المحتوى الرئيسى

زمن الشباب الثائر بقلم:د. أيمن أبو نـاهيــة

04/25 20:32

زمن الشباب الثائر د. أيمن أبو نـاهيــة أستاذ الاجتماع والعلوم السياسية - غزة لقد كشفت ثورة الشباب، التي تأثر بها العرب من شرقه إلى غربه عن ذلك الوجدان المشترك بين العرب، والقواسم المشتركة بينهم، كما كشفت عن حجم التأثر والتأثير المتبادل والعقلية العربية الحرة الأصيلة التي وان سكت الأجيال السابقة على الظلم والحكم المستبد لم تسكت الأجيال الشابة ولن ترتضي بما رضي به السابقون، ناهيك عن محاولة استنساخ التجربة حتى لو اختلفت كثير من التفاصيل والصورة القديمة عن الحديثة.. وقد حدث هذا في مرحلتين تاريخيتين مختلفتين. ففي منتصف القرن الماضي تداعى العرب لدعم استقلال الشعوب العربية وربما جسدته على نحو واضح حرب التحرير الجزائرية، كما كانت المسألة الفلسطينية عنصرا كبيرا جمع وجدان العرب حول مركزية القضية ومقاومة المشروع الصهيوني. تلك كانت مرحلة حركتها أحلام التحرر من الاستعمار وبناء الدولة الوطنية وجمعتها روابط القومية العربية. أما هذه المرحلة فيتجسد وجدان عربي ممتد أمام استحقاق الحريات وحقوق الإنسان والتغيير من الداخل بإرادة شعبية ضمن أفق تعددي وحياة ديمقراطية لا تتعرض للتزييف ولا تخضع لسلطة محتكرة ولا زعامات أبدية. ثمة وجدان عربي مشترك يؤثر ويتأثر ببعضه وهو يحمل شعارات وعناوين مختلفة هي سمة مرحلة تمثل طفرة في تاريخ العرب الحديث. بمجرد انطلاق شرارة الثورة (الثورة العربية الجديدة) من قرية سيدي بوزيد في الجنوب التونسي، التي كان سلاحها الفضائيات والتقنيات الإعلامية المتقدمة والـ«فيس بوك» والـ«تويتر» والتي انتقلت خلال أيام قليلة إلى مصر ثم إلى اليمن وليبيا والبحرين وسوريا .. في الحقيقة لا يتوقع أن تكون الاحتجاجات الشعبية الأخرى في أكثر من بلد عربي مجرد هوجة جماهيرية سرعان ما يتم احتواؤها والعودة لإنتاج ذات النظام.. والواضح أننا أمام تحولات تؤسس لمرحلة قادمة ليس بالضرورة أن تكون تحولا كاملا أو قطيعة نهائية في بنية نظم وعلاقات وتكوينات سياسية، إنما ستكون لها آثارها العميقة وأبعادها وتفاعلاتها وتأثيراتها مما يؤسس لعلاقات مختلفة تعيد بناء النظام السياسي وقوانين السلطة والمجتمع على نحو مختلف. السؤال اليوم ليس حول إمكانية التغيير، فالتغيير حدث ولازال يحدث، إنما الحديث عن مدى هذا التغيير. أنجزت الثورة التونسية والمصرية المرحلة الأولى بسرعة مدهشة، أذهلت العالم في سرعتهما وعنفوانهما وسلميتهما ورقي أدواتهما وفي إصرارهما على تحقيق أهدافهما وإيمانها بالتغيير. إلا أنهما أمام مراحل مختلفة ربما تكون أصعب وأكثر تعقيدا في بناء نظام يستجيب لأهداف تلك الثورات. كل ثورة مفاجئة وعاصفة، تثير الكثير من الارتباك في أيامها الأولى، إذ يصاب النظام بحالة من عدم التوازن والحيرة والتخبط أحيانا. لكن ما أن تهدأ قليلا ويتم استيعاب ما حدث، حتى تبدأ حركة مضادة في محاولة لاستيعابها أو الالتفاف عليها أو شق صفوف القوى الفاعلة التي صنعتها. وهذا أمر متوقع في بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية تشكل أحزمة تحيط بالنظم التي تتعرض للسقوط. أما الاضطرابات والهزات الارتدادية فهي متوقعة ضمن مسار التغييرات الكبرى. بل إن المثير للدهشة والإعجاب في آن أن تعود الحياة الطبيعية بهذه السرعة خلال أسابيع قليلة، بينما رأينا أنها في تجارب تاريخية أخرى تظل لسنوات تعاني من حالة ارتباك واضطراب قبل أن تختط مسارها النهائي. فلو تمعنا بالنظر إلى ما جرى في تونس ومصر مقارنة بالثورة الليبية واليمن نجد أن ما حدث في تونس أو مصر يتعذر أن يحدث بذات الطريقة في ليبيا، لماذا؟ لان في مصر هناك نظام مؤسس قائم على ملامح دولة بيروقراطية بمؤسسات ثقيلة الوزن تصنع من الوظيفة والدور حضورا قويا في بنية نظام، ويأتي الجيش على رأس تلك المؤسسات الحارسة لمشروع الدولة المصرية. ولذا عندما أصبحت خيارات النظام محدودة أمام ثورة شعبية غير مسبوقة، كانت مؤسسة الجيش هي وحدها القادرة على إزاحة رأس النظام لتبقي الدولة متماسكة وهي تمد حبلا لجماهير ميدان التحرير اعترافا بالثورة ووعدا بالاستجابة لمطالبها. وقد أثبتت المؤسسة العسكرية دورها بعد سقوط نظام مبارك. واليوم تقدم الثورة المصرية دليلا على أنها أكثر وعيا وعمقا من هبة جماهيرية تتلاشى بمجرد رحيل الرئيس.. انه تراث سياسي وقوى فاعلية تؤثر في سياق التطورات لتصر على البقاء حتى انجاز مشروع التحول الكبير. ويمكن أن يقال ذات الشيء عن الحالة التونسية، فالجيش ضحى بالرئيس لتبقى تونس أكثر تماسكا في مواجهة استحقاقات مرحلة جديدة. واثبت كذلك الشعب التونسي وعيه وعمق إدراكه لمراحل التغيير ومواجهة ارتدادات الثورة المضادة لنرى تحولات تؤكد على أن مسار التغيير لن يكون سهلا، كما هو الالتفاف على مطالب وأهداف الثورة الشعبية. في الحالة الليبية، الوضع مختلف إلى حد كبير، فالثورة وجهت بدموية منذ ساعاتها الأولى. كما أن نظام القذافي أفرغ ليبيا من مؤسسات الدولة الثقيلة القادرة على قراءة الخيارات في مواجهة ثورة شعبية كاسحة، بما فيه خيار إزاحة رأس النظام للإبقاء على جسد الدولة. صنع القذافي نظاماً غير مألوف برع في تصميمه لصالح قدرته على التحكم في مصير ليبيا، نظاماً مفرغاً من مراكز القوى، مما يمكنه من الإمساك بخيوط اللعبة دون أن يحمل منصبا رسميا موسوما له متطلباته وشروطه وحدوده. وهذا أعطاه مدى واسعا من الحرية والقدرة على التحكم والسيطرة. فهو ظل يمسك بالقوة الحقيقية المؤثرة، وبقيت النخب والقوى التقليدية ضمن دائرة التبعية والتأثر لا التأثير. فمؤسسة الجيش وهو الضامنة لوحدة الأرض والشعب لم يكن لها وجود بالمعنى المتعارف عليه، ولم تكن تشكل ثقلا يمكنها من التأثير في مستقبل قيادة القذافي. بضع حاميات عسكرية ضعيفة في أطراف البلاد، وقيادة لم تظهر حتى اليوم للملأ وكأن لا أثر لها أو وجوداً. القوة العسكرية المتماسكة تتركز في دائرة طرابلس وأحزمة ثكنة العزيزية الحصينة وهي تحت إمرة أبناء القذافي وبعض اقرب المقربين إليه. لم تشكل مؤسسة الجيش ثقلا له حضوره في جسد السلطة، كما تكاد تكون ليبيا نظام الرجل الواحد فلا طاقم سياسي، ولا حضور قيادي في جسد السلطة سوى القذافي وأبنائه. صمم القذافي نظاما يبقيه رسميا خارج المناصب لكنه هو كل المناصب والإمكانات والقدرات. أما اليمن أراد عبدالله صالح اللعب بالبيضة والحجر يناطح بكبرياء وغرور لكسب عامل الوقت كي يجدد لنفسه ولاية جديدة أو على الأقل إكمال ما تبقى من ولايته الحالية فلا يريد أن يوقع بعجالة على مصيره بيده كما فعل زملائه السابقين بن علي ومبارك ويخضع للمسائلة والقضاء والعقوبة فكل ما أراده في نهاية المطاف هو الحصانة القضائية بضمانات لأنه لا يريد يضيع الثروة الضخمة التي تعب وشقي طوال السنيين السابقة في نهبها من أموال ومقدرات الشعب اليمني. فكانت فكرته هو تسليح الشعب اليمني حتى أصبح من أكثر شعوب المنطقة إن لم يكن في العالم لديه ذخائر من الأسلحة كي يلهيه في نفسه بما يعرف بمعارك القبائل والعائلات والعشائر اليمنية ومن يغلب الآخر ينقلب عليه كما فعل بالحوثيين (أو حسب تصنيفه بالمتمردين) حتى لو أدى ذلك إلى انفصال اليمني بين شمال وجنوب أو حتى إلى أكثر من ذلك المهم أن يبقى هو على رأس الهرم. أما النظام البعثي الاسدي في سوريا فكانت وما زالت الصورة كما هي لا اقصد فقط فترة الرئيس بشار (العقد الماضي) وإنما منذ نصف قرن من الزمان وعائلة الأسد تحكم بالتوريث والبعث في سوريا. الشعب السوري وافق على بشار وهو مكره على ذلك ظنا منه انه شاب وفكره وعقلة وتفكيره يختلف عن والده والنخبة القديمة الحاكمة في عصره، كما كانت شعاراته الإصلاحية أثناء توليه الحكم. لكنه لم يوفي بوعوده وكانت الفرصة الأخيرة له كي يثبت لشعبه بجديته في تقديم الإصلاحات منذ اندلاع الثورات العربية الجارية فكان المفترض أن يبادر الرئيس بشار، بمجرد انفجار الأحداث في تونس، إلى القيام بما وعد أن يقوم به خلال أسبوع في أول اجتماع له بحكومته الجديدة، التي لا فرق إطلاقا بينها وبين الحكومة السابقة، وأن يلغي حالة الطوارئ المستمرة منذ نصف قرن ويضع حدا لسطوة الأجهزة الأمنية ويلاحق رموز الفساد ويعالج البطالة ويدعم اقتصاد الدولة والالتفات بأكثر أهمية إلى سياسته الداخلية كثر من الانشغال بالسياسة الخارجية والتحالف مع إيران وتركيا وقطر وهم جميعا أول من وقف مع الشعب السوري الآن في ثورته، لكنه لم يتدارك الأمور وحالة التغيير التي تعصف بالمنطقة آخذا في اعتباره انه بمنأى عنها وهو امن وسياسته تسير في الطريق السليم. والأسوأ من هذا كله أن هذا الشاب، فقد تعامل مع التظاهرات السلمية على طريقة سابقيه بإطلاق النيران عليهم وإراقة الدماء معتقدا أن البطش وسياسية القبضة الحديدية هي الحل الأنسب وهو نفس المشهد الذي استعمله والده في مدينة حماة في أوائل الثمانينيات،حين قام النظام السوري بتطويق مدينة حماة مع فرض تعتيم كامل على وسائل الإعلام وقام بتصفيتها بالمدفعية ثم اجتياحها عسكرياً, وارتكاب مجزرة مروعة كان ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين من أهالي المدينة وكان قائد تلك الحملة العقيد رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد الذي لم يهدأ له بال حتى منح القوات العسكرية كامل الصلاحيات لضرب المعارضة باستخدام الجيش النظامي والقوات المدربة تدريباً قاسياً ووحدات من الأمن السري في القضاء على المعارضة واجتثاثها كليتا. لن تكون هذه الثورات الشعبية التي عصفت بأنظمة خمسة بلدان عربية من تونس إلى مصر إلى ليبيا خلال شهرين أمرا يمكن احتواؤه وعبوره للعودة إلى إنتاج نظام عربي له ذات السمات والملامح التي ظلت تلقي بظلالها على مدى أكثر من نصف قرن على المنطقة العربية. وفي كل الأحوال لا يجب أن نتصور أن الثورات العربية ستنجز أهدافها بسرعة وبلا كلفة، ومن الطبيعي أن يكون هناك تحديات مختلفة تواجهها داخليا وخارجيا. كما أن هناك انقسامات يمكن أن تظهر بين القوى الفاعلة والمؤثرة فيها. الحركة باتجاه تحقيق الأهداف الكبرى ستأخذ وقتا وجهدا وقد تمر بمراحل اضطراب، إنما المهم -كما ذكرت في مقالات سابقة- ألا يتم الالتفاف عليها أو تصبح مع الوقت عبئا على الشارع مما يضعف قدرتها... وهذا أمر محتمل في ظل أوضاع يجب أن تُقرأ بموضوعية دون أن تكون التوقعات الكبرى السريعة هي سمة قراءة في ملامح تغيير، فالتغييرات الجذرية في بلدان عربية حالية وبلدان متوقفة قريبا هو طريق شاق وحافل ويجب أن يتواصل لتحقيق الأهداف الكبيرة والرئيسية لتأتي فيما بعد التفاصيل التي تترك لمشروعات القوى والنخب والأحزاب السياسية من عامة الشعوب العربية التي تحدد مصيرها لوحدها والأكثر ديناميكية فيها هم جيل الشباب الثائر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل