المحتوى الرئيسى

لا سياسة بدون دين (خطبة جمعة)

04/21 18:44

إعداد: عكاشة عباد الحمد لله رب العالمين القائل: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ )(1).   وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، القائل (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50))(2).   وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله- صلى الله عليه وسلم- الذي جاهد في سبيل ربه، وأقام دولة الإسلام، ولم يرض أن يتجزأ الدين من أول لحظة دعا إليه، بل بالرغم من شدَّة الضعف التي كانت فيها الدعوة رفض- صلى الله عليه وسلم- تجزئة الدين، فعن جابر- رضي الله عنه- قال: إن النبي كان يَعْرِض نفسه على الناس في الموقف، ويقول: "ألا رَجُلٌ يحملني إلى قومه لأبلِّغَ كلام ربي؟ فإن قريشًا منعوني أن أبلّغ كلام ربي"(3).   دعوة صريحة من النبي- صلى الله عليه وسلم-، وطلبٌ صريح للناس من غير مكة أن يحملوه إلى قبائلهم، وأن يؤوه، وأن يساعدوه في تبليغ هذا الحق؛ لأن قريشًا قد منعت وصدَّت وعتت واستكبرت على الله عزَّ وجلَّ، فالتقى مع وفد بني شيبان.   قال مفروق بن عمرو: فإلى ما تدعو يا أخا قريش! قال: "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على أمر الله، فكذَّبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد".. فقال مفروق بن عمرو: إلى ما تدعونا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ" الآية.. قال مفروق: وإلى ما تدعو يا أخا قريش؟.. فتلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ" الآية.. فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وكأنه أحبَّ أن يُشْرِكَ في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا!. فقال: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش! وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا زلة في الرأي، وقلة فكر في العواقب، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدًا، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر، وكأنه أحبَّ أن يشرك في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا!. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش! والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك، وإنما نزلنا بين ضرتين. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "ما هاتان الضرتان؟". قال: أنهار كسرى ومياه العرب، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق ، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه الله من جميع جوانبه"(4).   أما بعد.. فقد قال أتاتورك وكثيرون بعده: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين(5).   وقال غيره: نحن نرفض أن يدخل الدين في السياسة؛ لأن السياسة فاسدة، ونحن لا نريد للدين أن يتلوث بفساده.   بل هناك من ينادي بفصل الدين عن الحياة كلها، ولا ينبغي له أن يكون له دور إلا في ضمير الفرد، فإن سمح له بشيء أكثر ففي داخل المعبد (الكنيسة أو المسجد).   ما معنى السياسة؟ لماذا قيل ذلك؟ وما معناها؟ وماذا نتج من تلك المقولة في الدول العربية؟ وهل للإسلام علاقة بالسياسة؟ وما الدليل على تلك العلاقة؟   أولاً: معنى السياسة: السياسة هي فن إدارة المجتمعات الإنسانية(6).   ثانيًا: لماذا قيل ذلك؟ لا شك أن السبب الرئيسي لقيام الثورة الفرنسية كان تسلط الكنيسة وتدخلها في حياة الناس، بل ومحاربتها للعلوم التجريبية وربطها بالشعوذة، ولا أدل على ذلك من إعدام العالم الفلكي الكبير في ذلك الوقت جاليليو جاليلي مِن قِبَل الكنيسة التي وصفته بالسحر والهرطقة؛ لمعارضته بعض معتقداتها مثل كروية الأرض وغيرها، فعندما سيطرت الكنسية في أوربا على الحياة وحكمتها باسم الرب، وظلمت وتجبَّرت وحاربت العلم والحرية وأفسدت في الأرض حتى قامت الثورة الفرنسية لتزيل حكم الكنسية، وتعلن التحرر من سلطان الدين، فأول ما رتبه العلمانيون في أوربا: أنهم فصلوا السياسة عن الدِّين، والدِّين عن السياسة فصلاً تامًّا، وأشاعوا المقولة الشهيرة: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدِّين!.   ثالثًا: ما معنى (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدِّين)؟   أن السياسة لا دين لها، فلا تلتزم بالقِيَم والقواعد الدِّينية، وإنما هي (براجماتية) تتبع المنفعة حيث كانت، والمنفعة المادية، والمنفعة الحزبية أو القومية، والمنفعة الآنية، وترى أن المصلحة المادية العاجلة فوق الدِّين ومبادئه، وأن (الله) وأمره ونهيه وحسابه لا مكان له في دنيا السياسة.   وهي في الحقيقة تتبع نظرية ميكيافلي(7)، التي تفصل السياسة عن الأخلاق، وترى أن (الغاية تبرِّر الوسيلة).   رابعًا: ماذا نتج من تلك المقولة في الدول العربية؟   نتج من هذه المقولة أنه تمَّ إبعاد الدين وأحكامه وأخلاقه عن الحياة السياسية، وأخذ الطغاة والمستبدون لا يبالون بضرب الأعناق، وقطع الأرزاق، وتضييق الخناق، بدعوى الحفاظ على أمن الدولة، واستقرار الأوضاع إلى آخر المبرِّرات المعروفة، وأصبحت الأمم العربية والإسلامية في ذليل الأمم؛ بسبب هذه المقولة الكاذبة المضللة.   خامسًا: وهل للإسلام علاقة بالسياسة؟ وما الدليل على تلك العلاقة؟   نعم والدليل.. أولاً القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾(8).   وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾(9).   يقول الطبري: نزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانًا لكلِّ ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب.(10)   فالقرآن الذي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (عبادات)(11)، هو نفسه الذي يقول في نفس السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (قضاء)(12)، وهو الذي يقول فيها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (أحوال شخصية)(13)، ويقول في ذات السورة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (قتال)(14)، عبَّر القرآن عن فرضية هذه الأمور كلها بعبارة واحدة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ)، فهذه الأمور كلها مما كتبه الله على المؤمنين أي فرضه عليهم.   وقال أيضًا سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (اقتصاد)(15)، ويقول ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (جيش)(16)، وقال أيضًا: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (معاهدات)(17).   ثانيًا: السنة المشرفة: فحياة الرسول المذكورة في كتب السير تؤكد تأكيدًا لا شك فيه أنه- صلى الله عليه وسلم- مارس السياسية في جميع أوقات حياته، فقد كتب المعاهدات، ونظَّم الجيوش والسرايا، وشارك في القتال، وأقام القضاء، ونفَّذ الحدود، ووضع قواعد للاقتصاد، وغير ذلك من الأمور التي تنظِّم شئون الدولة، وكان كثير من أحاديثه النبوية يشمل لفظ أو معنى السياسة ومنها:   الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون".   قالوا: فما تأمرنا؟، قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم الذي جعل الله لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (18).   ثالثًا: الصحابة الكرام: فمنهم من حَكَم البلاد، ومنهم من توالى الإمارات، ومنهم من قاد الجيوش وفتح البلاد، ومنهم من تولَّى الفقه والقضاء، وكلها من الأمور السياسية، ومن أقوالهم:   عن المستظل ابن حصين، قال: خطبنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فقال: قد علمتُ- ورب الكعبة- متى تهلك العرب! فقام إليه رجل من المسلمين، فقال: متى يهلكون يا أمير المؤمنين؟ قال: حين يسوس أمرهم مَن لم يعالج أمر الجاهلية، ولم يصحب الرسول صلى الله عليه وسلم.(19)   وقال الإمام علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-: يا أهل الكوفة! والله لَتَجِدُّنَّ في أمر الله، ولتُقاتِلُنَّ على طاعة الله، أو ليَسُوسَنَّكم أقوام أنتم أقرب إلى الحق منهم، فليعذبنكم ثم ليعذبنهم.(20)   وكل هذا يدل على أن السياسة جزءٌ من الدين، لا يمكن أن يمارسها المسلم بعيدًا عن دينه وإلا جزَّء الدين، يقول الملك سبحانه وتعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾(21).   أخوة الإسلام.. إن البشر لا يصلح لهم إلا سياسة تضبطها قِيَم الدِّين، وقواعد الأخلاق، وتلتزم بمعايير الخير والشر، وموازين الحق والباطل، فما أثر الدين على السياسة، وما أثره على السياسيين؟ وما أثره على أفراد الشعب؟ وما أثره على الدولة؟   1- أثر الدين في السياسة: إن السياسة حين ترتبط بالدِّين، تعني: العدل في الرعية، والقسمة بالسوية، والانتصار للمظلوم على الظالم، وأخذ الضعيف حقه من القوي، وإتاحة فرص متكافئة للناس، ورعاية الفئات المسحوقة من المجتمع: كاليتامى والمساكين وأبناء السبيل، ورعاية الحقوق الأساسية للإنسان بصفة عامة.   إن الدِّين الحق إذا دخل في السياسة دخل دخول المُوجِّه للخير، الهادي إلى الرشد، المبين للحق، العاصم من الضلال والغي، فهو لا يرضى عن ظلم، وهو لا يتغاضى عن زيف، ولا يسكت عن غيٍّ، ولا يقر تسلط الأقوياء على الضعفاء، ولا يقبل أن يعاقب السارق الصغير، ويكرم السارق الكبير!!.   والدِّين إذا دخل في السياسة هداها إلى الغايات العليا للحياة وللإنسان: توحيد الله، وتزكية النفس، وسمو الروح، واستقامة الخُلق، وتحقيق مقاصد الله من خلق الإنسان: عبادة الله، وخلافته في الأرض، وعمارتها بالحق والعدل، بالإضافة إلى ترابط الأسرة، وتكافل المجتمع، وتماسك الأمة، وعدالة الدولة، وتعارف البشرية.   ومع الهداية إلى أشرف الغايات وأسمى الأهداف: يهديها كذلك إلى أقوم المناهج لتحقيق هذه الغايات، وجعلها واقعًا في الأرض يعيشه الناس، وليست مجرد أفكار نظرية أو مثاليات تجريدية.   2- أثر الدين في السياسيين: والدِّين يمنح لرجال السياسة الحوافز التي تدفعهم إلى الخير، وتوقفهم عند الحق، وتشجعهم على نصرة الفضيلة، وإغاثة الملهوف، وتقوية الضعيف، والأخذ بيد المظلوم، والوقوف في وجه الظالم حتى يرتدع عن ظلمه، كما جاء في الحديث الصحيح: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قالوا: يا رسول الله، ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذلك نصر له"(22)   والدِّين يمنح السياسي الضمير الحي أو (النفس اللوامة) التي تزجره أن يأكل الحرام من المال، أو يستحل الحرام من المجد، أو يأكل المال العام بالباطل، أو يأخذ الرشوة باسم الهدية أو العمولة، وهو الذي يجعل الحاكم يُحَرّض الناس على نصحه وتقويمه: "إن أسأت فقوموني"(23).   وكان شعار (من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقومني) عمر بن الخطاب- رضي الله عنه، فعن حذيفة- رضي الله عنه- قال: دخلتُ على عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو قاعد على جذع في داره وهو يحدث نفسه، فدنوت منه فقلت: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟ فقال هكذا بيده وأشار بها، قال: قلت: الذي يهمك والله لو رأينا منك أمرًا ننكره لقومناك. قال: آلله الذي لا إله إلا هو لو رأيتم مني أمرًا تنكرونه لقومتموه؟. فقلت: الله الذي لا إله إلا هو لو رأينا منك أمرًا ننكره لقومناك، قال: ففرح بذلك فرحًا شديدًا وقال: الحمد لله الذي جعل فيكم- أصحاب محمد- من الذي إذا رأى منِّي أمرًا ينكره قومني.(24)   والسياسي حين يعتصم بالدِّين، فإنما يعتصم بالعروة الوثقى، ويحميه الدِّين من مساوئ الأخلاق، ورذائل النفاق، فإذا حدث لم يكذب، وإذا وعد لم يُخلف، وإذا اؤتمن لم يخن، وإذا عاهد لم يغدر، وإذا خاصم لم يفجر، إنه مقيد بالمُثُل العليا، ومكارم الأخلاق، ويضرب الرسول- صلى الله عليه وسلم- نموذجًا لذلك؛ حيث رفض- صلى الله عليه وسلم- معاونة من عَرَضَ عليه العون على المشركين، وله معهم عهد، فقال: "نَفِي لهم ونستعين الله عليهم"(25)   3- أثره في أفراد الشعب: والدِّين يجرِّئ الجماهير المؤمنة أن تقول كلمة الحق، وتنصح للحاكم وتحاسبه، وتقومه إذا اعوجَّ لا تخاف في الله لومة لائم، حتى لا يدخلوا فيما حذَّر منه القرآن: ﴿واتّقُوا فتْنةً لا تُصيبَنَّ الذينَ ظَلمُوا منْكُم خاصَّة واعْلمُوا أنَّ اللهَ شَديدُ العقابِ﴾(26)، وفيما حذَّر منه الرسول الكريم أمته: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تُوُدِّعَ منهم"(27)، ومعنى (تُوُدِّعَ منهم) أي: لا خير فيهم حينئذ، ويستوي وجودهم وعدمهم.   4- أثره في الدولة: وربط السياسة بالدِّين يعطي الدولة قدرة على تجنيد (الطاقة الإيمانية) أو (الطاقة الروحية) في خدمة المجتمع، وتوجيه سياسته الداخلية إلى الرشد لا الغي، وإلى الاستقامة لا الانحراف، وإلى الطهارة لا التلوث بالحرام.   وكذلك تجنيد هذه الطاقة في السياسة الخارجية للدفاع عن الوطن، ومواجهة أعدائه والمتربصين به، والاستماتة في سبيل تحريره إذا احتلت أرضه، أو اغتصبت حقوقه، أو ديست كرامته.   ولقد رأينا المسلمين في عصورهم الذهبية حين ارتبطت سياستهم بالدِّين، فتحوا الفتوح، وانتصروا على الإمبراطوريات الكبرى، وأقاموا دولة العدل والإحسان، ثم شادوا حضارة العلم والإيمان، مستظلين براية القرآن.   الخطبة الثانية إخوة الإسلام.. إن تجريد السياسة من الدِّين يعني تجريدها من بواعث الخير، وروادع الشر، تجريدها من عوامل البر والتقوى، وتركها لدواعي الإثم والعدوان، وكذلك تسمية الخداع والكذب والغدر والنفاق (سياسة)، فهذا مصطلح لا نوافق عليه، فهذه هي سياسة الأشرار والفجار، التي يجب على كلِّ أهل الخير أن يطاردوها ويرفضوها.   والقرآن الكريم يحذِّر المسلمين إلى يوم القيامة من أن يغشهم غاش أو يضللهم مضلٌّ، قال الحق سبحانه وتعالى موجهًا كلامه لنبيه- صلى الله عليه وسلم- ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾(28)   وأخيرًا نقول بصراحة تامة، الإسلام لا يكون إلا سياسيًّا، فإذا جرَّدت الإسلام من السياسة، فقد جعلته دينًا آخر يمكن أن يكون بوذية أو نصرانية أو غير ذلك، أما أن يكون هو الإسلام فلا، وذلك لسببين رئيسين:   السبب الأول: الإسلام يوجِّه الحياة كلها: إن للإسلام موقفًا واضحًا، وحكمًا صريحًا في كثير من الأمور التي تُعتبر من صُلب السياسة، فالإسلام ليس عقيدة لاهوتية، أو شعائر تعبُّدية فحسب، أعني أنه ليس مجرد علاقة بين الإنسان وربه، ولا صلة له بتنظيم الحياة، وتوجيه المجتمع والدولة.. كلا إنه عقيدة وعبادة وخلق وشريعة متكاملة، وبعبارة أخرى: هو منهاج كامل للحياة، بما وضع من مبادئ، وما أصَّل من قواعد، وما سنَّ من تشريعات، وما بيَّن من توجيهات، تتَّصل بحياة الفرد، وشئون الأسرة، وأوضاع المجتمع، وأُسس الدولة، وعلاقات العالم.   السبب الثاني: شخصية المسلم شخصية سياسية: إن شخصية المسلم- كما كوَّنها الإسلام وصنعتها عقيدته وشريعته وعبادته وتربيته- لا يمكن أن تكون سياسية، إلا إذا ساء فَهمها للإسلام، أو ساء تطبيقها له.   فالإسلام يضع في عُنُق كل مسلم فريضة اسمها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُحرِّض الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم على مقاومة الفساد في الداخل، ويعتبره أفضل من مقاومة الغزو من الخارج، فيقول حين سُئِلَ عن أفضل الجهاد: "أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر". (29)   ملحوظة هامة (الخطبة طويلة يمكن أن تكون خطبتين أو أن يختار الخطيب منها ما يناسبه). ------------------------- الهوامش: 1- سورة البقرة (30). 2- سورة المائدة. 3- روي في السنن وذكره: ابن تيمية- المصدر: مجموع الفتاوى. 4- كتاب السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، ابن حبان. 5- في خطبة سبتمبر 1981م بعد أحداث الزاوية الحمراء والفتنة الطائفية. 6- موسوعة العلوم السياسية الصادرة عن جامعة الكويت- نقلاً عن معجم (روبير). 7- نيكولو مكيافلي: كاتب سياسي إيطالي (ت1527م)، اشتهر بكتابه (الأمير) الذي ذاع صيته في عالم السياسة، لما انفرد به من أفكار لا تبالي بالقِيم والأخلاق في بناء الدول وسياستها، فلا مانع عنده من استعمال النذالة والخيانة والغدر والتضليل والخداع والغش في سبيل الوصول إلى الهدف، وهو المحافظة على الدولة وقوتها، وشن الحرب دائمًا لحمايتها، ومهاجمة خصومها، نقله إلى العربية خيري حماد، وقد نشرته دار الأوقاف الجديدة في بيروت (الطبعة الرابعة والعشرون 2002م) مع تعليق مطول للمحامي د. فاروق سعد، حول تراث الفكر السياسي قبل (الأمير) وبعده. 8- سورة الأنعام: 38. 9- سورة / النحل:89. 10- تفسير الطبري. 11- سورة البقرة: 183. 12- سورة البقرة: 178. 13- سورة البقرة:180. 14- سورة البقرة: 216. 15- سورة البقرة: 275. 16- سورة الأنفال:60. 17- سورة الأنفال: 61. 18- رواه البخاري ومسلم، وأحمد، وابن ماجه. 19- رواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الفضائل، والحاكم في المستدرك، كتاب الفتن الملاحم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشعب. 20- رواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الفتن عن المستظل بن حصين، وابن الجعد- علي ابن الجعد بن عبيد- في مسنده، بتحقيق عامر أحمد حيدر. 21- سورة البقرة: 85. 22- رواه البخاري في المظالم عن أنس، وأحمد في المسند. 23- جزء من خطبة أبي بكر بعد توليه الخلافة، رواها عبد الرزاق في المصنف كتاب الجامع، وابن سعد في الطبقات، والطبري في التاريخ، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: هذا إسناد صحيح. 24- رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الزهد. 25- رواه مسلم في الجهاد والسير عن حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه-، وأول الحديث: حدثنا حذيفة بن اليمان ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي (حُسَيلٌ) قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا؟. فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخبرناه الخبر فقال: انصرفا نَفِي بعهدهم، ونستعين الله عليهم. 26- سورة الأنفال: 25. 27- رواه عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- البزار في المسند، والحاكم في فضائل القرآن وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى، كتاب الغصب. 28- سورة المائدة: 49. 29- رواه السيوطي عن أبي سعيد الخدري وأبي أمامة- رضي الله عنهما- المصدر: الجامع الصغير- الحديث: صحيح. ---------------- * Okasha_office@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل