المحتوى الرئيسى

د.عبد الجواد حجاب يكتب: تحررت قريتنا ولكن

04/23 11:21

أنا أسكن فى قرية جميانة، وهى قرية صغيرة فى شمال مركز بلقاس محافظة الدقهلية، وهذه القرية عدد سكانها حوالى عشرين ألف نسمة أو أكثر، وسكانها أقباط ومسلمون يتشاركون فى كل شىء فيها أراضيها وبيوتها وهوائها ونيلها على مر العصور، أستأذنكم فى التكلم بصدق عن الحال الذى عشناه فى هذه البقعة المباركة بدماء شهدائها فى عصور الاستبداد الرومانى. منذ خمسين عاماً وأنا طفل يعى كل شىء كانت شوارع قريتنا المتواضعة مضاءة بالكهرباء من مولد كهربائى خاص بالوحدة المجمعة وفرته لنا الدولة، ولكن أعمدة الإنارة الخشبية والشبكة بالشوارع تم توفيرها بالجهود الذاتية لأهالى القرية، كان يجمعنا مركز شباب واحد وله حفل سنوى يحضره أهالى القرية جميعاً، ويشارك فى فعالياته شبابها وشيوخها ونساؤها بدون استثناء. كانت لنا جمعية تنمية للمجتمع المحلى تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية، وبها مصنع صغير لصناعة السجاد، فوق كل ذلك لم تحدث أى احتكاكات طائفية فى هذه الأيام الجميلة التى عاشت بأفكار الوحدة الوطنية لثورة 1919م وثورة يوليو 1952م، بصراحة كان زمنا جميلا لم نشهد فيه أى نزاعات أو أى خلافات تحت ما يسمى بالطائفية. دارت الأيام وصعد إلى حكم مصر طغاة ثم نتج عن الطغيان والاستبداد فساد وتدخل البوليس السياسى فى كل كبيرة وصغيرة وتضخم حزب المصالح المسمى بالحزب الوطنى، وتم زرع بذور الفتنة بين فئات الشعب، وانتهى عصر التعاون على فعل الخير، بل وتقوقع الناس كل خلف مرجعيته، سواء كانت دينية أو حزبية، وحدثت بعض الاحتكاكات الطائفية والمصطنعة من الأمن، وكان ذلك هو ظنى دائماً، والنتيجة كانت بكل أمانة تكوين كيانات متصارعة فى صورة مراكز شباب لكل طائفة ورحلات وجهود أهلية ذاتية موجهة لطائفة دون أخرى، وساعد على ذلك تبرعات المصريين فى الخارج من الخليج وأمريكا فى آن واحد، لكن لطرف دون طرف، كل ذلك أدى إلى التباعد ومزيد من التخندق كل خلف مرجعيته، سواء كانت دينية أو سياسية، والخطير فى الأمر أن الحزب الوطنى والحكومة وأمن الدولة اشتركوا فى تغذية هذه النزعات الطائفية وظهرت نزاعات على كل شىء سواء أراضى أو مساكن أو وظائف يخلقها النظام البائد ويتدخل فى النهاية لفرض حلول تحافظ على استمرارية التشرذم والتفكك، وأصبح النظام هو صانع الفتنة والفرقة وهو واضع الحلول لها بطريقة قمعية، حال لا يحتاج إلى شرح تفصيلى، لأننا جميعاً نعرفه جيداً وفهمناه أكثر وأكثر بعد كشف المستور وسقوط النظام البائد وترحيله إلى جمهورية طره للمحاسبة وقامت ثورة الشباب النبيل فى 25 يناير وانهار النظام الفاسد بشكل أذهل العالم والعجيب، الآن أن الرئيس وحكومته ووزراءه وقيادات الحزب الذى كان يرأسه محبوسين احتياطيا على ذمة قضايا فساد واستبداد وسرقة بالقانون وقتل وهذا المشهد لم أره فى حياتى من قبل. الآن تحررت بلدنا من قبضة امن الدولة وسطوة الحزب الفاسد والتحم الشباب من الأقباط والمسلمين وكونوا اللجان الشعبية التى تحفظ الأمن فى فترة الانفلات الأمنى، وكان اللافت للنظر تكون لجنة من عشرين شاباً أكثرهم من المسلمين لحراسة دير الشهيدة دميانة، وجميع مرافقه بعد اختفاء أفراد تأمين وحراسة هذا الصرح السياحى مما نال استحسان الحاكم العسكرى للمنطقة فى زيارة ليثمن ما قام به الشباب مسلمين ومسيحيين لحماية الدير وفى احتفال وزيارة خاصة للقرية ودير القديسة دميانة أطلق ممثل الحاكم العسكرى اسم أصدقاء القوات المسلحة على هؤلاء الشباب. الآن وبعد عودة قريتنا الينا وخروج الحزب والأمن منها وأصبحنا مواطنين أحراراً وأصبحت قريتنا أمانة فى أعناقنا الآن تحديداً من على هذا المنبر الحر أدعو أهل قريتى جميعاً وكل القرى فى مصر الحرة إلى أخذ زمام المبادرة وتكوين بيت جديد يجمعنا جميعاً بدون تمييز فى الدين أو فى الانتماء السياسى أو اللون أو العرق، كيان اجتماعى يجمعنا جميعاً وندعمه بمجهوداتنا وتبرعاتنا كلنا نساهم فى تكوينه بالمال والأرض والسواعد والأفكار والخطط على أن تكون مهمته نظافة القرية وصيانة مرافقها ومساعدة فقرائها وعمل مشروعات صغيرة لتشغيل العاطلين وتقديم يد العون لطلبة كثيرين يحتاجون إلى أن نعاونهم على إكمال مشوار تعليمهم. هناك الكثير الذى يحتاج إلى تعاوننا ولا ننتظر الحكومة لتحمل مسئولية كل شىء، بل نساعد الحكومة فى تحمل بعض الأعباء وفى إعادة تنظيم صفوفنا فى بيت واحد يساعدنا فى النهوض بالقرية والخروج بها من حالة الموت والجمود الذى الذى أصابها على مدى ثلاثين عاماً، وليكن تحركنا على أساس أننا كلنا مصريون ويد واحدة وكلنا جنود من أجل تنمية قريتنا فى كل المجالات. من على هذا المنبر أدعو كل أهل قريتى جميانة التى أحبها إلى البدء فوراً فى إصلاح ما فسده النظام السابق وتوحيد كلمتنا والعمل يد بيد وكتف بكتف على تنمية قريتنا بجهودنا الذاتية وكل يشارك بما يستطيع مال أو أرض أو جهد أو فكر أو تخطيط، هيا بنا نتطهر من كل الفساد الذى تنفسناه ورضعناه على مدى ثلاثين عاماً على أساس أننا كلنا مصريين وعلى أن يكون شعارنا الدين لله والوطن للجميع.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل