المحتوى الرئيسى

المشكلة فى التفاحة

04/25 08:06

تفاحة! أليس عجيبا أنه طيلة الوقت يحلم بتفاحة! تتشكل له فى اليقظة والمنام. صحيح أنها حمراء، ناضجة، شهية، مًُغرية، كما لم يشاهد أى تفاحة من قبل، لكن لا الوقت ولا الظروف يسمحان له بالانشغال بتفاحة. الليل قد أرخى سدوله، وأطبق عليه الصمت كجدران الزنزانة. يرقد الآن فى السجن، على سريره المعدنى، يحملق فى الخيالات المضطربة على السقف، التى تتشكل دائماً فى صورة تفاحة!. الذى حدث لا يمكن أن يكون حقيقياً. هو وأخوه فى السجن! يُحقق معهما حتى الفجر! ويقتادونهما فى الطائرة كمجرمَيْن! تُوضع الكلابشات الحديدية فى أيديهما! مستحيل! أيها القلب المفعم بالخوف، أيها العقل المُغيب بالدهشة، أيتها الدنيا المثقلة بالجنون. هل من أحد يفسر لى أين ذهبت القوة والعظمة والمجد؟! أين العيون الخاشعة والجباه الخاضعة؟ أين الثقة المسيطرة على نظراته ولفتاته؟! يأمر فيُطاع، يشتهى فيُجاب، يقول للشىء كن فيكون. تقلّب على سريره فى هدوء محاذراً أن يُوقظ أخاه. ولكن أتراه نائما حقا؟ مستحيل! إنه يغمض عينيه ليتظاهر بالنوم متفاديا أن يكلّمه. يتهمه أنه كتب النهاية، أخرج أبويه من الجنة، قطف التفاحة المحرمة.. تفاحة التوريث. مرة أخرى عادت تتشكل له التفاحة. حمراء، شهية، مغرية، تناديه أن يأكلها! عجيب ما يحدث له، أفكاره متضاربة، مشاعره متداخلة.. هل يندم على أخطائه أم يصب الغضب صباً؟! يصبه على المحبوسين فى الزنزانة المجاورة، على القدر الذى راوغه، أغواه بتفاحة الأمل، وحين مد يده ليقطفها تحولت إلى كرة من اللهب، انفجرت فيه. الباب مُغلق. الكون مُغلق. القلوب مُغلقة. وهؤلاء الذين تمنّوا رضاه بالأمس يشمتون. آه لو يعود الأمس، وتعود معه السلطة والقوة والمَنَعة، سيسحقهم بحذائه مثل حشرة ضارة. لو كان يمكن للزمن أن يعود! هكذا أوغل الليل وهو مُمْعنٌ فى هذيانه، عاجز عن النوم. وفجأة لا يدرى ما حدث.. هل تحققت الأمنية أم انزلق إلى عالم النوم الساحر؟! تسللت نسمة رحيمة. انفتح باب الزنزانة وقال مأمور السجن إنه يعتذر لأنه حدث خطأ فظيع. خرج من السجن وقلبه يدق بقوة. بهره ضوء الشمس، استنشق نسائم الحرية. وفجأة شاهد حشداً من البشر يحملون لافتات الترحيب به.. ارتبك، خاف، تراجع. لكنهم أقبلوا عليه وحملوه على الأعناق. ارتفع الهتاف بحياته، طافوا به أنحاء المدينة، حتى أوصلوه إلى قصره السابق، وهناك شاهد الشجرة المحرمة، وشاهد التفاحة. لكنهم قالوا له مُحذرين: «ها قد تحققت أمنيتك فإياك أن تأكلها. هذه التى أخرجت أبويك من الجنة». بكى. قال إنه تعلم الدرس. أقسم أن ذلك مستحيل. لكنه بمجرد أن ذهبوا عاود النظر إليها. وجدها ناضجة، شهية، مغرية، لا يقاومها أحد. مد يده إليها. قطفها، وبسرعة قضم منها قضمة، وفجأة اختفى القصر من حوله، ووجد نفسه فى السجن مرة أخرى، وطعم التفاحة لايزال فى فمه، قال لأخيه وهو يبكى: «الآن فهمت كل شىء. المشكلة فى التفاحة».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل