المحتوى الرئيسى

"التعبيرية الألمانية" في متحف نيويورك

04/23 22:35

أنطوان جوكي-نيويوركبموازاة معرض "التعبيرية المجردة"، انطلق في متحف نيويورك للفن الحديث معرض هام تحت عنوان "التعبيرية الألمانية" يهدف إلى استكشاف حالة الغليان الفني في ألمانيا والنمسا عند بداية القرن العشرين وتحليل أسبابها.وأبعد من غنى وتنوع أساليب هذه الحركة ومواضيعها وتقنياتها، يسعى القيمون على هذا المعرض إلى كشف تشارُك فنانيها في حث الناس على استشعار الظرف الشامل للكائن البشري من خلال التعبير الفردي عن الأفكار والعواطف التي كانت مكبوتة حتى ذلك الحين.وكذلك يسعون لتسليط الضوء على استخدامهم الملصقات والكتب والصحف ركائز لعملهم، مع التركيز على الثورة التي أحدثوها في فن الحفر والطباعة الذي سمح لهم بنشر أفكارهم بشكل أوسع، مما يسمح به فنا الرسم والنحت.ويحترم ترتيب المعرض الذي يتألف من مئات المحفورات والرسوم المطبوعة التسلسل التاريخي لهذه الحركة، فقد خصصت صالات ثلاث في بدايته للمراكز المدينية التي ظهرت فيها الحركة التعبيرية، أي مدينة دريسد حيث تأسست مجموعة "الجسر" (Die Brücke) عام ١٩٠٥، ومدينة ميونخ حيث تأسست مجموعة "الفارس الأزرق" (Blaue Reiter) عام ١٩١١، ثم مدينة فيينا حيث نشط وجها هذه الحركة النمساويان، أوسكار كوكوشكا وإيغون شيليه.بعد ذلك، يتوقف المعرض عند استقرار معظم أرباب هذه الحركة في مدينة برلين عام ١٩١٠، قبل أن يتناول آثار الحرب العالمية الأولى على خطابهم التشكيلي متوقفا عند مجموعة "الموضوعية الجديدة" التي ظهرت في بداية العشرينيات. تصوير الواقعوفي فن الرسم، كما في سائر الميادين الأخرى، لم يسع هذا التيار إلى تصوير الواقع كما هو، بل إلى التعبير عنه وإخضاعه لحالة الفنان النفسية، وبالتالي هو إسقاط لذاتية تتوق إلى تشويه هذا الواقع وتوحي للمشاهد برد فعل عاطفي. تمثيلاته التشكيلية مبنية غالبا على رؤى مقلقة ناتجة عن رؤية أربابه المتشائمة لحقبتهم واستشعارهم بخطر الحرب قبل وقوعها.والتيار التعبيري هو أيضا رد فعل على الانطباعية الفرنسية التي تشبثت بوصف الواقع بأمانة، من هنا تسيره أشكال عدائية، كالألوان العنيفة والخطوط الحادة والشائكة، وبذلك ينخرط في سياق المذهب التوحشي الذي انتمى إليه ماتيس وفان دونغن وبراك ودوران وفريز وفلامينك.لكن بخلاف هذا الأخير، لم تشكل التعبيرية مدرسة فنية بالمعنى الحقيقي، بل ردود فعل متفرقة على الاتباعية والمجتمع.وفي معرض تحديد أصول هذا التيار، يعود بعض النقاد إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وتحديدا إلى الميول التعبيرية في لوحات ماتياس غرونفالد ولو غريكو.أما العناصر الأولى التي حضرت لمجيئه فظهرت في نهاية القرن التاسع عشر على يد فان غوغ (مرحلة ما بعد الانطباعية في عمله) وجايمس أنسور خصوصا النرويجي إدوارد مونش الذي يعد رائده الفعلي بخطوطه الملتوية وألوانه الاعتباطية وهاجس المرض والموت في لوحاته التي تطغى عليها كائنات قلقة أو مقلقة، كما في تحفته الفنية الشهيرة "الصرخة".وتجدر الإشارة هنا إلى أن انبثاق التعبيرية يرتبط أيضا بتطور تقنية التصوير الفوتوغرافي الذي أحدث تغييرا عميقا في علاقة الفن بالواقع، الأمر الذي أفقد فن الرسم وظيفته كوسيلة مفضلة لاستنساخ الواقع الموضوعي وعزز جانبه الذاتي وسمح له تدريجيا بالتحرر من قواعد الرسم التي كانت سائدة حتى ذلك الحين.ففي عالمٍ مهدد وعدائي، بحث أرباب هذه المجموعة عن فن رسم قادر على التعبير عن مشاكل البشرية، فشكلت لوحاتهم صرخة يأس في وجه مجتمع لا يؤمن لهم سوى القلق والخوف من المستقبل. وفي هذا السياق استخدمت الأشكال التعبيرية الفجة والعصبية والمشوهة بشكل واسع بهدف إسقاط الشعور الداخلي على الواقع المصور.وفعلا، سعت هذه المجموعة إلى استقطاب جميع الشخصيات الثورية، واهتمت خاصة بتدمير جميع الأعراف الفنية القديمة. فوفقا لكيرشنر، لا يمكن فرض أي قاعدة على الفنان الذي يتوجب عليه ترك وحيه يسيل بحرية كاملة فيمنحنا تعبيرا آنيا لعواطفه وانفعالاته.وفي هذا السياق، كان الفنانون التعبيريون أقل اهتماما بالجوانب الشكلية التي فضلوا عليها مضمون لوحاتهم العنيف والدموي، وهو موقف يميزهم عن الفنانين التوحشيين. أما شحنة النقد الاجتماعي التي مدوا بها أعمالهم فجلبت لهم انتقاد الفنانين المحافظين الذين عدوهم خطرا على الأجيال الألمانية الصاعدة.وفي هذا المعرض، يتبين لنا كيف أعادت هذه المجموعة إحياء الشغف بفن الحفر على الحجر أو المعدن عبر ممارسته بشكل واسع، واستيحاء أعمالها من الجمالية البدائية، خصوصا من المنحوتات والأقنعة الأفريقية والأوقيانية.  لوحة قمر شتائي للفنان آرنيست كيرشنر (الجزيرة نت)تعبيرية غنائيةأما مجموعة "الفارس الأزرق" فتأسست عام ١٩١٢ على يد فاسيلي كاندينسكي وفرانز مارك، وانضم إليها بسرعة أوغست ماكي وبول كلي وأليكسي جاولينسكي وغابريال مونتر.وبخلاف مجموعة "الجسر"، شعر فنانو هذه المجموعة بضرورة خلق لغة مضبوطة، فأقدموا على نشر كتب وتنظيم معارض للترويج لأهدافهم، وطوروا فنا روحيا اختزلوا فيه الجمالية الطبيعية إلى حد التجريد. ومع أنهم تشاركوا مع مجموعة "الجسر" بعض الأفكار، لكنهم اختلفوا عنها بتصفيتهم للغرائز وبسعيهم إلى التقاط الجوهر الروحي للواقع، وبالتالي بميول تنظيرية أكبر.ولتحديد أسلوبهم، تحدث هؤلاء عن "تعبيرية غنائية" تتوق إلى استكشاف روحية الطبيعة والعالم الداخلي. فبالنسبة إلى كاندينسكي، على فن الرسم أن يمتد من الواقع المادي الضاغط إلى الرؤية الصافية المجردة، مع اللون وسيلة. من هنا جاء تطوير كاندينسكي لنظريةٍ معقدة حول الألوان، ففي بحثه الشهير "الرسم كفن صاف" (١٩١٣)، اعتبر فن الرسم واقعا آخر، عالما بذاته وشكل كينونة جديدا يؤثر على المشاهد من خلال النظرة ويثير فيه اختبارات روحية عميقة.وبالنسبة إلى بول كلي، على الفنان الاختلاط بقوى الطبيعة كي يتم قبول ابتكاراته بنفس الطريقة التي يتم فيها قبول الظواهر الطبيعية، وبخلاف كاندينسكي، كان مقتنعا بأن الفن قادر على الإمساك بحس الطبيعة الخلاق. ولهذا رفض كلي التجريد المطلق وأقدم على ولوج ميادين اللاوعي في وقت كان فرويد ويونغ قد انطلقا في دراسة هذا الأخير، وفي سياق بحثهم التشكيلي، استخدم فنانو هذه المجموعة تقنية الحفر على الخشب.أما الفنانان النمساويان كوكوشكا وشيليه فتبنيا في أعمالهما خطا أكثر تعبيرية من الفنانين الألمان بلغ حدود التشويه، وركزا عملهما على البورتريه والجسد العاري للتعبير عن عنف العالم وحالته المرضية المقرفة.الموضوعية الجديدة وفي هذا السياق ابتكروا أسلوبا جديدا تركز على الرسم وأسقط من اهتماماته اللون قيمة تعبيرية، أسلوب قائم على الاستنتاج التحليلي، ويطرح نظرة حادة وقاسية على الواقع اليومي للمجتمع الألماني بعماله وبورجوازييه ومفكريه ومومساته، من خلال بورتريهات مقلقة أو ذات جانب كاريكاتيري أو عبر مشاهد مدينية ليلية للحانات والكباريهات تفضح حالة الانفلات الأخلاقي السائدة.وتعري هذه الرسوم مواضيعها وتقربها بشكل كبير ومزعج من عين المشاهد، وخلف قناع السخرية والهجاء، نستشف فيها بعدا ماساويا ناتجا عن مشاركة معظم هؤلاء الفنانين في الحرب وعن رغبتهم في الشهادة على فظائعها ونتائجها السلبية اللاحقة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل