المحتوى الرئيسى

أسامة كمال: الديمقراطية على الطريقة المصرية

04/24 13:12

حينما يظل الباب مغلقاً فترة طويلة ، بمجرد فتحه ، يندفع  الجميع ، تحت ضغط الكبت المزمن إلى الخارج ،  دون أن يحددوا أي وجهة يتجهون ، أو أي طريق يريدون ، وتندفع الحشود متفرقة في كل اتجاه ، ومنطلقة في كل صوب .. ذلك ما يحدث في مصر منذ الحادي عشر من فبراير  ، عقب خلع الرئيس السابق ، وحتى يومنا الحالي .. و ليس معنى ذلك أننا نوافق على تصريحات رئيس الوزراء السابق : أحمد نظيف ، ونائب الرئيس السابق : عمر سليمان ، عن عدم جاهزية المصريين للديمقراطية .. لكننا نرصد حالة تمر بها مصر في الفترة الراهنة ، فالرئيس السابق جرّف متعمداً كل سبل التغيير السياسي في مصر ، ووأد كل الأحزاب السياسية في مهدها ، واستثنى منهم  الإخوان المسلمين ، حتى يظلوا صندوقاً أسود مفزعاً أمام الضغوط الخارجية ، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، وبديلاً مخيفاً لقطاع كبير من المصريين .. بالطبع مع مساحة ضرورية من التنكيل والمصادرة من النظام السابق للإخوان حسب الظروف السياسية ومجرياتها  .. وترك مبارك مصر، وجريمته فيها ، واضحة لكل عقل ، وماثلة لكل عين ، تركها وترك معها شعباً لم يمارس السياسة ثلاثين عاماً كاملة ، تركها وهى إحدى أهم بقاع التصحر السياسي في العالم .. وللإنصاف لا يتحمل الرئيس السابق وحده ، جريمة تجريف الحياة السياسية المصرية ، الجريمة شارك فيها الرؤساء الثلاث ، كل بقدر ، عبد الناصر بتأميمه الحياة السياسية في إتحاده الاشتراكي ، والسادات بديمقراطيته الوهمية ذات الأنياب ، ومبارك بهامشه الديمقراطي ، الذي تحول مع الوقت إلى مخدر موضعي ، أصاب المصريين جميعاً بالسكون والاستكانة  .. وبعد انتهاء أيام ميدان التحرير ، ومستنسخاته من الميادين على طول الخريطة المصرية ، وبعد أن سمت أرواح المصريين إلى أعلى مراتب النقاء والشفافية وحب الوطن  ، تفرغ المصريون  حالياً  لرعاية أمراضهم القديمة ، وأعادوا إنتاجها من جديد ، وكأن الذين بدأوا الثورة غير الذين يكملونها .. فالمظاهرات الفئوية لا تتوقف ، سواء بسبب مطالب عادلة ومشروعة ، أو بسبب أنفلونزا المظاهرات الفئوية  .. ولا يختلف في ذلك محرري جريدة ثقافية كأخبار الأدب ، عن عمال ورش سكة حديد طنطا ، فالإضراب والتوقف عن العمل  ، وتعطيل  الخدمات اليومية الملحة ، صار سنة مصرية في هذه الفترة الحرجة .. وللأسف لم يحدث ذلك طوال الستين عاماً السابقة ، وكأن المضربون يعاقبوننا نحن ، ولا يعاقبون رؤسائهم .. والفتن الطائفية تطل بيننا ، كثعبان سكن الأرض  المصرية ، و يطل بين فترة وأخرى برأسه وفحيحه ، وبسمومه السوداء المقيتة , ولم يستطع أحد القضاء عليه حتى الآن  ، لأن كل شروط وجوده ،  ما زالت حية بيننا ، وشياطين الفتنة يبثون أحقادهم على الطرفين : مسلمين ومسيحيين ، في مجتمع جعل من الدين بديلاً مريحاً للدنيا والآخرة ، واكتفى بالانتماء الأسمى للدين ، والتمسك بقشوره الشكلية ، دون التعمق في مقاصده الجوهرية والحقيقية ، التي تعلى من قيمة الإنسان وعمله ، دون التقيد بالانتماءات الضيقة  .. وتجلت مظاهر الفتنة ،  في حوادث عدة : كنيسة الشهيدين بأطفيح ، ومنشية ناصر ، وقطع أذن القبطي في قنا ، وأخيراً حادثة رفض أهالي قنا لمحافظهم المسيحي الجديد ، رفضوه لأسباب طائفية واضحة ، لا غموض فيها أو مواربة .. ورأينا بأعيننا المتظاهرين يرفعون رايات أخرى غير مصرية ، بعد أن كانت الأعلام المصرية ، هي أيقونات الروح المصرية طوال أيام الثورة النبيلة ، وكأننا لسنا فقط نرفع علماً ، غير علمنا الوطني ، بل نرفع تفسيراً متشدداً للدين الإسلامي الحنيف ، تفسيراً وهابياً متطرفاً ، مخالفاً لوسطيتنا المصرية السمحة ، التي لازمتنا منذ بدء التاريخ .. وكيف لا يحدث ذلك ودعاة السلفية والتطرف بيننا نجوماً لامعة ، لا يخفت عنها الضوء أو يزول .. ما حدث في مباراة الزمالك والإفريقي التونسي ، لم يكن حادثاً عابراً في مباراة لكرة القدم ، بل كان مشهداً يختزل كل ما يحدث في مصر في فترتنا الراهنة ، فبمجرد فتح الباب أمام الجماهير ، انطلقت ، لتمارس حريتها على طريقتها ، ومارست حريتها في حدها الأقصى ، بدون قيود أو ضوابط ، وبدون الالتزام  بأية مسئولية تجاه نفسها ووطنها .. نحن نحتاج لإعادة تعريف للديمقراطية الحقيقية ، تعريف بقوة القانون ،  تعريف يضع الحدود الفاصلة بين حرية الفرد ، وبين مطالب الوطن ..  ومن قبل ومن بعد يجب أن نؤمن بالحرية كقيمة إنسانية ، وليس كطريقاً للفوضى والانفلات ، وفرض التطرف الديني والعقائدي والسياسي  على جموع المصريين .. ويبدو أن طريق الديمقراطية ما زال طويلاً وشاقاًمواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل