المحتوى الرئيسى

بإختصار.. "الديمقراطية" بقلم: عبد الكريم الحسني

04/24 21:36

لما كانت الديمقراطية هي "حكم الشعب" وهذا يعود الى ترجمة لأصلها الإغريقي حسب التعريف، فقد كان يجتمع المواطنون ويشتركون في مناقشة مشكلات مجتمعهم، وكانوا يتخذون القرارات اللازمة لحل تلك المشكلات، فكانت تضحي الحلول المتفق عليها ملزمة للجميع في سلوكهم وبالتالي تتحول إلى واقع. كان هذا هو النظام السائد في زمن الحضارة الإغريقية، علما بانه لم يكن مقصورا على بلاد الإغريق فقط. فقد كان يطبق في أثينا الإغريقية وكان يطبق في اجزاء كثيرة من معظم دول اوروبا الرئيسية مثل اسبانيا وفرنسا وايطاليا. بل وطبق ايضا في مصر الفرعونية تحت حكم الرومان وقبل ذلك تحت حكم البطالمة. ويطلق في الزمن الحالي على هذا النظام إسم "الديمقراطية المباشرة". وأما في القرن السابع عشر الميلادي فقد اصبحت الديمقراطية هي "حكم الشعب بالشعب". وبهذا يمكن اعتبار ان الشعب قد تحول من حاكم الى محكوم، الا أن الحاكمين الذين يحكموه يستمدون سلطة حكمهم منه. فجاء هذا لكي يعبر بدقة عن الديمقراطية النيابية أو الديمقراطية الغير مباشرة أو الديمقراطية المحكومة. لما اندثرت المدن الاغريقية وذهب عصر الرق واختفت الحضارة الإغريقية في ظلام القرون الوسطى، وأصبح الحكم عن طريق الكنيسة أو الحكم إلالهي (نظرية الحق الإلهي)، وأصبحت الأرض إقطاعيات وممالك وإمبراطوريات وفيها الملوك والامراء والنبلاء من كل لون، تشاركهم فيها وتنازعهم عليها الكنيسة. ظهرت الطبقة البرجوازية بعد ان انتهى عصر الاقطاع بعد الثورة على الكنيسة. وأما البرجوازية فهي طبقة نشأت أساسا من التجار المتنقلين (المتجولين) الذين ينتقلون من مكان إلى اخر وهم يحملون بضاعتهم على أكتافهم أو على الدواب جريا وراء الارباح غير شاعرين بالانتماء الى اي مجتمع او جغرافيا. استطاع هؤلاء أن يشتروا من بابا روما " أنوسنت الرابع" فتوى بإباحة الربا لأجل الاقراض بفائدة من أجل تمويل العمليات التجارية أو الصناعية. اتسع نشاط تلك الطبقة وأصبح لها أهمية إذ أصبحت رفاهية أوروبا متوقفة إلى حد كبير على النشاط التجاري. فكبر دور هذه الطبقة وحصلت على حقوق من الاقطاعيين بسبب اهمية التجارة وحاجة الجميع الى الفوائد والارباح. كان أول ما سعى اليه التجار هو حرية الإنتقال فحصل التجار في مقابل ثمن على صكوك (صكوك الغفران) لتعفيهم من الإستقرار في أية إقطاعية وتحصنهم ضد من يتعرض لهم. كما حصل التجار على اماكن امنة لتخزين تجارتهم واخرى لتوزيعها بحيث تتم حمايتها من قبل السلطات. عرفت تلك الاماكن او المحطات بالابراج ومنها اشتق الاسم فكانوا "برجوازية". ولأن الطبقة البرجوازية كانت غير منتجة وليس لها علاقة بالزراع والحرفيين المنتجين أطلق عليها "الطبقة الوسطى". تم جلب الحرفيين الى مراكز التجارة حيث كانوا يقومون بالصناعة من اجل الاستهلاك. ولما كثر عدد المقيمين في المراكز التجارية الصناعية كان على الفلاحين في الإقطاعيات أن يزيدوا من إنتاجهم الزراعي لمواجهة إحتياجات هذه الطبقة الجديدة، فصارت الزراعة من اجل التجارة وليس للاستهلاك فقط. ازدادت رقعة الارض الزراعية عند الاقطاعيين نظرا لازدياد الحاجة الى الانتاج الزراعي الذي تحتاجه الطبقة البرجوازية في تجارتها المتنامية بل وشجع الاقطاعيون التجار على انشاء مراكز تجارية في اقطاعياتهم لتزداد العوائد المادية. استغل التجار الاذكياء هذه الرغبة عند الاقطاعيين وإشتروا "الإستقلال الإداري" للمراكز التجارية التي أنشأوها فتحولت الى مدن حرة يديرونها بانفسهم لا بالتبعية للاقطاعيين. وبعد هذا التطور في الملكية وتضخم الارباح فمن الطبيعي أن تحتاج الامور الى ضوابط ونظام، فالتجارة ورأس المال لا يشعران بالاستقرار الا اذا توفر لهما الامن والامان، وصارت الحاجة الى محاكم وقضاة للفصل في المنازعات، وصارت الحاجة الى رجال بمؤهلات وخبرات تفهم كيف تصاغ العقود والاتفاقيات، فلم تعد الحاجة الى الاستعانة بنظام السيد الاقطاعي لحل المشاكل الجديدة. استعانت الطبقة الجديدة بالقانون الروماني القديم وأنشأت الجامعات لتدريسه، وانشأت المحاكم لتطبيقه، واتت بالقضاة والمحامين ايضا. واصبح الاقطاعيون يتدخلون في السياسة باموالهم بين بعض الملوك في اوروبا وبابا الكنيسة، فقد كانوا يستعملون الملوك لتحقيق مطالبهم عند البابا مقابل اقراضهم المال. ولما كانت الطبقة البرجوازية في حاجة ماسة اكثر من اي شيء اخر الى "الحرية" الفردية.. حرية الادارة والتعاقد والتملك وعدم وضع سقف للارباح، وحرية التنافس بدون اي قيود او تدخل من اي سلطة، وان كان يجب ان يكون للسلطة وجود فيجب ان تكون في اضيق الحدود وتكون مهمتها المحافظة على الحرية الفردية وممارستها أي تكون "شرطة" لحفظ الامن في الداخل والخارج. لكن هذا لم يتحقق للبرجوازية بسهولة، فكان لا بد من مواجهة ملوك اقوياء مقتنع الواحد منهم بان الدولة هي "هو". فهم النظام والسلطة والامة والقضاء والقدر او هكذا كانوا يعتقدون. ورغم ذلك انتصرت البرجوازية وازدهرت وتمددت وصار لها وزن ويحسب لها حساب. تعتبر سنة 1254 م سنة القاء بذرة الديمقراطية في التاريخ الحديث، فقد اصبحت الديمقراطية ذات مفهوم خاص ومختلف، وذلك حينما دعا ملك انجلترا "هنري الثالث" ممثلين عن كل منطقة ومدينة، وهي البرجوازيات، وذلك للجلوس مع الاشراف ورجال الدين في البرلمان. لم تكن صعوبة ان يدعوا الملك الاشراف ورجال الدين للبرلمان لامتيازاتهم ومعرفة مواقعهم الاجتماعية في المجتمع والدولة، ولكن دعوة مندوبين عن المدن تحتاج الى عناية خاصة في اختيارهم. كان من يختاروا مندوبي المدن لهم شروط على هؤلاء مكتوبة ومتضمنه ما سيقولونه وما سيوافقون عليه في البرلمان، وحين عودتهم الى المدن فان عليهم ان يقدموا حسابات بذلك الى الذين اختاروهم. وكان الذين يختاروا المندوبين لتمثيلهم يتحملون مصاريف وكلائهم في لندن بما في ذلك اجور اقامتهم وتنقلاتهم من المدن والعودة على الا تكون الاقامة طويلة في لندن. ولما انعقد البرلمان البريطاني سنة 1255 م وامتدت فترة انعقاده سنوات تأفف ممولوا المندوبين في المناطق النائية بسبب تكلفة تواجد المندوبين في لندن فانقطوا عن تمويلهم، وانقطعت بذلك تبعية المندوبين للمولين. وهكذا اصبح المندوبون الممثلين في البرلمان ليسوا مجبرين على تقديم حساب لمن يمثلوهم. منذ تلك الايام اصبح المرشحون للجلوس في البرلمان هم القادرون أولا على تحمل مصاريف الاقامة الطويلة في العاصمة. وحسب القانون البرجوازي العتيد صار هؤلاء يشترون اصوات الناخبين لاجل الفوز في ساحة المنافسة الحرة. هذا، ولما كانت الدولة هي المجتمع منظما قانونا، والعناصر المكونة لها ثلاثة، الشعب و الارض، و سلطة شاملة هي الشعب والأرض جميعا مستقلة عن أية سلطة أخرى وكذلك هي ايضا دولة الوحدة. فإن علم القانون كان وما يزال منصبا على شرح دلالة العنصر الثالث: "السلطة" أو "السيادة". وما تحدثنا به عن الديمقراطية لم يكن سوى إجابات عن هذه السلطة. فمنه نستطيع ان نعرف أن الديمقراطية هي أسلوب ناجع لحل المشكلات الاجتماعية في الدولة "المجتمع المنظم قانونا"، أي هذا ينطبق على اي دولة بما في ذلك دولة الوحدة العربية الشاملة (الشعب العربي كله، والوطن العربي من المحيط إلى الخليج بما في ذلك الامكانيات والطموحات). لهذا فإن كل الآمال التي يعلقها الشعب العربي على الوحدة العربية هي ان تكون دولة أو اتحاد ديمقراطي. إن عدم وجود دولة الوحدة يعتبر نقص في كفاءة الديمقراطية العربية باعتبارها اسلوبا لحل المشكلات الإجتماعية في كل دولة عربية اقليمية. وهي بذلك تقلل من المساهمة في معرفة المشكلات لتي تواجه المجتمع العربي، ولا تتيح فرصة لحلها فتحرم الشعب العربي خارج دولته من حقه في المساهمة في إكتشاف تلك الحلول. وأما لو وجدت الديمقراطية حتى في ظل الإقليمية فان الشعب في اي قطر سيشارك في إتخاذ القرارات المصيرية مع الآلاف أو الملايين الآخرين، أو معظمهم في كل قطر. لهذا إن عدم وجود الديمقراطية في الدولة الاقليمية يعتبر نقص في السيادة. لأن السيادة ولو نظريا حتى الان هي للشعب العربي كله على الوطن العربي كله ايضا أو هكذا يجب ان تكون. وبهذا فان كل مواطن عربي له الحق في ان يفرح وان يغضب في كل ما يتعرض له الوطن العربي باعتبار ان الدولة القطرية هي كيان مؤقت ومرحلة انتقال الى الوحدة. وان غياب دولة الوحدة لا يغير من حقيقة أن المشاكل التي يواجهها اي قطر عربي هي مشكلات قومية لا حل لها الا بمجهود وامكانيات قومية. كثيرا ما يعد الحكام بحل المشاكل التي تواجه اقطارهم، واذا كانوا قوميين فكرا ومذهبا وحيث ان وعودهم صادقة وأمينة، فحينما يأتي التنفيذ يواجهون الحقيقة المرة فلا يستطيعون عمل شيء، لأن الإمكانات المتاحة في أقطارهم غير كافية للوفاء بالوعود التي قطعوها لشعوبهم. وحينها يلجأ البعض منهم لتحقيق قدر من التضامن العربي، والتضامن العربي في هكذا حالة يلتقي فيه المختلفون اصلا لمواجهة خطر واحد مشترك، وفي أحايين كثيرا يلجأ الحاكم لحل مشاكل دولته للدول الاجنبية. لا شك بأن الديمقراطية كأسلوب ونظام حكم، يتم التعرف بها اكثر على المشكلات، وتكتشف بها الحلول الصحيحة، ويعبأ الشعب بواسطتها لا ضد الحكومة وانما ضد التجزأة القطرية، فتصبح الوحدة العربية هدفا ملحا لمجرد إمكان التطور الإجتماعي في كل قطر. وهو ما يعني "إلغاء" دولته الإقليمية. وإلغاء الدولة الاقليمية يعني أن اركان الحكم من القادة والزعماء سيفقدون مراكزهم وإمتيازاتهم، وهو ما يقاومه كل الحكام والحكومات والقادة الإقليميين. نأمل أن تتغير هذه المعادلة بعد نجاح ثورات الشباب حينما لا يسمح الدستور في الدولة الاقليمية ان يحكم الرئيس اكثر من فترتين أو لسنوات محدودة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل