المحتوى الرئيسى

الجيل الذي أخطأنا اكتشاف طاقاته

04/25 02:42

عبد الإله بلقزيز قُبيل اندلاع الموجة الثورية في الوطن العربي، كان الانطباع السائد عن الأجيال الجديدة من الشباب العربي سلبياً وغير مريح في وجهته العامة . يذهب منطوقه إلى الظن أن هذا الجيل غير مسيس، بل قليل العناية والاهتمام بالسياسة والشأن العام قياساً بالأجيال السابقة له، وأن ثقافته الفكرية والاجتماعية ضحلة وإنْ أبدى المتعلمون فيه تفوقاً في فروع أخرى من المعرفة كالعلوم والمعلوماتية وإدارة الأعمال . بل إن الظن إياه ذهب أحياناً إلى اعتباره جيلاً لا مبالياً بأية قضية خارج دائرة الفردية المجردة، وجيلاً متشبعاً بقيم النفعية والاستهلاك والغرائزية والرغبة الجامحة في امتلاك أسباب الاستمتاع وفرصه التي يوفرها المجتمع الاستهلاكي . ربما كان يقع بعض التعديل في هذا التنميط أو هذه الصورة النمطية حين يجري الحديث عن الشباب المتديّن، وخاصة الملتزم سياسيّاً في حركات إسلامية . إلا أن هذا الأخير لم يكن، في نظر التقدميين، ممّن يمكن التعويل عليه لإحداث التغيير الثوري أو الديمقراطي . من النافل القول إن مقياس هذه الأحكام السلبية على هذه الأجيال الجديدة تقليديّ، فهو يستعير معايير عتيقة لقياس ظواهر المشاركة والعزوف والانخراط في الحياة العامة وينزّلها تنزيلاً على بيئة اجتماعية وشبابية كان التغير قد طرق نظام قيمها من دون أن يُلحظ على نحو دقيق، فإذْ يتوسل بنسب المشاركة في الحياة السياسية من طريق الانتماء إلى الأحزاب والمنظمات السياسية معياراً، يقع تجاهُل حقيقة أن هذا المعيار ليس ميتافيزيقيّاً بل تاريخي، وأنه إن صح أداة قياس في زمن، لا يصحّ أن يكون كذلك في آخر . والحق أن استعارة منظومة قيم أجيال سابقة لعيار اتجاهات الرأي في جيل جديد إنما هي، فضلاً عن لا تاريخيتها كفعلٍ معرفي، تُضْمِرُ قدراً عالي الكثافة من الإسقاط والوصاية، وتفترض الحفيد على مثال الجدّ والولد على مثال الوالد، ولا تقبل لهما أن يكونا غير ما كانه من قَبْلهُما . هي النزعة المحافظة، إذن، تُطلّ على الحياة المتدفقة من بين خرائب الماضي! كان يُفترض في مَن يحاكمون جيل الشباب بأحكام إدانةٍ قاسية، لأنهم عازفون عن السياسة والأحزاب والشأن العام، أن يسائلوا هياكل ومؤسسات تلك السياسة والأحزاب والشأن العام عن أسباب عزوف أكثر المجتمع والناس عنها، وأن يتقنوا السؤال عن السبب والنتيجة في هذه “النازلة” فلا يضعون واحدَهُما مكان الآخر، ويخطئون التحليل والتقدير . كأن حريّاً بهم أن يتفطنوا مبكراً إلى أن إعراض الشباب عن السياسة والانتماء الحزبي إنما يمثل حكماً نقدياً لاذعاً في حقّ مؤسسات فقدت كل حياة فيها وكل أسباب الجاذبية والإغراء . غير أنهم استسهلوا وضع المسؤولية على كواهل غيرهم حتى لا يعرضوا يقينياتهم للمراجعة وعمرانهم السياسي لإعادة النظر . ولقد يكون في جملة ما أنتج تلك الأحكام السلبية عن الشباب في وعيهم معاينة حجم التغيّر الذي طرأ في المجتمعات العربية وفي بيئاتها الثقافية منذ عقدين، وخاصة منذ بدء تسرب أحكام ثورة الإعلام والاتصال إلى مجتمعاتنا في مطالع عقد التسعينات . فلقد بدت تلك المتغيرات حاملة في ركابها الغثّ والسمين، ومُؤذِنَة بإحداث تبدلات جوهرية في أنساق القيم وفي المعايير والأذواق، كما في الصلة بالذات والعالم . ربما كان صحيحاً ومشروعاً إبداء الخشية آنذاك من الآثار السيئة لقيم الاستهلاك التي انتشرت في أوساط الشباب، ولتراجع معدّلات القراءة عندهم، وللانغماس في استهلاك مادة “ثقافية” و”فنية” تفتقر إلى أية قيمة جمالية شجّعت عليها أكثر، ونشرتها على أوسع نطاق، فضائيات “فنية” تخصصت في ترويج التفاهة والسّخف باسم الغناء . . إلخ . كانت الخشية مشروعة تماماً وخاصة حينما تقترن مع، وتنهض على، ملاحظة الوهن الذي دبّ في النظام الأسري والنظام التعليمي بما هما نظاما التنشئة والتكوين الأساس . غير أن الذي فاتنا جميعاً ملاحظته أن هذه الثورة الإعلامية والمعلوماتية التي تهيبْنا نتائجها السلبية حملت في جوفها إمكانات جديدة لاتصال الشباب بمصادر المعلومات وتوسعة مداركهم للعالم والأشياء . لم نكن في الغضون نحرص على التفكير بمفردات نسبية ونحن نتحدث عن الشباب، كأن يجرفنا التعميم السهل إلى اقتران الأخطاء في التقدير . لم ندرك إلا متأخرين أن ملايين الشباب العرب لم يكونوا جميعاً من جمهور روتانا وأشباهها، ولا ممّن استلبتهم منافسات كرة القدم، ولا ممّن يشمئزون من ممارسة عادة القراءة، ولا ممّن يعزفون عن الاهتمام بالشأن العام، وإنما كان في جملتهم شباب طليعي، وواع، ومثقف، وشجاع، هو ذاك الذي رأيناه في شارع الحبيب بورقيبة، وميدان التحرير، وساحة التغيير، وباب الأحد . *نقلا عن"الخليج" الاماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل