المحتوى الرئيسى

ما الثورة المضادة؟

04/24 09:16

خيري منصور سخر المثقفون العرب ذات يوم من تسمية بعض الثورات العربية بأنها تقدمية . وأكثر ما اقترنت هذه الصفة بثورة السابع عشر من تموز العراقية، حيث لم ترد كلمة ثورة ولو لمرة واحدة في الإعلام العراقي يومئذٍ ومن دون أن تضاف إليها صفة التقدمية، فهل هناك بالمقابل ثورات رجعية؟ أم أن المصطلح يعاني التباساً جذرياً؟ وما يدفعنا إلى هذه المقاربات بعيداً عن السجال النظري المجاني هو الاستخدام المُفرط الآن لمصطلح الثورة المضادة بدءاً من مصر . وحقيقة الأمر أن ما يناقض أية ثورة شعبية ويعترض تقدمها هو نظام قديم أسهمت شيخوخته السياسية في تسهيل عمليات تقويضه . لكن العرب شغوفون بالنعوت، وهذا ما لاحظه مراراً مستشرقون وباحثون غربيون مختصون بالعرب وشجونهم . فالشاعر يجب أن يكون كبيراً كي يميز وكذلك المؤرخ والروائي، رغم أن صفة شاعر وحدها أو مؤرخ تكفي، إذا كان الموصوف جديراً حقاً بالصفة التي تلصق به، ولأن هذه الحالة تفشت كظاهرة صار الشعراء كلهم كباراً وكذلك الروائيون والمفكرون، وهذا ما يسميه اللغويون “الانتحاء” في اللغة، وإزاحة المصطلحات عن دلالاتها الحقيقية، لهذا لم يكن مستهجناً أن تستغرق صفات رئيس عربي سطرين على الأقل من النعوت المتتابعة، فهو قائد وعميد حكام عرب وملك ملوك إلى آخر القائمة . ولم يقتصر الأمر على الألقاب السياسية، فهناك أكاديميون يملأون بطاقاتهم بصفات ذات بعد اجتماعي أو عملي لا علاقة لها بتخصصاتهم، ولا نظن أن هناك كاتباً مرموقاً في العالم يضيف إلى اسمه وتحت توقيعه خمس صفات نقابية، غير قابلة للصرف عملياً أو حتى مهنياً . كيف تكون ثورة ومضادة للثورة في الوقت ذاته؟ إن الإجابة قد تستدعي تداعيات طريفة منها أن بعض من سخروا من الاستخدامات المجازية للثورة قبل عقود قالوا إنها أنثى الثور، أو هي الثروة بعد أن أصيبت بخطأ مطبعي . إن ما قبل الثورات جميعها هو نظم وسياقات مؤطرة ومقيدة بيروقراطياً بعكس ما بعدها حيث كل شيء يصبح مثاراً للمساءلة والشكوك، وحين قال الشاعر الباقي محمود درويش في قصيدته “ما أكبر الفكرة . . ما أصغر الدولة” كان يعني شيئاً آخر غير دلالات الاستقلال أو الكينونة السياسية، فالثورات التي تحولت إلى دول فقدت عنفوانها العاطفي والنزوع إلى التجريب وتغيير المفاتيح بحثاً عن شيء أبعد وأعمق من المرئي . وقد يقول البعض إن الأهم من كل هذا هو مضمون الشعارات ودلالاتها اليومية، فالناس ليسوا مطالبين بأن يكونوا سيبويه وهم يصفون ما يشعرون به، لكن هذا يقبل النقاش، ويكفي أن نذكر هؤلاء بأن ثلاثة أرباع الأراضي العربية التي احتلت في يونيو/حزيران عام 1967 أضاعتها أل التعريف، فالفارق بين كلمتي أراضٍ، والأراضي يشمل آلاف الأميال! وأحياناً تتسبب صياغة ملتبسة لفقرة في معاهدة في نسفها جذرياً أو تأويل موقف ما بعيد عن كل دلالاته . إن الصراع الآن ليس بين ثورتين، إحداهما إيجابية وتقدمية والأخرى مضادة، بل هو صراع بين رؤى مستقبلية ورؤى تقليدية أنهى التاريخ صلاحيتها، ولأن الشيء بالشيء يذكر دعونا نتذكر تلك الكلمة الوحيدة التي غيرها الاحتلال من كتاب النحو العربي بعد عام ،1967 ولم تلفت انتباه أحد . . وذلك في عبارة هي عاد العربي منتصراً، لتوضيح حال العربي العائد إلى فلسطين، وقد أصبحت بعد ذلك عاد العربي زائراً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من تغريب للعربي عن فلسطين، وبعد تغيير تلك المفردة بعقد من الزمن أطلقت الأدبيات السياسية والثقافية على وصول السادات إلى القدس المحتلة اسماً واحداً محايداً، يتناغم مع ذلك التغيير المبكر وهو “الزيارة” . فهل أصبح العرب وفق هذا التغيير لمفردة واحدة فقط مجرد زائرين لأوطانهم؟. * نقلا عن "الخليج" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل