المحتوى الرئيسى

مَنْ يطفئ النار؟

04/22 08:08

لقد اكتسبنا احترام العالم عندما اندلعت مظاهرات الأحرار تطالب بالعدالة الاجتماعية، والقضاء على الفساد المنتشر فى مصر منذ ثلاثين عاماً.. خرجت المظاهرات وتحولت إلى ثورة شعبية ملحمية رائعة.. أعادت للمصريين ثقلهم الإقليمى والدولى.. وبدأ المصريون يلاقون الإعجاب والاحترام المفقود من شعوب عربية وأوروبية.. وعادت لمصر والمصريين مكانتهم، التى فقدوها على يد النظام السابق.. وتوالت المظاهرات التى ضغطت على صناع القرار فى مصر بدءاً من مطالبتهم بإقالة حكومة شفيق وانتهاءً بمحاكمة الفاسدين الكبار.. وعلى رأسهم مبارك وأعوانه وأبناؤه. كان لخروج المظاهرات قيمة إيجابية كبيرة ومؤثرة، لأنها تخرج على أساس تحقيق أهداف سامية، وإعلاء قيم نبيلة، والتأكيد على تنفيذ مطالب الثورة.. وللأسف توالى أيضاً اندلاع تظاهرات من نوع آخر.. غلب عليها عنصر تصفية الحسابات والخلافات الشخصية.. فأصبح كل موظف، أو شخص غاضب من رئيسه، أو من أى قرار إدارى يقف ليتظاهر ضده.. فى الشارع أو أمام مكان عمله.. متناسياً أن هذه المظاهرة تعطل حركة المرور بل تشله.. ألم يفكر بأن هناك مرضى يريدون الوصول إلى المستشفيات للعلاج.. ألم يفكر فى أن مصالح الجميع تتعطل نتيجة هذا التظاهر والازدحام.. إن هذه التظاهرات ليست فى محلها، بل إنها تفسد قيمة التظاهر الحقيقى، الذى أدى إلى إسقاط النظام بأكمله.. ففى محافظة قنا خرج بعض الأهالى معربين عن رفضهم تعيين محافظ قبطى ينتسب لهيئة الشرطة.. أدت هذه الاعتراضات إلى شل حركة السكك الحديدية، وتم قطع الطرق.. وتوقفت حركة نقل المازوت إلى المصانع العاملة هناك.. بل توقفت الحياة بالكامل لانقطاع المواصلات.. وجدت نفسى أتساءل: لماذا كل هذه التظاهرات؟ وهل هى فى محلها أم لا؟ وكيف تأكد شعب قنا أن المحافظ الجديد فاشل؟ وأن تاريخه أسود كما يقولون (رغم أنه لم يتسلم بعد)؟.. وهل هناك جماعات مارست ضغوطاً لرفض تعيين المحافظ لمجرد أنه قبطى؟.. وإذا صح ذلك.. أفلا يخلق هذا شعوراً بالقلق لدى الإخوة الأقباط فى مصر من تخوفهم من سيطرة قوى دينية على مقاليد السلطة واتخاذ القرار فى مصر؟ كل هذه التساؤلات دارت فى ذهنى، ولم أجد إجابة شافية لها.. وإذا افترضنا أن الحكومة رضخت لتلك التظاهرات، وأقالت محافظ قنا الذى لا أعرفه من قبل.. فهل معنى ذلك أن الحكومة قد فقدت هيبتها.. وعرف الجميع الأسلوب الأمثل للضغط على الحكومة للإطاحة بأى مسؤول لا يرضون عنه، أو حتى يختلفون معه، أو حتى (مش عاجبهم شكله).. هنا أصبحنا فى مفترق طرق: إما أن هناك دولة وحكومة، وإما أن تكون سياسة الصوت العالى هى الكفيلة بعزل أى مسؤول من منصبه مهما علا شأنه أو صغر.. فكيف إذاً تستقيم الأمور؟! وكيف نستطيع أن نحقق استقراراً فى الأوضاع الاقتصادية السيئة؟! ونبدأ مرحلة البناء والإنتاج.. أشعر بأن هناك تصوراً خاطئاً لدى البعض لمفهوم الديمقراطية.. وحرية الرأى.. وأخشى ما أخشاه أن يعتقد البعض أن ما يقومون به من تظاهرات وإضرابات يحقق مفهوم الديمقراطية.. بل أكثر من ذلك فإن المتظاهر أصبح لا يكتفى بإعلان رأيه، ولكنه يتمسك بأن تنفذ رغبته.. وإلا فلن يفض التظاهرة.. وهنا تتحول الديمقراطية التى نصبو إليها إلى ديكتاتورية فرد أو أفراد.. لا يرون غير رأيهم، ولا يستمعون لأى أصوات أخرى تحاورهم، أو تختلف معهم.. وهنا مكمن الخطر.. وبداية الانهيار الحقيقى. فثورة 25 يناير قامت لإعلاء الديمقراطية والقضاء على ديكتاتورية النظام الفرعونى السابق.. فإذا ما تبدل الحال، وأصبح الشعب حراً، فلا يجب على أحد أن يستأثر بالرأى، ويرفض الآخر، وإلا نكون قد وقعنا فى نفس الفخ الذى وقع فيه النظام السابق.. فقد كان الشعب يقول ويصرخ، وكان نظام مبارك (ودن من طين وودن من عجين). إنى واثق أن الجميع محبون لمصر، ويجب أن نسمو فوق الصغائر، وأن نتجاوز الخلافات الشخصية، وأن نعيد للمظاهرات قيمتها الحقيقية فى أنها أداة للتغيير والتعبير عن مطالب شعب.. وليست مجرد وسيلة لتحقيق أهداف شخصية.. يجب أن نعطى حكومة د. عصام شرف فرصتها كاملة للعمل.. فلقد أدت هذه الحكومة كماً كبيراً من الإنجازات فى فترة بسيطة، بل أراها حكومة شعبية تتلامس مع المواطن البسيط، وتشعر بآلامه.. فلنعطهم فرصة للعمل.. فلنجعلهم يختاروا المحافظين والمسؤولين المناسبين، ونعط لأنفسنا فرصة للحكم عليهم، وتقييم أدائهم بعد فترة، وحتى تكون أحكامنا صحيحة.. وأن نتجنب إثارة الفتن وألا نعطى أذننا لكل واش لا يريد الخير لهذا البلد.. ولننبذ العنصرية والطائفية، فلا نقيم وزيراً، أو محافظاً، أو أى مسؤول بناء على ديانته، لكن على أدائه وطهارة يده. إن مصر فى حاجة ماسة لأن نحبها بقلوبنا وعقولنا، وألا تكون كلمة الحب مجرد حبر على ورق، بل علينا أن نبدأ بالعمل الفورى والإنتاج. إن الأوضاع الاقتصادية تسوء كل يوم والاحتياطى النقدى يتضاءل.. وأصبح العبء على كاهل الحكومة عظيماً.. وتوقفت عجلة الإنتاج والكثير من المصانع قد أغلق.. بخلاف ارتفاع نسبة البطالة، إضافة إلى العمالة العائدة من السعودية بعد تفعيل قانون (السعودة)، والعمالة العائدة من البحرين وليبيا واليمن، بخلاف ارتفاع أسعار السلع الرئيسية.. ألا يدعونا كل ذلك للإسراع فى البناء ودفع عجلة التنمية، إنى أدعو المجتمع المصرى بجميع فئاته وطوائفه أن ينحاز لمصر ويتجاوز مشاكله الشخصية والفئوية، وأن نسارع لبناء مصر الحديثة.. فليقم الجميع بدوره (السياسى، والمثقف، ورجل الأعمال، والفنان، والإعلامى، والعامل، والفلاح).. ولنؤكد للعالم أن ثورتنا قد نجحت وأتت بثمارها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل