المحتوى الرئيسى

الثروة الوطنية في السويد والثروة الوطنية في الدول العربية

04/22 08:12

ليون برخو الثروة المرئية، وهذا مصطلح أستخدمه لأول مرة، سهلة المنال. ولأنها سهلة المنال تقع فريسة سهلة للفساد والرشوة. وسهولة الحصول عليها غالبا ما تجعلها عرضة للنهب والسلب. ولأنها في المتناول يعمل أصحاب السلطة والجاه على احتكارها أولا وإخفائها قدر الإمكان ثانيا. وليعذرني قارئي اللبيب على استخدام مصطلحات نادرا ما تقع عيناه عليها في نصوص أخرى تتناول الشؤون الاقتصادية رغم أن صياغة أو ابتكار المصطلحات دون مبرر أمر غير محبب. الثروة المرئية مثل النفط والغاز والمعادن الثمينة وغيرها يتكالب عليها الكل. ولكن ليس هناك ثروة مرئية وظاهرة للعيان مثل النفط والغاز، أثمن ما يملكه العرب اليوم. إن أردت السيطرة على ثروة مرئية بهذا الحجم الهائل – مئات ومئات المليارات من البراميل، بمعنى آخر أنهار تجري تحت الأرض – ما عليك إلا تحويلها إلى ثروة مخفية. أغلب الثروة في الدول العربية ثروة مرئية جرى تحويلها إلى ثروة مخفية, مخفية عن أنظار المواطن ومرئية لأصحاب السلطة. ولهذا من السهولة بمكان استخدام هذه الثروة في مناح لا علاقة لها بالمصلحة العامة. ولأنها صارت مخفية بالنسبة للمواطن العادي ومرئية فقط لأصحاب السلطة أصبحت ظاهرة امتلاك أصحاب السلطة ثروات هائلة مسألة عادية في البلدان العربية. مساوئ هذه العلاقة بين أوجه الثروة المختلفة تقع كالصاعقة على المواطن وصاحب السلطة عندما تشتد الأزمات. وما حدث ويحدث للمسؤولين في بعض البلدان العربية خير دليل على ذلك. تحويل الثروة المرئية إلى ثروة مخفية له عواقب وخيمة ليس على المواطن العادي والوطن فقط بل على صاحب السلطة نفسه. كلما زاد صاحب السلطة في تكديس ثروته وإخفائها، زاد تشبثه بالسلطة وحب الثروة. التنازل عن السلطة قد يكون أمرا سهلا إن لم يرتبط بالمفاهيم الاقتصادية التي ذكرناها. تحويل الثروة المرئية إلى مخفية جرم لا يستطيع أي شعب السكوت عنه مهما طال الزمن. وتحويل الثروة المرئية إلى ثروة مخفية يؤدي في المحصلة النهائية إلى ظهور كيانات اقتصادية واجتماعية وثقافية هجينة وشروخ في التكوين التاريخي واللغوي والإنساني للبلد. فترى مثلا بلدا يبلغ تعداده نحو 200000 نسمة من المواطنين يخدمه نحو مليونين من الأجانب لا يشتركون مع هؤلاء المواطنين في أي قواسم من حيث الثقافة واللغة والتراث والتاريخ والدين. البلد يبنى وكأن تعداده مليونا نسمة. لا أريد الإطالة في هذا الجانب وقد أعود إليه في المستقبل لكن السويد لا تتعامل مع ثروتها بهذا الشكل على الإطلاق. الثروة كلها مرئية لحد الفلس، مرئية بالنسبة للمواطن العادي وأصحاب السلطة. السلطة ليس بإمكانها نقل أي جزء من الثروة الوطنية المرئية إلى خانة الثروة المخفية. ولهذا عندما يتنازل صاحب السلطة عن منصبه يخرج هو وحقيبته لا يخشى الملاحقة والفضيحة لأنه متأكد من نظافة يديه. والسويد لا تتعامل بالمفهوم الشرقي للثقة والأمانة. مفهوم الثروة المرئية يطبق قولا وفعلا وتضع الدولة كل وسائلها في خدمته. فرئاسة الوزراء تضع ميزانيتها على صفحات الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) وأي مواطن عادي بإمكانه مراقبة حركة الثروة المخصصة لها. ولأن الثروة يجب أن تكون مرئية دائما، تعتمد السويد شفافية لا نظير لها في العالم ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالصحافة والإعلام. الإعلام هنا سلطة حقيقية. دوره الرقابي قد يفوق ما تقوم به السلطات الأخرى لدرجة أن وزير المالية الحالي، أندش بوري، الذي جعل السويد في أربع سنوات تتربع على عرش أقوى اقتصاد في أوروبا كاد يخسر منصبه عندما اكتشف صحفي أنه لم يدفع قائمة ضريبية بمبلغ 450 كرونا سويديا، نحو 70 دولارا مدة سنتين متتاليتين. ولأن الثروة ظاهرة ومرئية يؤمن المواطن إيمانا عميقا بأن أصحاب السلطة ينفقونها في المصلحة العامة ومتطلباته الأساسية ولا سيما المظلة الاجتماعية. ولهذا ترى السويديين يعتنون ليس فقط بالمال العام بل بكل شيء جرى بناؤه من تخصيصات الثروة الوطنية. السويدي بصورة عامة يتعامل مع المدرسة والمستشفى والشرطة والجيش والجامعة والطرق والجسور والمجاري وشبكات المياه والمعامل والبنوك والقطارات وغيرها من الممتلكات العامة وكأنها ملكه الشخصي. * نقلا عن "الاقتصادية" السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل