المحتوى الرئيسى

كارم يحيى : دماء في ميدان التحرير

04/23 18:50

القضية بالغة الحساسية، لكنها لا تحتمل التأجيل أو التغاضي . ثمة دماء سالت على أرض ميدان التحرير فجر يوم السبت 9 إبريل 2011 .وسبقتها هتافات ترددت ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة للجمعة الثانية على  التوالي . وإن كانت هذه المرة لقت استجابة أكبر وبظهور ومشاركة نفر محدود من الضباط تتراوح رتبهم بين الملازم أول والنقيب.كان يجب أن يدرك المجلس العسكري حجم الغضب ودواعيه ، وألا يترك الأمور تتفاقم إلى هذا الحد. وبقدر ما رحب الرأي العام بخطوات من قبيل الشروع في التحقيق مع ” مبارك ” وحبس رجله المقرب السيد “زكريا عزمي ” احتياطيا . لكنه تعجب على التأخر لما بعد نحو شهرين من تولى المجلس العسكري إدارة البلاد و اتخاذ هذه القرارات قبل سويعات فقط من “جمعة المحاكمة والتطهير”.لا أحد يرغب في مواجهة مع المجلس العسكري و الجيش. ولقد كان ثوار 25 يناير يستلهمون عمق الحضارة المصرية و يستعيدون التاريخ الوطني لجيشهم عندما أغرقوا القوات المسلحة في بحر من الأخوة والحب مع الساعات الأولى لنزولها إلى الشارع . أحاطوا بالدبابات و اعتلوها . استأنسوا فولاذها. ناموا بين جنازيرها. و كتبوا عليها شعاراتهم المطالبة بسقوط ” مبارك ” ونظامه. وكنت أحد شهود هذه الملحمة الرائعة في ميدان التحرير منذ ليلة 28 يناير 2011. وقد اتخذت شعار ” الجيش والشعب يد واحدة ” . لم تفلح محاولات الوقيعة بين جيش الشعب وشعب الجيش. وإن ظل هناك ما يخدش بهاء الصورة . كالتساؤل حول المحاكمات العسكرية لمدنيين ثوار بدعوى “البلطجة” و إساءة معاملتهم على أيدي أجهزة يقال أنها تابعة للجيش . ولقد التقيت شخصيا بعائلات محكومين عسكريا لا يمكن لأي عاقل تصديق أنهم ” بلطجية”. وكان هذا الأمر ومازال في حاجة إلى تحقيق وتوضيح وتصحيح ،واعتذار إن لزم .تماما كما اعتذر المجلس العسكري في واقعة اقتحام ميدان التحرير فجر 26 فبراير 2011 . وهو ما كان محل تقدير و استحسان . لكن المؤسف أن الاعتذار تبعه اقتحام آخر لا يقل خطورة للميدان يوم 9 مارس 2011 . ثم اقتحام كلية إعلام القاهرة 23 مارس وفض اعتصام مصانع “غزل شبين”  نهاية الأسبوع الماضي ، ومن دون اعتذار هذه المرة أو تلك.ما حدث مؤخرا في ميدان التحرير ليس مقطوع الصلة بما كان . لكنه على جانب أعظم من الخطورة . وبداية لم يكن مريحا مطلقا أن يأتي ضباط يرتدون ملابس القوات المسلحة إلى الميدان ويشاركون في عمل سياسي على هذا النحو وأن يضعوا أنفسهم في مواجهة قيادتهم . لأن هذا يحمل معه شوائبا غير مرغوبة إلى عمل ثوري مدني انطلق في 25 يناير و سيظل مدنيا ، ويتعين أن يظل هكذا . ولأن هؤلاء الضباط إخوة وأبناء يعرضون أنفسهم لمخاطر المحاكمات العسكرية والأحكام القاسية . وللأسف لم أتمكن من الحوار مع أي من هؤلاء الضباط المعتصمين بكعكة الميدان الحجرية، وقد أحاط بهم الآلاف توفيرا للحماية . لكنني مما استمعت إليه من شهود عدول تحدثوا إليهم خرجت بأن هؤلاء الضباط أقرب إلى مغامرين حسني النية قليلي الخبرة دفعتهم إلى ميدان التحرير ـ في خطوة غير محسوبة ـ موجة شعبية من الإحباط إزاء إيقاع تلبية المطالب الجماهيرية والقلق على مصير الثورة .وبقدر ما يتعين على ثوار في الميدان نقد تعاملهم مع ظاهرة هؤلاء الضباط ، خاصة وأن البعض توهم فيهم بالخطأ ” بؤرة ثورية من العسكر والمدنيين ” من شأنها الضغط لتحقيق المطالب الديمقراطية المشروعة. وبذات القدر يجب على المجلس العسكري مراجعة أدائه تجاه ما جرى .فمن غير المتصور العودة إلى خطاب ما قبل 25 يناير ، وإنكار أنهم ” ضباط تابعون للقوات المسلحة ” و إصدار ذات البيانات الإعلامية المتنكرة للحقيقة والواقع على لسان ” مصدر أمني ” .لا أعرف بالضبط حقيقة ما جرى ويجرى في ميدان التحرير مع  فض هذا الاعتصام المدني / العسكري وبعده . لكنني استمعت إلى أنباء تدعو للقلق . و لاشك أن أياد عابثة كثيرة تترصد . لكن لتتغلب الحكمة عند الثوار والمجلس العسكري الحاكم للبلاد كليهما. و الأخير مطالب بمراجعة سياساته ومنهجه في التعامل مع المطالب الثورية الديمقراطية المشروعة و بالرحمة والرأفة مع أبناء الجيش والشعب حتى ولو كانوا ” مغامرين حسني النية  ” .وقبل هذا وذاك ، علينا التفكير في وجاهة تشكيل مجلس رئاسي غالبية أعضائه من المدنيين المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة و الخبرة السياسية ، بما في ذلك قضاة محل ثقة الرأي العام . فالقوات المسلحة ـ وهي محل تقدير من شعبها بثواره و مثقفيه ـ باتت مثقلة بأعباء جسام وتعمل في بيئة سياسية معقدة ربما تفتقد إلى خبرة و أدوات التعامل معها . وقد آن الأوان لمجلسها الأعلى أن يتخفف من أعباء حكم وسياسة و يتفرغ لدور الحامي و الداعم لعملية التحول الثوري والديمقراطي.ما حدث فجر التاسع من إبريل 2011 يسئ إلى مصر وجيش شعبها العظيم الذي لم ولن يكون ـ أبدا ـ شبيها بجيوش عربية تورطت في قمع ثورات شعوبها. وعلينا جميعا الانتباه ، و نزع فتيل مفاجآت قادمة ،سواء أكانت مدبرة ومشبوهة أو عفوية وبريئة.سلمته إلى ” الأهرام ” عصر يوم 9 إبريل 2011مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل