المحتوى الرئيسى

هل يكون مبارك منهم؟

04/23 12:30

بقلم: د. صلاح عبد الحميد زيدان مكانة الحاكم في الإسلام هو صاحب الولاية العليا، فلا والي فوقه، وطاعته واجبة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 59)، وفي الحديث: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني"، والطاعة فيما يحب ويكره كما في حديث عبادة "بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا".. ومن خلع يدًا من طاعة بلا برهان وقع في وعيده- صلى الله عليه وسلم- "من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له"، والطاعة لولي الأمر ليست موجهةً لذاته، وإنما لكونه مقيمًا للدين ومصلحة الناس، فإن أمر بمعصية، أو خرج عن مسئوليته، وكان فاسدًا؛ فلا طاعة له، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152)﴾ (الشعراء)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الطاعة في المعروف".   مكانة الحاكم في المجتمع المسلم: والحاكم المسلم مقيد بقيدين الشريعة والشورى: أي بحكم الله، ثم رأي الأمة، وهو مسئول أمام الله وأمام الناس، أما مسئوليته أمام الله فقوله صلى الله عليه وسلم: "إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة؛ إلا مَن أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها"، وقوله: "والإمام راعٍ ومسئول عن رعيته"، وهو مسئول أمام أمته والناس الذين ائتمنوه على أنفسهم وأموالهم ودينهم، واختاروه لإدارة أمورهم، ثم بايعوه مقابل تعهده بالعدل وتنفيذ أحكام الشريعة؛ فالأمة قوامة على الحاكم.   ويقول الإمام البنا: "فالحاكم مسئول بين يدي الله وبين الناس، وهو أجيرٌ لهم، وعامل لديهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته".. وقال: فأما عن مسئولية الحاكم فإن الأصل فيها في النظام الإسلامي أن المسئول فيها هو رئيس الدولة كائنًا مَن كان له أن يتصرف، وعليه أن يقدِّم حساب تصرفه للأمة، فإن أحسن أعانته، وإن أساء قوَّمته.   انحراف الحاكم بمَ يكون؟ يكون بالتخلي عن التزام الإسلام، سواء في سلوكه الشخصي، أو في سياسته الداخلية، أو الخارجية التي يرعى شئون الأمة على أساسها، وإليك عدة نصوص شرعية تذكر بعض الانحرافات للحاكم:   1- ارتكاب المعاصي: قال صلى الله عليه وسلم: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، قالوا قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من وُلي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة" (رواه مسلم).   2- أمر الرعية بالمعصية: قال صلى الله عليه وسلم: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وأكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (متفق عليه).   3- ارتكاب المنكرات: ومنه الاستئثار بالحظوظ الدنيوية، وهذا الاستئثار يشمل الأموال والوظائف والمناصب والمميزات، يحتكرها لنفسه، ولذوي قرباه وجماعته دون بقية أفراد الأمة.. قال صلى الله عليه وسلم: "إنها ستكون أثرة وأمور تنكرونها"، قالوا: فما يصنع من أدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: "أدوا الحق الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم" (متفق عليه).   4- إيذاء أفراد الأمة: بالضرب والتعذيب ومصادرة الأموال، وفي الحديث: "يكون أمراء يعذبون ويعذبهم الله" (رواه الحاكم).   فالمفترض في الحاكم المسلم المسئول عن دولة، أن يحسب حسابًا لكل خطوة يخطوها، ويضع الضمانات لكل عملٍ يعتزم تنفيذه، وأن يسير في سياسته على أمورٍ، منها:   1- العزم على الاعتصام بالكتاب والسنة، والتضحية في سبيل ذلك: قال عمر الخطاب رضي الله عنه: "قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا- أي: يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله، وقال أيضًا:" إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله" فالاعتصام بالكتاب والسنة والتلقي منهما قضية مسلمة لا تقبل النقاش.   2- ترسيخ قيم الحق والعدل ودفع الظلم: وهذا هو أساس سياسة الحاكم العادل، فجميع الأهداف والوسائل التي يتبعها يجب أن تنسجم مع هذا الأساس، وإحقاق الحق ودفع الظلم هو أصل من أصول الشريعة، ومقصد رئيسي من مقاصدها قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: من الآية 25).. يقول ابن القيم: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة.   3- إعادة توزيع الدخل والثروة بشكل عادل: يرضى الله تعالى ويحقق قيم الحق والعدل، وعليه أن يراقب الانحرافات ويلاحظ آثارها السلبية على نفوس الرعية، فلا يترك أهل الغنى يزدادون في غناهم ويترك أهل الفقر يرملون بفقرهم فالتفاوت الاجتماعي هو نتيجة لسوء توزيع الثروة.   4- منع الأمراء والكبراء من الاستئثار بثروة الأمة: ومصادرة الأملاك المغصوبة ظلمًا، والتي استولى عليها الأمراء والكبراء، وإعادة هذه الأموال إلى أصحابها إذا عرفوا أو إلى بيت المال، إذا لم يعرف أصحابها، أو كانت من الأموال العامة.   5- زيادة الإنفاق على الفئات الفقيرة والمحرومة ورعايتها: وتأمين مستوى الكفاية لها عن طريق الزكاة وموارد بيت المال الأخرى، يقول عمر بن عبد العزيز في إحدى خطبه: وددن أن أغنياء الناس اجتمعوا فردوا على فقرائهم حتى نستوي نحن وهم وأكون أنا أولهم، وفي خطبة أخرى: "ما أحد منكم تبلغني حاجته إلا حرصتُ أن أسدَّ من حاجته ما قدرت عليه وما أحد لا يسعه ما عندي إلا وددت أنه بُدِئ بي وبلحمتي الذي يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم"، وقد طبَّق عمر هذا عمليًّا عندما أمر بقضاء دين الغارمين، فكتب إليه عامله: إنا نجد الرجل له المسكن والخادم، وله الفرس والأثاث في بيته، فأجاب عمر: لا بدَّ للرجل من المسلمين من مسكن يأوي إليه رأسه وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته.   6- تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي: عن طريق إيجاد المناخ المناسب للتنمية، وعن طريق حفظ الأمن والقضاء على الفتن، ورد الحقوق لأصحابها، وببناء المرافق العامة، والتي تسمى اليوم بمشاريع البنية التحتية، ولا تقوم التنمية إلا بهذه المرافق الضرورية من أنهار وترع ومواصلات وطرق، والتأكيد مبدأ الحرية الاقتصادية المقيدة بضوابط الشريعة. ------- * موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية- أسوان

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل