المحتوى الرئيسى

الدولار.. حرب عملات أم تضخم؟

04/25 11:50

هاشم الباش يحتل التضخم موقعا بارزا في الإعلام الاقتصادي هذه الأيام وقد تحول هذا التضخم إلى قضية كبيرة تحمل على ظهرها قلقا خاصا للاقتصاديات الناشئة حيث يرجع الاقتصادي الأمريكي والحاصل على جائزة نوبل بول كروغمان هذا القلق إلى سببين هما: حبس السيولة في الاقتصاديات المتقدمة، وعدم رغبة الدول الناشئة في السماح لأسعار عملاتها بالارتفاع. لقد برزت هذه المشكلة وتسربت إلى الدول الناشئة خطوة تلو الخطوة بعد الأزمة المالية التي بدأت شرارتها الأولى في قطاع الإسكان منذ حوالي ثلاث سنوات وتركت الديون تتراكم على الدول المتقدمة حيث مازالت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية تجاهد بقوة بحثا عن مخرج والوقوف مجددا على قدميها، ولم تشف خطط الإنقاذ التي تمثلت بضخ مليارات من الدولارات في دفع الطلب عاليا رغم تساوقها مع اتباع سياسة الخفض الشديد لمعدلات الفائدة التي لم تنقذ انخفاض العائدات على الاستثمار. وبالمقابل يبدو أن الصين تعاني من مشكلة عكسية تتبلور في إيجاد آلية تحمي معدل نموها الاقتصادي السريع من توليد التضخم حيث أظهرت البيانات الصينية الصادرة عن الربع الأول من هذا العام أن معدل النمو الاقتصادي قد بلغ 9.7%، في حين كانت التوقعات عدم تجاوز هذا المعدل 9.5%. ولا شك ان هذا النمو السريع جاء نتيجة السياسة الائتمانية الكبيرة التي استخدمت للتعويض عن التراجع في الصادرات أثناء الأزمة المالية ولكن جلبت هذه السياسة ارتفاعا في أسعار العقارات والأسهم. إن توسع التجارة الدولية بنسبة 7 – 8%، كما تفصح عنه تقديرات صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة ومحاولة أغلبية دول العالم تقوية حساباتها التجارية المتضمنة بنود الصادرات والواردات، وخاصة الدول التي تقوم سياسة نموها على التصدير، ستؤدي إلى تراكم الفوائض في جهة والعجز للدول المستوردة في الجهة الأخرى، وقد يفرض هذا الوضع مراجعة بعض الدول ذات الفوائض بنود موازينها وتبني سياسات رفع قيم عملاتها حيث أصبح ذلك أمرا لا مفر منه من أجل إيجاد توازن بين كفتي المعادلة أي المحافظة على النمو الاقتصادي والحد من ارتفاع معدل التضخم. ولا شك أن تزايد الضغوط التضخمية المتولدة من ارتفاع مستويات أسعار النفط والغذاء وبعض السلع الأخرى وضعف العملة في البلدان الناشئة، قد ولدت جميعها صراعا مستترا في بعض الأحيان وكاشفا وجهه في أكثر الأوقات وخاصة بين الصين والبرازيل وباقي دول آسيا من طرف والولايات المتحدة من طرف اخر، وأصبح من الضروري إيجاد آلية قادرة لمحاربة وصد زحف التضخم الذي يخفي في طياته مساوئ اقتصادية واجتماعية، وقد يتضرر من جراء ذلك المجتمع كله عندما تفشل عمليات احتواء التضخم من تدهور في مستويات معيشة الأفراد وتعطيل في مسيرة النمو. كما شهدت الساحة الاقتصادية العالمية دعوات كثيرة إلى إعادة تقويم قيم العملات خوفا من الانجرار إلى سياسات حمائية لتدفق التجارة الدولية وتسلطت الأضواء على الصين وحثها في المحافل الدولية على رفع قيمة عملتها «اليوان» التي قدرت في فترة سابقة بأقل من قيمتها الحقيقية في حدود 20 و40%. لقد دقت هذه المشكلة طبول حرب اقتصادية مباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وتوسعت هذه الحرب لتشمل البرازيل التي وجدت نفسها في مأزق من تدفقات «الأموال الساخنة» من المستثمرين الأجانب وفشلت في تثبيطها عن طريق الضرائب والرسوم وخرجت بعبرة تتمثل في عدم جدوى هذه الحرب وقلقة في آن واحد من انخفاض قيمة الدولار وارتفاع قيمة عملاتها. كما عرف الدولار الأمريكي هبوطا في قيمته في الأسابيع الماضية نتيجة عدة عوامل أهمها الصراع في واشنطن حول الميزانية وبقاء أسعار الفائدة منخفضة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ولكن أخذ البنك المركزي الأوروبي في المبادرة للبدء في تشديد السياسة النقدية ورفع سعر الفائدة كوسيلة لمحاربة التضخم حين ظل الوضع في أمريكا غير واضح رغم ما أعلن من بقاء معدل التضخم في إطار المعدلات المستهدفة. لهذا وجدت البلدان الناشئة في موقع لا يحسد عليه أمام انتصاب التضخم في وجه نموها والمطالبات الدولية بتقويم أسعار عملاتها من أجل تعافي الاقتصاد العالمي. فشرعت هذه الدول الواحدة تلو الأخرى في تخفيف القيود المفروضة على ارتفاع قيم عملاتها دون أن يعني ذلك تقليل الاهتمام بالقدرة التنافسية لصادراتها. فقد أمر البنك المركزي الصيني بطلب المزيد من الاحتياطيات النقدية، رغم جهوده السابقة في رفع سعر الفائدة أربع مرات منذ أكتوبر 2010 أي قلل في الأساس كمية الأموال المتاحة للحصول على قروض وذلك لتهدئة سرعة نمو الاقتصاد حتى لا يولد تضخما ويعرض مكانة قدرتها على الإنتاج بتكاليف منخفضة من جهة ويلقي بثقله على استقرار الصين الاجتماعي من جهة أخرى. إن جولة سريعة في طيات أرقام التضخم في العالم تفصح عن قلق بدأ يتسرب في النفوس تخوفا من موجات تضخمية شرعت سحبها في التراكم. كما أخذت أصوات الاتهام التي قادتها البرازيل بقوة تتلاشى ضد الولايات المتحدة الأمريكية عن انتهاجها سياسات متراخية «التسهيل الكمي» لخلق «دولار منخفض القيمة» بصورة مصطنعة بهدف الضغط على الدول الناشئة لرفع قيم عملاتها. هذا التحول في الرؤية سيقود بصورة محتملة إلى تغيير دفة الحديث من «حرب عملات» إلى حرب ضد التضخم، ولكن سيفتح الباب أيضا إلى البحث عن عدم اختزال تفسير مشكلة التضخم في التغيير «الإفراط» في عرض النقود. *نقلا عن صحيفة الايام البحرينية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل