المحتوى الرئيسى

العلاقات بين عوائل البيت العربي

04/22 12:28

رغيد الصلح خلافاً لما هي الحال في الدول العربية، فإن كثرة من الدول الأوروبية تمكنت من قطع أشواط بعيدة على صعيد توطيد وحدتها الترابية والقومية. رغم ذلك فإن عدداً من هذه الدول لبث وحتى أيامنا هذه يعاني معضلات حقيقية على هذا النطاق . ولقد أثرت هذه المعضلات في أوضاع هذه الدول الداخلية، كما انها أثرت وتأثرت بسياساتها الخارجية وخاصة على مشاريع الاندماج الأوروبي . وأخذت هذه التفاعلات تظهر بوضوح مع متغيرات طرأت على أوروبا وعلى دول الاتحاد الأوروبي على صعيدين: الأول، هو التقدم الذي حققه مشروع الاندماج الأوروبي . والثاني، هو التحولات الديمقراطية التي طرأت على أوروبا بما في ذلك مشاريع الاستقلال الذاتي والمحلي الموسعة التي أخذت طريقها إلى التنفيذ في الدول المعنية . في ضوء هذين المتغيرين، وجدنا أن العديد من الحركات ذات الطابع الإثني (الباسك في إسبانيا) أو الجغراسي (شمال إيطاليا)، أو الديني (الكاثوليك في إيرلندا الشمالية) التي كانت تطالب بالانفصال عن الدولة الترابية التي تضمها، تراجع من حيث الفاعلية أو دخل في مرحلة مراجعة لموقفه من الوضع الراهن . فالحركة القومية الاسكتلندية التي كانت تطالب باستقلال اسكتلندا عن بريطانيا أخذت في التراجع . وبموازاة هذا التراجع، نما التيار الاتحادي الذي يقبل ببقاء اسكتلندا داخل الدولة البريطانية ولكن مع تقوية العلاقات مع الاتحاد الأوروبي . واعتبر أرباب هذا التيار أن العلاقات النامية مع الاتحاد توفر لاسكتلندا المجال والفرص للتقدم السريع الذي فات الاسكتلنديين بسبب تبعيتهم المفترضة للندن، كما يلاحظ بيرسي ميستري في كتاب “العولمة والأقلمة الجديدة” . أخذاً في الحسبان هذه التجارب، طرحنا في مقالات سابقة اسئلة حول مواقف الأقليات الإثنية في المجتمعات العربية، خاصة في العراق والمغرب العربي والسودان، تجاه المشاريع المطروحة حالياً والتي ترمي إلى دمج دول المنطقة خاصة الأوسطية والمتوسطية في كيانات أكبر أو كيانات أخرى غير عربية . فما هو الموقف الذي تتخذه، أو بالأحرى الذي اتخذته، الحركات المعبرة عن الأقليات الإثنية تجاه مشاريع الوحدة العربية أو مشاريع التعاون الإقليمي العربي في إطار الجامعة العربية؟ الاتجاه الغالب بين ممثلي الأقليات الإثنية في الدول العربية المعنية كان يميل إلى رفض مشاريع الوحدة العربية حيثما وعندما طرحت هذه المشاريع . وهكذا وقفت القيادات الكردية ضد مشروع انضمام العراق الى الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 . ولقد كانت لهذه المواقف مسوغاتها إذا قبلنا بمفهوم القوميات الذي رشح الى المنطقة العربية من أوروبا والذي يقول إن “لكل قومية دولة ولكل دولة قومية” . فبحسب هذا المفهوم، كان على الأكراد أن يتخلوا عن خصوصيتهم القومية وأن يعتنقوا القومية العربية حتى يستحقوا حقوق المواطنة الكاملة في الدولة العربية القومية الناشئة . ينسحب هذا الموقف على الأقليات الإثنية الأخرى في المنطقة عند تحديد موقفها تجاه المشاريع الوحدوية العربية التي تنطلق من المفهوم الأوروبي للقومية . لقد كان أمام الحركات القومية في الدول العربية، سواء مثلت الأكثرية العربية أو الأقليات الإثنية، فرصة تصحيح هذا المفهوم، كما فعل العرب أنفسهم في مراحل سابقة عندما واجهوا مشروع “التتريك” الذي سعى إليه حزب الاتحاد والترقي الحاكم في اسطنبول، عندما دعت الحركة العربية الى تحويل الإمبراطورية العثمانية الى دولة متعددة القوميات حتى يتسنى للعربي والأرمني والكردي والألباني ولغيرهم من الشعوب والقوميات، أن يعيشوا على قدم المساواة مع الاتراك . إلا أن قادة الحركات القومية لم يتجهوا إلى تبني هذا المفهوم الأخير ففوتوا على العرب والأكراد معاً فرصة مهمة لتصحيح النظرة الى مسألة التنوع والوحدة داخل الدول الواحدة . يجدر بالذكر أنه توفرت أمام قيادات عربية وكردية معاً فرصة أخرى لتصحيح هذه النظرة عندما تم توقيع اتفاق 11 مارس/آذار عام 1970 بين حكومة حزب البعث في بغداد والحزب الديمقراطي الكردستاني . فقد تم التوصل الى الاتفاق على الأساس الاعتراف بالقوميتين العربية والكردية وبالاستقلال الذاتي لإقليم كردستان . إلا أن هذا الاتفاق لم يلبث أن انهار ومن ثم تعطلت مفاعيله الفكرية والسياسية . لم يكن موقف الأقليات الإثنية تجاه مشاريع التعاون الإقليمي بعيداً عن مواقفها تجاه مشاريع الوحدة العربية . فحركة تحرير شعب السودان التي عملت من أجل الانفصال عن الدولة السودانية، كانت تعارض قبل الانفصال فكرة تعميق انتماء السودان العربي ومن ثم توطيد صلاته مع الدول الأخرى عبر مشاريع التعاون الإقليمي مثل السوق العربية المشتركة . ولم تجد حكومة جنوب السودان المنبثقة عن الحركة أن تطوير العلاقات مع الدول العربية يعوضها عن تحقيق الانفصال . وعندما تم الانفصال بين الشمال والجنوب، أعلنت الحركة أنها لا تفكر في الانضمام إلى جامعة الدول العربية أو إلى المؤسسات التابعة لها . بذلك فكت الحركة آخر خيط من خيوط الارتباط مع العالم العربي . خلافاً لذلك، بدا موقف القيادات الكردية في إقليم كردستان العراق محبذاً للتعاون الإقليمي في إطار جامعة الدول العربية، إذ إنه مقابل رفضها إدراج بند ينص على عروبة العراق وعلى أنه جزء من الأمة العربية في الدستور العراقي، وافقت على تضمين بند ينص على “أن العراق هو عضو مؤسس في الجامعة العربية وملتزم بميثاقها” . إلا أن هذا النص انطوى على خلل مهم يؤثر في مشروعية عضوية ودور العراق في الجامعة وفي مؤسسات العمل العربي المشترك . ذلك لأن عضوية الجامعة مفتوحة للدول العربية فحسب، أي أن هوية هذه الدول العربية سابقة للانتماء للجامعة وشرط من شروط الانضمام الى الجامعة . استطراداً، فانه لا يجوز للدولة التي لا تعتبر نفسها عربية أن تنتسب الى الجامعة . يزيد من أهمية هذه المسألة أن رفض انتماء العراق العربي لم يكن ضمنياً بحيث يمكن تجاهله، بل كان موقفا علنياً اتخذته قيادات عراقية وكردية مسؤولة وجاء في سياق سجال ساخن وعلني بين الأطراف العراقية المعنية . لقد جرى التغاضي عن هذه التعقيدات في تحديد الموقف تجاه هوية العراق لأن العديدين من أصحاب القرار العرب لا يأبهون، أصلاً، باوضاع مؤسسات العمل العربي المشترك، ولا تهمهم كثيراً مسألة تعميق التفاهم والتعاون بين الدول العربية وإرسائه على أسس فكرية وسياسية واضحة ومتينة . ولكن القيادات العربية ستجد نفسها امام هذه المشكلة مجدداً عندما ينعقد مؤتمر القمة العربية في بغداد، وعندما تنتقل رئاسة القمة العربية من العقيد الليبي معمر القذافي الى الرئيس العراقي جلال الطالباني . عندها سوف تنتقل رئاسة القمة من رئيس رفض الهوية العربية وأعلن أنه إفريقي وليس عربياً، إلى زعيم يرفض الهوية العربية معتبراً أنها تتناقض مع انتمائه الكردي . ربما كان من السهل السكوت عن هذا الموقف عندما تبحث قضايا المصير العربي على مستوى مندوبي الدول في مجلس الجامعة العربية أو حتى على مستوى الوزراء العرب، أما عندما تبحث هذه القضايا على مستوى القادة العرب وفي وقت تمر فيه المنطقة العربية في مراحل صعبة وخطرة، فإن الأمر سوف يصبح أكثر جدية . عندها سوف يواجه القادة العرب مشكلات ذات جذور وأصول فكرية عميقة، وذات مضاعفات سياسية بعيدة المدى، ونتائج على صعيد خرائط الدول ومستقبل المنطقة . وعندها تزداد الحاجة الى مراجعة المواقف السائدة في المنطقة تجاه العلاقات القائمة بين دولها ومكوناتها المجتمعية وجماعاتها البشرية . هذه المهمة لا تعني الرؤساء والزعماء وحدهم وإنما أيضاً أهل الفكر والرأي والحركات السياسية التي تعبّر عن سائر الحركات والجماعات البشرية التي تقطن الوطن العربي وتتطلع الى تحويله الى بيت رحب يتسع للجميع فيعيشون فيه وهم يتمتعون بميزة المساواة والحرية . * نقلا عن "الخليج" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل