المحتوى الرئيسى

مصطلحات ودلالات وتعليقات 19 - المندسون بقلم:ياسين السعدي

04/25 18:48

هدير الضمير مصطلحات ودلالات وتعليقات - 19 ياسين السعدي (المُنْدَسّون) يتردد هذا المصطلح في مناسبات الاحتجاج والمظاهرات، كما حدث ويحدث من المظاهرات ضد الأنظمة العربية الحاكمة التي تواجه احتجاجات صاخبة وترفع شعارات تطالب ب (إصلاح النظام) و تصل حد المطالبة ب (تغيير النظام) و (إسقاط النظام) أحياناً؛ حيث تطلق أبواق الأنظمة عبارات تتهم بها (الجهات المعادية) و (الأجندات الخارجية) و (المندسين)، وغير ذلك من المصطلحات التي تدعي أن ما يحدث ليس من فعل المواطنين الذين (ينعمون) بالحرية و (يستمتعون) ب (حقوق الإنسان) التي يتغنى بها الغرب ادعاءً، بينما يمارسها النظام الحاكم في بلده بكل ما يفهم من الحرية بكل أشكالها. (المُنْدَسّون) للجمع ومفردها المُنْدَس، وهي صفة تعني الدخول في الشيء. ونقول في المثل الدارج (يدس السم في الدسم)، أي يُدْخِل السم القليل في الغذاء الدسم. ونردد هذا المثل كثيراً لمن يتحدث في الأمور التي تعتبر ذات قيمة ومطلب للمجتمع بينما يضمن حديثه تلميحات للتشكيك وإثارة التساؤلات بطريقة توحي بالثقة والطمأنينة بينما، يقصد منها إثارة البلبلة وزرع الشك وعدم الاطمئنان. مفهوم المندسين يقول المنجد: (دس الدم دساً: أدخله، ودس الشيء تحت التراب وفيه: أدخله فيه وأخفاه). ونقرأ في الروايات عبارة (دس جسده في الفراش)، وهي تعطينا المعنى الواضح. ولعل إعطاء الحقنة في الجسم وإدخال العلاج تحت الجلد أكثر توضيحا لمعنى مصطلح (دسَّ). وقد جاء المصطلح من ملاحظة كيف (يندس) بعض رجال الأمن بلباسهم المدني بين المحتجين والمتظاهرين وهم يتظاهرون بأنهم من المحتجين، بينما هم عيون السلطة التي تلاحظ وآذانها التي تستمع، لكي تنقل ما تراه وما تسمعه إلى الجهات الرسمية. وفي المنجد كذلك أن: (الداسوس: الجاسوس لأنه يدس على الآخرين). في القرآن الكريم قال تعالى في الآية 59 من سورة النحل يصف الوضع النفسي لمن يرزقه الله البنات عند العرب في الجاهلية، وعدم الرغبة بالمولودة، وكيف يكون الوالد متردداً تتملكه الحيرة ولا يملك القدرة على اتخاذ القرار فيما يفعل: (يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون). وفي الآيتين التاسعة والعاشرة من سورة الشمس: (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسّاها). ويفسرها سيد قطب، رحمه الله، في كتابه: (في ظلال القرآن)؛ بما يفيد أن الإنسان الذي يستطيع السيطرة على هواجس النفس الإنسانية هو إنسان فالح وناجح. والإنسان الذي يخفي هذه المقدرة ولا يظهرها، فهو إنسان خائب وفاشل، ويلاقي جزاء تصرفاته وأفعاله. المندسون الخطرون أوردت الصحف الإسرائيلية قبل مدة بعيدة نسبياً، أنه مما يشغل الجهات المختصة في إسرائيل هو مصير ذرية رجال يهود كانت قد (دستهم) بين الفلسطينيين الذين كانوا يفرون من مدنهم وقراهم سنة 1948م طلباً للنجاة واستقروا في المخيمات التي أقيمت على عجل لإيواء الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين الذين صاروا لاجئين. يورد التقرير المذكور أن هؤلاء (المندسين) اندمجوا في المجتمع الجديد، وتزوجوا من فلسطينيات وكونوا عائلات جديدة، ولهم ذريات من البنين والبنات، ولا يعرف مصير ذرياتهم ومكان تواجدها، وإن الجهود تبذل لمتابعة هذه القضية. أشهر المندسين المعاصرين يذكر أبناء جيلي، كما كان يقول الأديب الفلسطيني الراحل، إميل حبيبي، قضية الجاسوس الإسرائيلي، إيلي كوهين، والذي (دسته) المخابرات الإسرائيلية في المجتمع السوري كمغترب سوري رجع إلى سوريا من أمريكا الجنوبية، تحت اسم كامل أمين ثابت، وظل يتقدم حتى كاد أن يصل إلى القمة، لولا اكتشافه مصادفة، كما تروي القصص الكثيرة التي كتبت عنه. تمت محاكمته وأعدم في ساحة المرجة في دمشق في 18/5/1965م. ولكن إسرائيل ما فتئت تطالب باستعادة رفاته، حسبما جاء في الأخبار قبل مدة قريبة، حيث طالبت أرملته بذلك خلال مفاوضات تبادل الأسرى مع حزب الله سنة 2008م. وقرأت قبل مدة أن المخابرات الألمانية (دست) إحدى الفتيات الألمانيات قبل الحرب العالمية الثانية وتابعتها وأشرفت على تقدمها في مواقعها المهنية حتى وصلت إلى موقع سكرتيرة القائد الأمريكي لقاعدة بيرل هاربر (ميناء اللؤلؤ) في جزر هاواي في المحيط الهادئ. وعندما بدأت الحرب ودخلتها اليابان إلى جانب ألمانيا، كانت هذه (المندسة) تزود القوات اليابانية بالمعلومات الدقيقة عن القاعدة الأمريكية، مما ساهم مساهمة كبيرة في تدمير الأسطول الأمريكي في الهجوم المباغت الذي قامت به اليابان في 7/12/1941م، وقد اختفت السكرتيرة ولم يظهر لها أثر بعد ذلك. والأمثلة كثيرة، ولا نستطيع الحصر. ولكن من الواضح تماماً أن (المندسين) يقومون بخدمات قد تغني عن جهد جيش كبير من الجنود في تحقيق أهداف الذين قاموا بدسهم. طرفتان عن المندسين يروي كبار السن في جنين أنه تم تكليف شرطي عربي في عهد الانتداب البريطاني بجلب مجموعة من المتهمين بقضايا جنائية من السجن في السراي القديمة؛ مدرسة بنات فاطمة خاتون اليوم، مقابل مسجد فاطمة خاتون (المسجد الكبير)، إلى قاعة المحكمة في السراي الجديدة، (المقاطعة). ونظراً لعدم وجود سيارة خاصة لنقل المساجين في حينه، فقد ساقهم رجل الشرطة أمامه. وكان لا بد من المرور بهم من الشارع العام المزدحم لبعد المسافة بين المحكمة والسجن. في أثناء السير والمساجين أمامه، التقى به صديق انشغل بالحديث معه لفترة قصيرة. وعندما لاحظ أحد المعتقلين من المجموعة انشغال الشرطي مع صديقه، غافله و (اندس) بين الناس، وتابع سيره كأنه واحد منهم، دون أن يلاحظ الشرطي هذه الحركة (الذكية). بعد أن ابتعدت المجموعة عن المكان، لاحظ الشرطي أنها تقل واحداً عن العدد المكلف بجلبه. ولكي يتدارك الموقف أمسك بأحد المارة و (دسه) في المجموعة على أنه واحد منهم، ولم يشفع ل (المدسوس) احتجاجه وإنكاره لهذه الحركة الظالمة. طرفة أخرى أما هذه الطرفة فتنسب إلى شخص معروف جيداً في منطقتنا بطرائفه ومواقفه الفكاهية. كان الرجل يسير مع مجموعة في شارع الملوك في حيفا قبل النكبة، والذي صار اسمه شارع الاستقلال بعد قيام إسرائيل. كان الشارع مزدحما بالمارة، وبينهم كثير من الرجال (المطربشين)، فما كان من الرجل إلا أن مد يده إلى رأس أحد المارة أمامه وانتزع طُربوشه بخفة، وأخفاه في سلة كانت في يده، وراح الرجل يتلفت حوله يبحث عن سارق طربوشه، ولم يجرؤ على اتهام أحد. بعد أن قطع السارق مسافة وضع الطربوش على رأسه و (اندس) بين الناس وظل ماشياً وغير مكترث كأنه لم يفعل شيئاً، ومضى صاحب الطربوش برأسه العاري. نشرت في جريدة القدس يوم الأحد بتاريخ 24/4/2011م؛ صفحة 44 yaseenalsadi@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل