمعة بتاريخ 25/3/2011م، تحت عنوان: (أقوال وأمثال – مع حكماء الشعراء)، إلى ماضي العرب المجيد الذي تغنى به الشاعر البحتري يفخر بقومه قائلاً: إنّ قَوْمي قَوْمُ الشّرِيفِ قَديماً ***** وَحَديثاً؛ أُبُوّةً وَجُدُودَا مَعْشَرٌ أمسَكَتْ حُلُومُهُمُ الأرْ ***** ضَ وَكادتْ من عزّهم أن تَميدَا وأشرت في المقابل كذلك إلى ما وصل العرب إليه اليوم من الذلة والهوان وضياع هيبتهم وتكالب الأمم عليهم، على لسان الشاعر الفلسطيني، يوسف الخطيب، الذي استنكر الوضع العربي والتخاذل العربي، فقال متبرئاً من هذا الوضع: أَكادُ أُؤمِنُ، مِن شَــكٍّ ومن عَجَبِ ***** هَذيِ الملايينُ لَيْسَـتْ أُمَّةَ العَرَبِ هَذيِ الملايينُ لم يدرِ الزمانُ بـها ***** ولا بِذي قارَ شُــدَّت رايةَ الغَلَبِ أَأُمَّتي، يــا شُـموخَ الرأسِ مُتلَعَةً ***** مَن غَـلَّ رأسكِ في الأَقدامِ والرُّكَبِ لكن الأمم الحية تنهض من كبوتها مهما طالت لحظة الضعف، وتستيقظ من غفوتها مهما امتد زمان التيه والضياع والهوان. هذا هو ما يحدث اليوم من اليقظة العربية، وهو ما يبشر به الوضع العربي المتفجر في هذه الأيام المباركة من ثورات على الظلم والفساد والاستبداد، وانتفاضة مباركة في كل أرجاء الوطن العربي الكبير ضد الطغاة والمستبدين، مما يجعل المواطن العربي يشعر بالثقة بمستقبل عربي عزيز، وعودة الروح العربية الأصيلة، وإشراقة الأمل بنهضة عربية شاملة تصحح مسيرة الأمة العربية، وتضعها في مكانتها الحضارية اللائقة. هذي الملايينُ حتماً أمةُ العربِ ما يشاهده العالم كله من الملايين التي يدفق بها الشارع العربي من المواطنين من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية؛ رجالاً ونساءً ومثقفين وقياديين ومن عامة الناس، يرددون في الساحات والميادين العامة بصوت واحد يدعو إلى إسقاط الأنظمة المستبدة، وتنحي القيادات الفاسدة، وإعادة الاعتبار للأمة التي أوصلتها هذه القيادات إلى مرحلة الهوان والخذلان؛ هذي الملايين هي حقاً أمة العرب التي قال فيها الشاعر يوسف الخطيب بأنه على يقين أنها (ليست) أمة العرب التي تبوأت مكان الصدارة بين الأمم التي صنعت الحضارة الإنسانية. بلغ اليأس والقنوط بالمفكرين العرب مبلغاً كبيراً من الإحباط وفقدان الأمل بتصحيح الوضع العربي المزري والمتردي، فصرخ كثير من الشعراء والمفكرين يستنهضون الهمم، ويستصرخون هذه الأمة العريقة، التي يبدو اليوم أنها قد نفضت عن نفسها غبار المذلة، وانتفضت في وجوه المتخاذلين، وألقت بهم في المواقع التي وضعوا شعوبهم فيها. هذه الملايين هي حقاً أمة العرب التي حققت الانتصار على جلاديها، بعزيمتها وإصرار شبابها وتصميم هذه الملايين على تحقيق طموحات الشعب العربي بالحرية الصادقة والاستقلال الحقيقي والحياة الكريمة. لم يكن المواطن العربي يتوقع أن يرى هذي الملايين وهي تهتف منادية بالحرية، ويتسابق شبابها وشيبها؛ رجالاً ونساءً في الساحات والميادين العامة بصدور عارية، بالرغم من كل الممارسات الظالمة ضدهم، والتي تصل حد القتل بالرصاص الحي أو الاختناق بالغازات السامة. لم يكن المواطن المصري يتصور أن ينزل المواطنون بالملايين في كل أنحاء القطر المصري إلى الساحات والشوارع قبل الخامس والعشرين من شباط الماضي ليواجه عصابات (البلطجية) و (رجّالة) النظام بروح العزيمة والإصرار على تحقيق طموحاته وتلبية أماني الشعب بالحياة الحرة الكريمة الخالية من الخوف، والمليئة بالأمل والمفعمة بالأمن والاستقرار. إنها الملايين التي ذاقت مرارة الذل والهوان من جلاديها، فثارت على الظلم واستطاعت أن تقلب المعادلة، وتضع من كانوا يمارسون أساليب البطش والجبروت في أقفاص اللصوص والمجرمين. هذي الملايين التي نفضت لباس الذل، وخلعت لباس الخوف من المخابرات والاستخبارات ورجال الأمن بكل مسمياته المتعددة، هي أمة العرب التي أنشد البحتري مفاخراً بها في قوله: إنّ قَوْمي قَوْمُ الشّرِيفِ قَديماً ***** وَحَديثاً؛ أُبُوّةً وَجُدُودَا هذي الملايين سارت اليوم في طريق الآباء الذين تغنى بهم البحتري، ولن تقف لتصل إلى الوضع الذي جعل يوسف الخطيب ينكرها ويستنكر وضعها الذي تعيشه عندما صاح متألما: أَكادُ أُؤمِنُ، مِن شَكٍّ ومن عَجَبِ ***** هَذيِ الملايينُ لَيْستْ أُمَّةَ العَرَبِ هذي الملايين استطاعت أن تفرض احترام العالم لها من جديد، وإن كان بعض الاحترام والتقدير رياء ومداهنة ينبع من نظرة أصحابها إلى المصلحة المادية، ويتبع لرغباتهم بالحصول على الامتيازات والمنفعة لاقتصادية، وليس من أجل (حماية المدنيين) أو من باب الانتصار لمبدأ (حقوق الإنسان). هذي الملايين هي حقاً أمة العرب الذين تفيض كتب التاريخ في الحديث عن تضحيات قادتها العظماء في سبيل مبادئهم قديماً، وهم الذين يلقي أحفادهم بأجسادهم اليوم أمام الدبابات، تحدياً لأساليب القمع التي تمارسها الأنظمة المستبدة والظالمة. من الواضح والمفهوم تماماً أن دائرة الغضب الشعبي العربي تتسع يوماً بعد يوم لتشمل معظم أرجاء الوطن العربي، ولكن بدرجات متفاوتة. حتى الأجزاء التي تبدو هادئة، فإنما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأن الوضع لا بد أن يصل إلى درجة الغليان ومرحلة الانفجار الذي يطيح بكل ما هو قائم ليقيم مكانه البناء السليم والنظام المسالم، وليس البناء القائم على الامتيازات والاستئثار بخيرات البلاد وإقامة النظام الديموقراطي الصحيح الذي لا يقوم على احتكار السلطة والثروة لفئة محدودة من رأس النظام، والذين في خدمته وخدمة مطامعهم وخدمة من يقوم بحمايتهم. يشكك بعض المرجفين بتوجهات الحركات الشعبية التي تجتاح الوطن العربي بأنها من صنع (أجندات خارجية) وجهات معادية دأبت على الوقوف ضد تطلعات الشعوب وضد طموحات الأمم. قد تكون بعض التوجسات والتخوفات مقبولة ومعقولة، ولكن الشعب الذي يتكاتف كل أبنائه بمختلف فئاته العمرية وأطيافه الاجتماعية، هو من النضج والوعي بحيث صار قادراً على الوصول إلى أهدافه الجليلة وطموحاته النبيلة، كما قال الشاعر التونسي، الذي كان وطنه هو الرائد في هذه الانتفاضات العربية المباركة: إذا الشعبُ يوماً أراد الحياةَ ***** فلا بُدَّ أن يستجيبَ القدرْ ولا بُدَّ لليلِ أن ينجلي ***** ولا بُدَّ للقيدِ أنْ ينْكَسِرْ! ونحن بدورنا نرد متفائلين على الشاعر الفلسطيني المتشائم: أيقنتُ حقاً بلا شكٍّ ولا رِِيَبِ ***** هذي الملايين حتماً أمةُ العربِ هذي الملايين آسادٌ لقد وثبت ***** كأنما هي طوفان من اللهب هذي الملايين آسادٌ مزمجرة ***** كأنما هي بركان من الغضب!! نشرت في جريدة القدس يوم الأحد بتاريخ 17/4/2011م؛ صفحة 44 yaseenalsadi@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل