المحتوى الرئيسى

الغائب في المصالحة الفلسطينية

04/23 10:50

هشام دبسي الأثر المباشر للثورات العربية، وللحراك العربي، لم يكن قوياً في الشارع الفلسطيني، ما يعكس الخصوصية المركبة للوضع الفلسطيني، خارجياً وداخلياً، أي «مزدوجة» الاحتلال والانقسام. لقد صاغت الحركة الشبابية الفلسطينية، شعارها الايجابي «الشعب يريد إنهاء الانقسام»، ونظمت على إيقاعه، سلسلة فاعليات جماهيرية، في غزة ورام الله. ولقي هذا الحراك الشبابي، دعماً من الشبيبة الفتحوية، واستحساناً من السلطة الوطنية لانسجامه مع الدعوة للانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية، فضلاً عن انتخاب أعضاء المجلس الوطني. قبل أيلول / سبتمبر المقبل، كموعد افتراضي. حاولت حركة حماس، بدورها، احتواء الموقف، من خلال الموازنة بين السماح لهذا الحراك بالتعبير عن نفسه، وبمشاركة محدودة من الشبيبة الحمسوية، وبين الحزم في اجراءات الأمن والضبط الميداني، منعاً لأي مفاجأة غير محسوبة، أو غير سارة. في تلك اللحظة المشحونة، أطلق رئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية دعوته الرئيس محمود عباس إلى زيارة القطاع، لإنهاء حالة الانقسام، وهذا ما يريده الشعب حقاً. وأغلب الظن، ان السيد هنية، لم يحسب قدرة الرئيس أبو مازن على رفع سقف التحدي، والمبادرة السريعة لتلبية الدعوة في سبيل اعلان المصالحة الفورية، الأمر الذي استدعى تدخل قيادة حماس في الخارج، لقطع الطريق على هذه المبادرة، بحجة الحرص على أمن الرئيس وحياته! وإذ ألقت الرئاسة الفلسطينية اللوم على العامل الخارجي في إفشال الزيارة ـ المصالحة، فهذا يوجب علينا البحث في العامل الداخلي أيضاً، للإشارة إلى قصور الحراك الشبابي عن التأثير في الكتل الاجتماعية ـ الشعبية، وعدم قدرة الحركة الشبابية على جذب قطاعات واسعة للشارع أكان ذلك في غزة أو الضفة الغربية، ما أفقد الحراك الشبابي، القدرة على توليد قوة الضغط الشعبي اللازم والضروري، من حيث الحجم والشدة والاتساع، لإنتاج حالة جماهيرية قادرة على ترجمة الشعار النبيل «الشعب يريد إنهاء الانقسام». إن فشل الحراك الشبابي، في جذب الكتلة الجماهيرية لا يعود إلى أي موقف جماهيري سلبي من المصالحة، بقدر ما يعكس حالة الاستقطاب الحاد، والانحيازات الشعبية لكلا القطبين «فتح ـ حماس». وهذا ما يجعل معظم الجمهور الفلسطيني منقسماً في دعمه للمصالحة، بين أطروحة فتح وأطروحة حماس. ليصبح الاتفاق على آليات المصالحة يساوي المصالحة نفسها. وتبدو أطروحة حماس للمصالحة منطقية، عندما تطلب أولوية اعداد المسرح الفلسطيني، ومعالجة ملفات سياسية وأمنية وتنظيمية، لتهيئة الأجواء لنجاح المصالحة، ثم التوجه لانتخابات عامة في مناخ صحي وسليم. لكن التجربة، والمعطى الملموس، يبرهنان أن المسألة ليست كما تبدو، خاصة بعد أن قُتلت الملفات بحثاً وتنقيباً، وأُشبعت مقترحات ومبادرات. والنتيجة دائماً، هي العودة إلى المربع الأول، والاستمرار في رفض أي اقتراح من فتح أو السلطة الوطنية في شأن الذهاب إلى الانتخابات العامة. ماذا وراء هذا الموقف الحمساوي المتمادي في تمسكه بالواقع الانقسامي الراهن؟ إن قراءة حركة حماس السياسية للوضع الدولي، ونسبة القوى الاقليمية الراهنة، تستند إلى حيثيتين: الأولى، فشل عملية السلام في احداث اختراق حقيقي، والثانية، قدرة محور الممانعة الذي تنتمي إليه الحركة، في إنتاج حالة اعتراض نشطة وفاعلة. لذا فإن الانتظار على قاعدة الامساك بالسلطة في غزة، أفضل من مغامرة خوض الانتخابات الفلسطينية العامة. وهكذا تفضل حركة حماس الاستثمار الطويل الأجل لسلطتها في القطاع، والغاية فرض معادلة سياسية جديدة، على مستوى التمثيل الرسمي، للتفاوض على مصير السلطة في الضفة الغربية ما دام القطاع محسوماً أمره. وهذا يفسر، جزئياً، أسلوب حركة حماس وطريقتها، وسعيها لإعادة انتاج النظام السياسي الفلسطيني برمته، على أسس ملائمة لها، باعتماد قاعدة الحوار من سلطة إلى سلطة، وليس اعادة انتاج الديموقراطية الفلسطينية عبر مرجعية الشعب وصندوق الاقتراع. إن تأييد حركة حماس الانتقائي، لبعض الثوارت والاحتجاجات العربية، من المفترض إنه تأييد لخيار الديموقراطية والاحتكام إلى الشعب، وليس العكس. فما هو صالح للشعوب العربية، صالح للشعب الفلسطيني أيضاً. لكن التنكر لحق الشعب الفلسطيني في ممارسة الديموقراطية، وفي القلب منها العملية الانتخابية، ليس إلا سلوكاً ينتمي إلى الفكر الشمولي، الذي يشهد سقوطه المدوي في عالمنا العربي. فإذا كان أثر الحراك العربي المباشر ضعيفاً في الشارع الفلسطيني الآن، فإن أعمق الآثار سوف تتكشف قريباً في المعادلة السياسية الدولية والاقليمية. ومن البدهي القول إن الفلسطيني سيبقى على الدوام في عين الاعصار، وهذا ما يجعل تغييب الشعب الفلسطيني عن صوغ مستقبله الديموقراطي أمراً مستحيلاً. * نقلا عن "السفير" اللبنانية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل