المحتوى الرئيسى

مُؤَسّساتْ الدَولة والمجلس الأعلى للشباب-بقلم:فراس ياغي

04/21 18:51

بقلم:فراس ياغي لا شيء يَدفع المرءُ للعودة للماضي سوى للحديث عن تجربة يُستفاد منها او قضية تمت دراستها ويُريد توثيق كتابة ما، أو حينما يرى ان ما يجري حوله ما هو إلا إمتداد لما توقعه الكثير من المُحَلّلين المتنورين سابقا..أذكر أنني في العام 1996 جلست مع أحد الصحفيين الاسرائيليين، والذي كان يعمل محررا في جريدة، لصفحة تتعلق بالسيارات، موديلاتها، ميزاتها، والشركات التي تستوردها، وهي كما يبدو نوع من "البزنس" بين الصحافة والشركات، يومها سأل مُستغربا: لماذا لا تحصل على وكالة تجارية من أي شركة إسرائيلية ولأي بضاعة؟ فهذا سيجعلك من أصحاب المال وبالتالي النفوذ..أجبته بطريقه عفوية مقصودة: لا أفهم في هذا المجال، وهذا ليس تخصصي، ولا أملك رأسمال لذلك النوع من "البزنس"، ضحك الصحفي وقال: وهل يملك غيرك هذه المؤهلات؟ المسألة ليست بحاجة لكل ذلك، بل علاقات عامة وتبادل مصالح، والعديد من أصحاب رأسمال في الجانب الاسرائيلي يريد إستثمار أمواله والدخول للسوق العربية عبر قناة غير مباشرة..هذه المرة، ضحكت أنا، وقلت له: وهل من إقتراحات محددة لديك؟ فقال: لا، ولكنها فكرة عليك البحث فيها جيدا، لحظتها قررت شرح رؤيتي له وقلت: لست ضد أي علاقات إقتصادية بين مختلف الاطراف، لكن على أساس تلبية طموحات الجانبين، لا أن يُسيطر الرأسمال الاسرائيلي القوي والمؤَهل، ويُصبح الجانب الآخر ليس سوى عاملٌ لديه، وبمفهوم "الزبائنية" الاقتصادية، لا المنتجه..ما تقوله هو عباره عن محاولة إفساد شامل وكامل لعملية السلام بين الطرفين "سابقا"، خاصة وأنه بدون إستقلال حقيقي لا يمكن الحديث عن نوع ما من العلاقات المتوازنه، إضافة إلى أن ما تعنيه هو الفساد بحد ذاته، فأنتم من تتحكمون بالمعابر والميناء والجو والبر..إلخ، وبالتالي لن يُسمح لأي أحد بالعمل إلا لمن تريدون ولمن ترغبون، فلا حرية حقيقة للافراد قبل البضائع..حُرية الحركة والتحرك وتحديد نوعية المنتج وطبيعته والسيطرة على ضَريبته وعائدات جُمركه بشكل كامل وبدون تدخلات من طرفكم قد يعزز العلاقات ويوجد نوع من التوازن فيها، وبغير ذلك لن نكون سوى مُلحق لكم هنا، نَعمل في مصانعكم ونَستورد من شركاتكم ونَستهلك بضاعتكم، ورأسمالنا لن يعمل لدينا بل خارج حدودنا، لانه يَخاف من الغول السياسي والاقتصادي من جهة، ومن الجهة الاخرى لا رقابه عليه تَمنعه او تحدّ من سيطرته على السوق بطرق شرعية وغير شرعية..صديقي الصحفي لم يعجبه كلامي، بل نظر إلي وكأني أعيش في عالم الاحلام وليس الواقع، وقال: هذا لن يحدث أبدا؟ ويبدو انك ستفوت عليك الفُرص التي ستقل وتصبح نادرة لاحقا!!! بعد عقد ونصف على هذه المحادثه التي تذكرتها وأنا أقرأ عن جاهزية بنيتنا التحتية والاقتصادية كمؤسسات ومشاريع للدولة الموعودة في عقول منتظري "سيبتمبر"..لا أريد التشكيك في المشاريع التطويرية التي تمت أو تتم منذ أربع سنوات، ولكن ووفق معلوماتي البسيطه فأكثر من 60% من أراضي الضفة هي تحت السيطرة الاسرائيلية بإعتبارها منطقة "سي" وفقا لتعريفات "أوسلو" المشؤوم..تصوروا مثلا بلدة "يطا" التي يتجاوز عددها محافظتي "طوباس" و"أريحا" مجتمعتينِ، تعيش على بركة من المجاري، لا تخطيط ولا شوارع رغم أنه تم البدء ببعض المشاريع هناك أخيرا..عشرات الآلاف الذين يعيشون بين بلدة "دورا" ومدينة "الخليل" يعانون من مشكلة مياه دائمة ومن عدم وجود بنيةً تحتية للمجاري، والحجة عدم معرفة لمن تتبع بقعتهم الجغرافية، ل "دورا" ام "للخليل"، وكأننا نتحدث عن دولتين وليس مدينتين يمكن لمجلسي البلدية أن يتعاونوا مع بعضهم البعض لانجاز وحل المشكلة..أما في التواصل بين المحافظات فحدث ولا حرج، هناك مستوطنات وهناك حواجز وهناك "القدس" التي تشكل قَلبْ الضفة وقِبلة فلسطين والمسلمين الاولى، فأي مؤسسات دولة مقصودة؟!! "مجلس الشباب الاعلى" الذي أقرّه الرئيس قبل يومين، والذي لم أجد فيه سوى أن رئيسه وأعضاءه أصبحوا شباب، مع إحترامي للجميع فيه من السيد "منيب المصري" الرئيس إلى السيدة "نجاة الاسطل" العضو، لكن كيف يمكن أن يقبلوا بمناصب مخصصة للشباب ليس كعمر زمني فقط وإنما كعقلية أيضا..الشباب يُشكلون أكثر من نصف المجتمع الفلسطيني وهم يَقودون مختلف مؤسسات المجتمع المدني وقادرون على النهوض بواقعهم، فتجاربهم أصبحت أغنى من كل تجارب الشيوخ الشباب..يبدو ان عقلية البزنس لا تزال تسود عقولنا، ويبدو اننا لا زلنا نَجْترّ عقلية الحزب اللا "وطني" المحلول في "مصر"، وعقلية حزب "البعث" الشمولية، وعقلية التزاوج في كل شيء، المال والسياسة والشباب والمرأة والرياضه..الخ، عقلية "الطرابلسية" وحزب "الدستور" التونسي فقد عاش بعضنا هناك، عقلية "المشايخ" الذين يوزعون المناصب بينهما، فهذه الشيخة للمرأة وذاك الشيخ للرياضه وهذا لاتحاد كرة القدم والاصغر للمجلس الاولمبي، فقد جئنا كقيادة ثورة من هناك، إنها بالضبط عقلية الاحزاب "الشيوعية" التي كان يقود شبيبتها شيوخها وفشلت وإنهارت.. أما في البنية التحتية للصحة والتعليم كأعمدة لمفهوم التأسيس والجاهزية، ومنارات الدول المتقدمة فحدث ولا حرج، فهي تحتاج لدراسات وأبحاث مستفيضه لا يسعنا المجال لذكرها، سوى أنها تمشي بخطى ثابته للخلف التنموي ولا تُشكل مؤسسات حقيقية لدولة منشودة، لا كمستشفيات ولا كمدارس ولا حتى كجامعات يتم التعامل معها في كثيرٍ من الاحيان بطريقة أمن دولة "مبارك" الفاسده المنتهية. لم نستفد مطلقا مما يحدث من تغيير شامل في ربوع الوطن العربي..بل إنّ البَعضَ لا يزال يعيش في عهد ما قَبل )ق.م( "مصر"، عهد شركة "مبارك" وأولاده وعصابة لصوص الاموال المتحالفه مع القيادات الامنية، والبعض الآخر يعتقد بأن التغيرات الماثلة أمامنا ستعيد النظام السابق بطريقة تَجديده، بل تجرأ من كان يُحْسَبْ سابقاً على قيادة "فتح" ورَدّدَ ما قاله "المجلس الاعلى للقوات المسلحة المصرية" ب "أن مصر لن يحكمها خميني آخر"، وهي بالتأكيد لن تكون كذلك، فهي ستكون ديمقراطية ودولة مدنية عصرية تُراقب وتُساءل وبشفافية كبيره، يبدو أن هذا القيادي عبر عن ما يعتريه من أحلام لما بعد )ب.م( "مصر"، تغيير شكلي بموديل يشبه أل "مبارك"، الرد جاء سريعا من "مصر" المتحولة عميقا والمتغيره نحو الدولة، إعتقال أبناء "مبارك" وحجز رموزه في السجون والتحقيق معه، أليس هذا إثبات بأن التغيير في الجوهر قبل الشكل، ولا عودة لما قبل "مصر" وللمتحالفين إقتصاديا مع رموز الفساد فيها. مؤسسات الدولة ليست بنية هيكلية فقط مع أهميتها..إنها جزء من خطة إستقلال تمكنها من بسط سيطرتها على مجمل الارض والحدود والاجواء وغيرها، إنها وحدة من وحدات الاستقلال وليست الاستقلال بحد ذاته، فالاستقلال يعني السيادة على الارض والشعب، وهذه المؤسسات هي التي تُجسد هذه السيادة وتَخدم الشعب..فأين نحن من ذلك؟ أين الميناء وأين المطار كوحدات تؤهل للدولة وتؤسس لإقتصاد وطني حر ومنتج؟..لا أعتقد أن إتفاقية "باريس" الاقتصادية التي لا زالت سارية المفعول قد أسست أو تؤسس لإقتصاد فلسطيني بقدر ما مَكّنتْ الجانب الآخر من السيطرة بشكل "إتفاقي" على الاقتصاد الفلسطيني وألحقته بطريقة "الزبائني" للرأسمال الاسرائيلي. إن من يريد بناء الدولة عليه أولا أن يُعيد النظر في إتفاق "باريس" الاقتصادي بشكل جذري، وعليه أن يُعيد "غزة" لحضن الوطن أو يَعود هو لها، فهو السبب في تركها بطريقة أو بأخرى، فهناك سيكون الميناء والمطار كبنية تحتية مؤهلة لذلك، عليه أن يُعيد صياغة مؤسساته بطريقه عصرية لا قبلية حزبية إرضائية، فيُعطي للشباب ما للشباب، وللمرأة ما للمرأة، وللمجتمع المدني ما للمجتمع المدني، ويَفصل الاقتصاد عن السياسة والامن، ويمنع عن الأبناء والاحفاد والاقارب والاصدقاء إستغلال نفوذ الآباء..المساءلة والرقابه والشفافية هي العنوان لبناء الدولة العصرية، ودولة الفساد إنتهت في "مصر" و"تونس"، ولا تزال تقاتل بالحديد والنار في "ليبيا"، وتبحث عن ضمانات للهروب في "اليمن"، وتتهم الآخر بالقتل الذي تقوم به أجهزتهم كما في "سوريا"، وتستبق الحراك كما في "الجزائر" و"المغرب"، وتُقمع بالقوة بإسم الطائفية كما في "البحرين"..ورغم كلِّ ذلك، عنوان التحرك والحراك، التغيير والعصرنه والمواطنة كمفهوم للدولة، دولة المواطنين لا دولة الفاسدين والامنيين..وكما قال "بديع الزمان الهمذاني" في وصف الحالة السيئة التي وصل لها المجتمع العربي في القرن الرابع الهجري:"إعْملْ لرزِقك كل آلةْ..لا تقعُدَنّ بكلِّ حالةْ، وإنهض بكلِ عظيمة..فالمرءُ يَعْجزُ لا مَحالَةْ"؟ Firas94@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل