المحتوى الرئيسى

> «روزاليوسف» ضد حكومة الطغيان

04/21 21:04

..ومصطفي أمين يعترف: صدقي باشا يتكلم لغة لا يفهمها الشعب! أطلق خصوم «إسماعيل صدقي باشا» عليه لقب «عدو الشعب» أما أنصاره علي قلة عددهم فقد أطلقوا عليه لقب «رب الكفاءات»!! إن «صدقي باشا» حالة نادرة واستثنائية في تاريخ مصر، فهو الرجل الذي شارك في «ثورة الشعب» عام 1919، وتم نفيه مع «سعد زغلول» هو نفسه الذي أصبح كارهاً للشعب وخصماً لدوداً له. وكان «صدقي باشا» هو صاحب القول المأثور عن الشعب بأنه «شعب تجمعه طبلة وتفرقه عصا». لقد روي الكاتب الصحفي الكبير «محمد زكي عبد القادر» في مذكراته «أقدام علي الطريق قصة بالغة الدلالة والأهمية فيقول: «روي لي دسوقي أباظة باشا إنه دخل عليه وهو رئيس للوزراء ووزير الداخلية، وجنوده وضباطه يشتبكون في بولاق مع عمال العنابر والورش الأميرية سالت فيها الدماء وقتل العشرات من العمال والجنود، فإذا به ـ أي صدقي - هادئ الأعصاب يقرأ في شعر «لامارتين» ويتحدث إليه عنه «لم يسأله عن معركة العنابر، ولم يرد له شيئاً من أخبارها، وكان يتلقاها في هذا الوقت أولاً فأول!! لقد وصف الأستاذ الكبير «مصطفي أمين» في كتابه «من عشرة لعشرين» شخصيته بقوله: «لم يستطع إسماعيل صدقي أن يكسب الشعب رغم ذكائه ودهائه كان حاكماً عبقرياً وزعيماً ساذجاً، أستاذاً في إرضاء الأغنياء وإغضاب الفقراء، يستطيع أن يكسب الدول ويعجز عن كسب الأفراد، يملأ السجون بالمواطنين وهو يهتف بحياة الحرية، ويعطل البرلمان باسم الديمقراطية، ويبطش وهو يتحدث عن الرحمة، ويحكم علي خصومه بالإعدام ويبلغهم تحياته، كان بينه وبين الشعب ثأر قديم، فهو لا ينسي إنه نفي إلي مالطة مع «سعد زغلول» وعندما اختلف معه في باريس نبذه الشعب». ويكمل «مصطفي أمين» بأسلوبه الساحر وكلماته الرشيقة رسم صورة «صدقي باشا» الذي عرفه عن قرب شديد فيقول: ولو كان إسماعيل صدقي ذكياً من الوجهة الشعبية لهاجم النحاس وحده واحتضن الشعب، ولكنه هاجم النحاس، والنواب، والشيوخ والدستور والحكم النيابي وهاجم الشعب كله واتهمه بالجهل والحماقة وبأنه كله من الرعاع». وكان صدقي يتكلم لغة لا يفهمها الشعب، صدقي يلف ويدور، والشعب يعشق الصراحة والصدق، صدقي يعتقد أنه أذكي من الشعب فيستطيع أن يخدعه ويضلله كما يشاء، والشعب لا يثق في «صدقي» ولا يصدقه حتي إذا قال له الحقيقة!! صدقي يستطيع أن يقنع الشعب الإنجليزي أو الشعب الفرنسي في خمس دقائق، ولكنه عجز أن يقنع الشعب المصري في ثلاث سنوات. صدقي يعتقد أن الطعام أهم من الحرية، والأمن أهم من الديمقراطية والاستقرار أهم من العدالة، والشعب يؤمن أن الحرية أهم من الطعام، صدقي يعامل الشعب كطفل قليل الأدب، والشعب ينظر إلي صدقي كمدرس لا قلب له، صدقي يؤمن بالعنف والشعب المصري يؤمن بالحب، ولهذا لم يلتق صدقي مع الشعب المصري في أيام توليه الوزارة في عهد «ثروت» ولا في عهد «زيور» ولا في وزارته الأولي، إنه لم يشأ أن يتعلم لغة الشعب، والشعب هو الآخر رفض أن يتعلم لغته». إن المعني الذي يؤكده مصطفي أمين، يقترب منه كثيراً ما كتبه فيما بعد المستشرق الفرنسي «جاك بيرك» في كتابه «مصر الإمبريالية والثورة». يقول «جاك بيرك» كان صدقي في الخمسين من عمره رشيق القوام جذاباً للنساء، وكان بحيويته المتميزة في حركاته، وبتألق عينيه الهادئتين، وبعده عن الرسميات في سلوكه يختلف اختلافاً بيناً عن زملائه المصريين الذين تغلب عليهم البدانة، والبعد عن خفة الحركة، ولقد وصفه أحد الزوار الفرنسيين بأنه عربي أساساً «عربي بارد الطبع» ولاحظ مراقبون آخرون بشيء من القلق، تلك الابتسامة الساخرة التي ترتسم دائماً علي وجهه، وما تتسم به طبيعته من سوء ظن بحوافز الناس ونواياهم». ويضيف «جاك بيرك» كان - صدقي - قلبه لا يزال جياشاً بالتطلعات التي يحركها الطموح العنيف، كان يريد أن يكون علي رأس الحكومة من جهة، ومن جهة أخري كان يريد من الجماهير أن تعترف بذكائه ومقدرته وأن تصفق إعجاباً لهما». حتي الخواجات هكذا فهموا شخصية «صدقي باشا»!! لقد كان «محمد أحمد فرغلي باشا - أحد كبار رجال المال في مصر قبل ثورة 1952 من الذين عرفوا «صدقي باشا» معرفة وثيقة وعبر سنوات طويلة، وفي مذكراته «عشت حياتي بين هؤلاء» كتب يقول: كان - صدقي - من المؤمنين بسياسة القوة، وبأن الغاية تبرر الوسيلة كانت ثقافته قانونية فرنسية، وتقلد المناصب الوزارية منذ وقت مبكر في حياته، كما شارك في المفاوضات التي أدت إلي إعلان الاستقلال وكان من المصريين القلائل الذين يملكون عقلاً منظماً دقيقاً، وكفاءة إدارية نادرة، يعرف جيداً ماذا يريد، كما كان من الذكاء والطموح بحيث مهد لوصوله لهذا المنصب في الوقت المناسب. كنت من المعجبين أشد الإعجاب بكفاءته، وأتذكر يوماً التقيت به علي باخرة إيطالية وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وكان من بين ما قاله لي رداً علي سؤال وجهته له إنه لو خير بين ناظر عزبة مشكوك في ذمته لكنه كفء وآخر أمين ومعدوم الكفاءة، لفضل الأول علي الثاني» وعندما أبديت دهشتي قال لي بثقة مبرراً اختياره: إن الأول سوف يفيدني بكفاءته ويسرقني وحده، أما الثاني فسوف أفيد من أمانته وحده ويسرقني كل من حوله! وعندما رأي الدهشة علي وجهي قال لي: إنك صغير السن، وسوف تعلمك الأيام صحة ذلك! إن سياسياً بمثل هذه المواصفات هو بالضبط ما كان يحتاج إليه الملك فؤاد وحلمه وأمله في إلغاء دستور سنة 1923. لقد كان «صدقي باشا» هو أجدر وأقدر سياسي في مصر يستطيع أن يحقق هذا الحلم للملك فؤاد غير عابئ أو مهتم بما سوف يقوله التاريخ أو الناس عنه بعد ذلك! وحسب ما يقول الدكتور «سامي أبوالنور» في كتابه «دور القصر في الحياة السياسية في مصر 1922 - 1936». لم يكن دستور 1923 بالصوة التي صدر بها يتفق ونوايا القصر واتجاهاته في الحكم للانفراد بمقاليد السلطة بالبلاد، ورغم ما استحوذ عليه القصر من سلطات بمقتضي الدستور، إلا أن الملك فؤاد في واقع الأمر كان يرفض فكرة الحكم الدستوري من أساسها، ولقد ظل «فؤاد» يتربص الدوائر دوما بالدستور أملا في أن يجهز عليه. لقد كان «فؤاد» رجلا ذكيا يؤمن أن القدر قد اختاره لأداء أمور جليلة وقد يندر أن يحدث شيء في مملكته دون أن يسترعي نظره وانتباهه وكرجل زكي وقادر كان مما يعيبه التفكير في مشاركة المصريين حكم مصر مقتنعا في مصر بما ذهب إليه «ميكافيلي» من «أن تفكير القصر شيء وتفكير السوق شيء آخر»! ولم تكن بوصلة «صدقي باشا» أبدا مع السوق وناسه بل كانت مع القصر ومن يسكن القصر، وهكذا كان يستعد منتظرا أن يكلفه «صاحب القصر» بتولي الحكومة. وفي تلك الأيام كان الغضب والسخط يعمان كل أوساط المصريين عامة وأهل النخبة والفكر خاصة. كما لعبت الصحافة المصرية عامة «وروزاليوسف» خاصة أحد أهم وأخطر الأدوار في التصدي للطغيان وأعداء الدستور والديمقراطية! لم تكن «روزاليوسف» المجلة والسيدة غائبة عن معارك الدستور بكل تداعياتها وخلفياتها وكواليسها المثيرة للحيرة والارتباك أيضا. في البداية صدرت «روزاليوسف» مجلة فنية للفن الرفيع والأدب العالمي، كان ذلك في أكتوبر سنة 1925، لكن سرعان ما اقتحمت «روزاليوسف» ميدان السياسة يشجاعة وجرأة لا حدود لها. لم تكن السيدة فاطمة اليوسف راضية عن أداء المجلة، ولعلها فوجئت تماما باقتراح الكاتب الكبير «محمود عزمي» في أحد اجتماعات المجلة حين اقترح اقتراحا في منتهي الغرابة إذ قال لها: نكتفي بما أصدرناه وأن نعلن توقف المجلة عن الصدور! كان من الطبيعي أن ترفض السيدة فاطمة اليوسف هذا الاقتراح تماما مهما كانت الظروف والصعاب، ولم تكتف بذلك بل ثارت ثورة عنيفة علي الأستاذ «محمود عزمي»، وبدورها اقترحت متساءلة: لماذا لا نجعلها مجلة سياسية؟! وحسب ما جاء في مذكراتها الرائعة والممتعة تعترف قائلة: «نعم فكرت في أن تصبح «روزاليوسف» مجلة سياسية فالمجلات الفنية سوقها محدود، وقد بدأت منذ سنوات أهتم بالسياسة وأسعي إلي حيث يخطب «سعد زغلول» لأسمعه، وأقرأ تطورات الحركة الوطنية وانفعل وأتحمس لكل مظاهرة تنطلق في الشوارع هاتفة بالاستقلال التام وخروج الانجليز. وفي الصباح التالي، كنت في وزارة الداخلية مرة أخري أطلب إضافة السياسة إلي الترخيص الصادر للمجلة، وكانت الفترة التي قررت فيها تحول «روزاليوسف» إلي مجلة سياسية من أيام مصر العصيبة. كانت الحياة البرلمانية في مصر تتعرض لأول نكسة عنيفة تصيبها، فقد انتهز الانجليز فرصة مصرع «السردار» وأخرجوا «سعد زغلول» من الوزارة ووضعوا في مقعد الرئاسة بدلا منه «زيورباشا»، وأعلن «زيور باشا». حل مجلس النواب الأول الذي لم يتم من العمر إلا دورة واحدة.. وجاء بإسماعيل صدقي وزيرًا للداخلية ليجري له انتخابات جديدة ولما اجتمع البرلمان الجديد تبين أن الأغلبية فيه لا تزال وفدية تؤيد «سعد زغلول» فأعلن حل البرلمان الجديد بعد انعقاده بساعات وعاشت مصر بلا دستور ولا برلمان ولا حريات. فلما طلبت السماح لي بتحويل «روزاليوسف» إلي مجلة سياسية، ظنت وزارة الداخلية أن «الوفد» يستتر ورائي أيضًا فرفضت الطلب، وذهبت إلي وكيل وزارة الداخلية «حسن رفعت» فرفض أيضًا، بعد أن عجزت عن إقناعه بأنه لا صلة لي بالوفد علي الإطلاق. ولم أكن مستعدة للتخلي عن حلمي بسهولة، فذهبت لمقابلة «أحمد زيور» باشا رئيس الوزراء، وكان رحمه الله طيبا جدا، من طراز لم تشهد المناصب مثله، كانت الدنيا تثور من حوله وهو لا يهتم، قد تهتف المظاهرات باسمه وتطالب الجماهير بدمه، تنسب إليه الصحف أعنف الاتهامات، لكنه يظل في عالمه الخاص لا يشهد المظاهرات ولا يهتم بالجماهير ولا يقرأ الصحف قط! وكان إذا قيل له إن جريدة تهاجمه يقول: «خليها تأكل عيش!». وذهبت إليه محتجة مطالبة بإعطائي الترخيص الذي أريده ودهش جدا حين علم أن الوزارة تمنع الترخيص بإصدار الصحف السياسية، واستدعي «حسن رفعت» ليقول له كلمته الخالدة: أعطوها الترخيص.. خلوها تأكل عيش! وانصرفت والترخيص في جيبي شاكرة الله علي طيبة قلب رئيس الوزراء! أصبحت «روزاليوسف» إذن مجلة سياسية، دخلت ميدان السياسة وحيدة لا يسندها حزب ولا يمولها حاكم ولا يدبج لها المقالات كاتب سياسي قديم! وتضيف السيدة فاطمة اليوسف قائلة: ولم تأخذ «روزاليوسف» من السياسة جانبها الهادئ أو تقف علي الحياد بل اقتحمت أخطر مناطق السياسة وذهبت في الهجوم والتأييد إلي أبعد الحدود، وكانت الفترة التي اختارتها «روزاليوسف» أو اختارتها لها الأقدار لتدخل هذا الصراع فترة عصيبة في حياة مصر. وكان الملك «فؤاد» بدافع من الإنجليز قد أقال وزارة الوفد وتولي المرحوم «محمد محمود» رئاسة الوزارة، ثم لم يلبث أن أعلن تعطل الدستور والحياة النيابية ثلاث سنوات قابلة للتجديد. واتخذت المجلة خطة الدفاع عن الدستور والهجوم العنيف علي الوزارة وصدر العدد «134» من «روزاليوسف» وفيه حملة علي حق الملك في إقالة الوزارات وفيه صورة كاريكاتيرية تمثل «محمد محمود» يدوس علي الدستور وهو صاعد إلي مقعد الوزارة، وبعد أن تم طبع نسخ المجلة كلها.. دق التليفون ينبئني بأن المطبعة محاصرة وأن البوليس قد جاء ليصادر العدد، وأسرعت إلي المطبعة لأري بعيني مأمور قسم عابدين وضباط البوليس السياسي واثنين من الكونستبلات الإنجليز يطيحون بأعداد المجلة المتراصة في أعمدة طويلة يمنعونها من الخروج. وبدا لي هذا الموقف غريبا وغير معقول، فكيف يمكن أن تصادر الحكومة جهد إحدي المواطنات؟! كيف يمكن أن تمنع الحكومة مجلة من أن تبدي رأيها؟! وتصف السيدة «روزاليوسف» هذه التجربة الأولي من تجارب المصادرة بأنها غريبة مثيرة للأعصاب إلي أقصي حد، وبسبب هذه المصادرة عرفت «روزاليوسف» الزعيم «مصطفي النحاس» لأول مرة، حيث اقترح أحد أصدقائها أن تذهب إليه وتشكو مصادرة المجلة، وهو ما حدث بالفعل وتكمل قائلة: أليس مصطفي النحاس هو زعيم الأمة بلا منازع والرجل الذي يحمل راية المقاومة ضد الإنجليز وأعداء الدستور؟! وأسرعت إلي بيت الأمة بغير سابق موعد ولا استعداد وهناك وكان يجلس «مصطفي النحاس» و«مكرم عبيد» وحولها بقية أعضاء الوفد الكبار، والتف الجميع حولي يتأملونني لأول مرة والدهشة ملء عيونهم، فهذه إذن السيدة التي تصدر مجلة سياسية، والتي تدافع عن الوفد وتهاجم خصومه وتتفوق في ذلك علي غيرها من صحف الوفد دون أن تعرف واحدًا من الوفديين. ولم أنتظر حتي تنتهي دهشتهم فقلت لمصطفي النحاس: يا باشا صادروا المجلة وأنا عاوزة الإفراج عنها! وقال لي النحاس باشا: اقعدي يا بنتي.. إيه اللي حصل؟ ورويت القصة كلها وقدمت له نسخة كنت أحملها من العدد المصادر وقال «مكرم عبيد» في لهجة خطابية: لك الفخار يا سيدتي! وقد سارت هذه الكلمة بعد ذلك مثلا! ولم يأمر النحاس طبعا بالإفراج عن العدد كما كنت أتوهم، لكنه استدعي عددا من المحامين الشبان في ذلك الوقت منهم «محمد صلاح الدين» و«صبري أبوعلم» و«سليمان غنام» وكلفهم برفع دعوي مستعجلة بطلب الإفراج، لكن الدعوي رفضت وعدت فرفعت دعوي مدنية طالبت التعويض وحكمت لي المحكمة علي الحكومة بمائتي جنيه تعويضًا. وتبين بعد ذلك أن القاضي حسب ثمن بيع العدد (عشرين ألف نسخة) بسعر النسخة قرش صاغ فيكون المجموع 200 جنيه ولم يحسب إيرادات الإعلانات أو الضرر الأدبي أو أي شيء آخر. ولم تثن هذه المصادرة «روزاليوسف» عن خطتها، فقد تابعت حملتها العنيفة في الدفاع عن الدستور والهجوم علي الوزارة، ولقيت رواجا كبيرا حتي أصبح الناس يتلهفون علي يوم صدورها، وقابلت الحكومة هذا الإصرار بالعنف البالغ فصادرت المجلة مرات وعطلتها مرة أخري، وكانت الوزارة لا تصادر المجلة إلا بعد أن يتم طبع جميع النسخ حتي تكون خسارتها المالية كبيرة. وكنت أواجه هذا التحدي بإصرار، كلما عطلت الوزارة المجلة أصدرت مجلة أخري باسم جديد أصدرت مجلة «الرقيب» التي كان يملكها المرحوم «جورج طنوس»، وشم الناس بين صفحاتها رائحة روزاليوسف فأقبلوا عليها، وعطلت المجلة بعد أربعة شهور، وبعد الأربعة شهور أصدرنا من «روزاليوسف» عددين ثم صدر قرار بتعطيل المجلة نهائيا، وأصدرت مجلة صدي الحق فصودر عددها الأول ثم جاء دور مجلة «الشرق الأدني» فلم تصدر بسابقاتها، وكانت كل مجلة يكتب علي صدرها تشترك في التحرير السيدة «روزاليوسف» وهكذا اضطررنا إلي الصدور بأربعة أسماء مختلفة في أقل من عام. ولعل من أهم ما تفصح عنه السيدة «روزاليوسف» في مذكراتها هو قولها-وبلغ من نجاح «روزاليوسف» في ذلك الوقت أن جريدة «السياسة» التي كانت تنطق بلسان الأحرار الدستوريين وتناصب »الوفد« العداء، أطلقت علي الوفد اسم «حزب روزاليوسف» ولم يجد »مصطفي النحاس« في هذه التسمية غضاضة، بل وقف مرة يخطب في حشد من أنصاره فقال إنه يفخر بأن يكون الوفد حزب «روزاليوسف» المجلة المجاهدة الشجاعة التي لا تبالي بالاضطهاد!! وأذكر أنني التقيت بعد ذلك بالأستاذ أحمد عبدالغفار من أقطاب حزب الأحرار الدستوريين فقال لي: أنت مش حتتركي الوفد وتنضمي لنا؟! فقلت له: ويبقي اسم الحزب حزب «روزاليوسف»؟! فضحك بصوته العريض وقال: قابلين يا ست نبقي حزب روزاليوسف!! وتضيف: قضي الوفد في المعارضة ما يزيد علي السبع سنوات لم يجلس خلالها علي مقاعد الحكم إلا مرة واحدة في سنة 1930 ولم يطل جلوسه عليها أكثر من ستة شهور تقريبًا، كانت هدنة بين انقلابيين شهيرين: انقلاب »محمد محمود« سنة 1928، ثم انقلاب صدقي سنة 1930. وقضت روزاليوسف هذه المدة ذاتها في صفوف المعارضة التي لا تلين، متحملة كل مشقات الجهاد والإصرار، وكان لهذا الكفاح ثمنه الباهظ الذي دفعته المجلة من المصادرة والقضايا، يكفي أن أذكر أن «روزاليوسف» في السنتين الثالثة والرابعة من عمرها - من أكتوبر عام 1927 إلي أكتوبر سنة 1929 - كان المفروض أن يصدر منها (104 أعداد) باعتبار أن السنة 52 أسبوعًا ولكن روزاليوسف لم يصدر منها في هذه المدة إلا 42 عددًا وصودر 62 أي أن ما صودر منها كان أكبر مما صدر. ولم يكن الأمر أمر مصادرات فقط، بل تحقيقات وقضايا ووقوف في ساحات المحاكم ورحلات يومية إلي مبني النيابة وعاشت وزارة النحاس الثانية ستة شهور فقط من يناير إلي يوليو 1930، وشكل الوزارة الجديدة إسماعيل صدقي ولم يمهل الناس الوزارة الجديدة، فقد أدرك الشعب بحساسيته أن النية مبيتة ضد الدستور، فانفجرت المظاهرات في كل مكان، وخرج الطلبة والعمال يهتفون ضد الحكم الجديد وقابل صدقي هذه المقاومة بالعنف العنيف. ولو كان في مصر ذرة من احترام مشيئة الرأي العام لاستقالت الوزارة قبل أن تبيت ليلتها!! وكان صدقي يقول إنه سيحكم البلاد بالعناصر الرشيدة!! ونهضت روزاليوسف إزاء هذا الموقف بمسئوليتها كاملة، وشنت علي الوزارة منذ مولدها أعنف الحملات، ولما تفاقم السخط وارتفعت أرقام القتل صدر العدد 184 وقد رسمت علي غلافه صورة كبيرة بعنوان «حكم الإرهاب تمثل مصر بلدًا محترقا يشيع فيها الخراب وعليها يدوس «إسماعيل صدقي» وقد حمل في يده مسدسًا يتصاعد من فوهته الدخان. وكتب تحتها: إسماعيل صدقي يحكم البلاد بالعناصر الرشيدة: الحديد والنار». وقامت الدنيا ولم تقعد، وقامت قيامة »صدقي باشا« وصادر العدد، بل قرر إلغاء رخصة المجلة، إلي أجل غير مسمي!! وبدأت معركة جديدة ضد صدقي باشا .. فإلي الحلقة القادمة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل