المحتوى الرئيسى

القرضاوي والسلفيون... من يعادي من؟!

04/21 11:26

عرف العلامة القرضاوي بين العامة والخاصة، والقاصي والداني أنه إخواني المشرب والفكر والتوجه -وإن كان الشيخ في الفترة الأخيرة أراد لنفسه الاستقلال عن الإخوان ليكون للأمة كلها- بيد أن نشأته الإخوانية لم تجعله يدعو جميع فصائل الحركة الإسلامية للعمل تحت لواء جماعته دون سواها، بل يرى تعدد الجماعات ظاهرة صحية، شريطة أن يكون ذلك، تعدد وتنوع واختلاف، لا تفرق وتضاد، أو يكون تنوع وتخصص، لا صراع وتناقص.وقد تابعت كما تابع غيري حوار العلامة يوسف القرضاوي مع (المصري اليوم) وكان مما لفت انتباه الكثيرين كلام الشيخ عن التيار السلفي، وقد جاء فيه (ولكن الذى يغيظنى ويغيظ كل حليم أن ينسى هؤلاء موقفهم المخزى، ولا يختفون عن أعين الناس حتى ينسوا موقفهم، بل تراهم يظهرون ويتحدثون ويتبجحون وينفشون ريشهم، وكأنهم من صناع الثورة). وهذا تعميم لا يقبل من علامة العصر، لأن فاعل هذا ليس كل السلفيين، وإنما بعضهم قلت نسبتهم أم كثرت، وقد عاب الطرف الآخر من السلفية هذا الصنيع من غيرهم.. وقد أقر بعض السلفيين بعدم مجاراتهم للأحداث وأن الإخوان كانوا أكثر مجاراة لها، ولهم حدس سياسي يفوق كل التيارات السلفية. وهذا إنصاف يشكر للتيار السلفي.والحق أن للعلامة القرضاوي مع الحركة السلفية مواقف متباينة. فبينما ينقض التيار السلفي نقصا لاذعا – كما سأذكر لاحقا- نراه يتحدث عن مآثر السلفية فيقول: ولا ننسى جماعات وحركات كان لها أثرها ومساهمتها في مجال الصحوة، على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها، بالإضافة  إلى أم الجماعات، وكبرى الحركات الإسلامية حركة الإخوان المسلمين.... ومنها الحركة السلفية، التي عنيت بتصحيح العقيدة، وتصحيح العبادة، وتحريرها من الشركيات والمبتدعات، والدعوة إلى الاعتماد على الكتاب والسنة، لا على تقليد المذاهب أو إتباع الطرق، ومن روادها: الشيخ محمد حامد الفقي في مصر، والشيخ عبد العزيز بن باز في المملكة العربية السعودية، والشيخ محمد ناصر الألباني في بلاد الشام، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في الكويت.(أمتنا بين قرنين/110). ولما توفي العلامة ابن باز نعاه بمقطوعة أدبية رائعة تحت عنوان (ورحل علامة الجزيرة)، ولما توفي العلامة بن عثيمين حضر جنازته ونعاه بمقال أدبي ماتع عنوانه (وهوى نجم آخر).ويدرك كل متابع للحركة الإسلامية أن السلفية المعاصرة ليست جماعة واحدة, ولا فكراً واحدا, فهناك جماعات متعددة تنسب نفسها إلى السلفية, وهي فيما بينها وبين بعضها تختلف في كثير من الأشياء, فهناك  السلفية العلمية, وهناك الحركية والجهادية والتكفيرية. وسلفية المدينة غير سلفية مكة, وسلفية القاهرة غير سلفية الإسكندرية, وأتباع الشيخ ابن عثيمين يختلفون عن اتباع الشيخ الألباني، وإن كان بعض السلفيين ربما ينكرون هذه التقسيمات.والعجيب أن بعض -أقول: بعض- التوجهات السلفية  آلىت على نفسها ألا تترك عالماً إلا نالت منه، ولا مصلحاً إلا حطت من قدره، ولا هرماً إلا حاولت قصف  هامته. همهم التفريق لا التجميع، والهدم لا البناء، والوحدة لا التوحد.وأعجب ما في الأمر أن الشيخ القرضاوي وقع بين (فكي كماشة)؛ بعض إخواننا السلفيين يهاجمونه هجوماً شرساً ويوزعون منشورات تتهمه في دينه تارة بالتبديع وأخرى بالتفسيق، وثالثة بالتكفير، حتى قال أحدهم في محاضرة له: والذي أدين الله به أن القرضاوي داعية إلحاد وإنه إن لم يكن ماسونياً فهو خادم للماسونية؛ هكذا، وهؤلاء وإن كانوا قلة لكنهم موجودون. وغير السلفيين يقولون: إن الشيخ القرضاوي وهابي متعصب لأئمة الوهابية، ويمتدح ابن تيمية وابن القيم والألباني وغيرهم. كما حال جماعة الأحباش.مفهوم السلفية عند القرضاويوالحق أن السلفية ليست حكراً على أحد، وليس في مقدور إنسان أن "يسلف" من شاء حسب ما شاء. والشيخ القرضاوي رجل سلفي، ويرى هدي السلف خير هدي، ويعني بالمنهج السلفي أنه: المنهج الفكري الذي يتمثل فهم خير قرون الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان الهداية القرآن وهدي النبوة. أولويات الحركة الإسلامية/96.وهذا المنهج بهذا التعريف لا يختلف فيه اثنان، ولكن يقع الاختلاف في التطبيق، ومن ثم فإن القرضاوي يضع لهذا المنهج السلفي أصولاً ومبادئ وهي:1.الاحتكام إلى النصوص المعصومة لا أقوال الرجال.2.رد المتشابهات إلى المحكمات والظنيات إلى القطعيات.3.فهم الفروع والجزئيات في ضوء الأصول والكليات.4.الدعوة إلى الاجتهاد والتجديد، وذم الجمود والتقليد.5.الدعوة إلى الالتزام لا التسيب في مجال الأخلاق.6.الدعوة إلى التيسير لا التعسير في مجال الفقه.7.الدعوة إلى التبشير لا التنفير في مجال التوجيه.8.العناية بغرس اليقين لا بالجدل في مجال العقيدة.9.العناية بالروح لا بالشكل في مجال العبادة.10.العناية بالاتباع في أمور الدين والاختراع في أمور الدنيا. الحياة الربانية والعلم/15.وإذا كان بعض دعاة السلفية قد أعلنوا حرباً  على الشيخ في مساجدهم ومنتدياتهم، بأقلامهم وألسنتهم، زاعمين أن هذه هي السلفية، وأن هذا طريق شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وأن القرضاوي بعيد كل البعد عن منهج السلف؛ إن زعموا ذلك فقد ظلموا السلفية وظلموا شيخ الإسلام وتلميذه. إن السلفية الحقة هي اتباع الأقوال لا الرجال، وكلام شيخ الإسلام وشيوخه ليس وحياً معصوماً، إنما هي أقوال فما صح منها أخذناه، وما خالف روح الشريعة ونصوصها تركناه، دون أن يمس جانب ابن تيميه بشيء، فهو إن أصاب مأجور، وإن أخطأ فذنبه مغفور، ولهذا يؤكد الشيخ القرضاوي بأن أدعياء السلفية ظلموا السلفية وظلموا ابن تيمية وابن القيم حين يقتصر على جانب واحد فقط من جوانب حياتهم المتعددة، أو الالتزام بأقوالهم مطلقاً، يقول القرضاوي: والذي يهمني تأكيد التنبيه عليه هنا، هو اتباع منهج السلف، لا مجرد أقوال السلف في المسائل الجزئية، فقد تأخذ بأقوالهم الجزئية وأنت بمعزل عن منهجهم الكلي المتوازن. وقد تلتزم بهذا المنهج بروحه ومقاصده، وإن خالفت بعضهم في بعض ما ذهبوا إليه من آراء واجتهادات. وهذا هو موقفي من الإمامين ابن تيمية وابن القيم، فأنا أحترم منهجهما الكلي، وأتفهمه تماماً، ولكن هذا لا يجعلني آخذ بكل ما ذهبا إليه من أقوال. ولو فعلت ذلك لكنت مقلداً تابعاً لهما في كل شيء، ولخالفت منهجهما الذي دعوا إليه. أولويات الحركة الإسلامية/98.مآخذ على القرضاوي في خطابه للسلفيينولا شك أن هناك بعض المآخذ على لغة خطاب العلامة القرضاوي مع التيار السلفي، وأهم هذه المآخذ:1 - الحدة والقسوة أحيانا في الخطاب لدى الشيخ. فإذا كانت كتابات القرضاوي  لا يختلف اثنان في كونها تشع أدباً، وتبتعد كل البعد عن التجريح، كما أنها تبتعد كل البعد عن الحدة والغلظة. إلا أنه من الملاحظ أن الشيخ لا يخرج عن هذا إلا في القليل النادر، والنادر جداً. وقد لاحظت من خلال دراستي لكتابات الشيخ أنه يقسو أحيانا على هذا التيار، وهذا يجعلني أطرح هنا سؤالاً وهو: لماذا كا ن الشيخ قاسياً أحياناً في الحكم على بعض السلفيين؟ وأنا في هذا لا أتجنى على الشيخ؛ ولكنني أستنتج هذا من خلال كتاباته، ومن ذلك:حين تحدث الشيخ عن فصائل العمل الإسلامي قسمها إلى أربعة تيارات:الأول: التيار الخرافي، ويعني به التيار الصوفي.الثاني: التيارالحرفي، ويعني به التيار السلفي.الثالث: تيار الرفض والعنف، ويعني به التيار التكفيري.الرابع: التيار الوسيط، ويعني به تيار الإخوان المسلمون، والجماعة الإسلامية في الهند، والقريبين منهم.والحق أن الشيخ حين تحدث عن التيار السلفي وصفه الشيخ قائلاً: وهذا له ـ رغم تشدده في أمر الدين ودفاعه عنه ـ خصائص غلبت على أكثر أتباعه تميزه أيضاً منها: الجدلية في العقيدة. الشكلية في العبادة. الظاهرية في الفقه. الجزئية في الاهتمام. الجفاف في الروح. الخشونة في الدعوة. الضيق بالخلاف. في فقه الأولويات/189.فالذي أراه هنا: قسوة شديدة في تعبيرات الشيخ، ( الجدلية- الشكلية- الظاهرية- الجزئية- الجفاف- الخشونة- الضيق) إن هذا الخطاب وإن تعامل به البعض مع الشيخ، فالشيخ أرفع منه، لأن القرضاوي داعية قبل أن يكون فقيها، ومرب قبل أن يكون مفكرا، والأب لا الخصم..2-  التعميم في نقد الشيخ لهذا التيار: والحق أن هذا التيار إن وجدت هذه الصفات في بعض أفراده أو بعض فصائله فهي ليست صفة ملازمة، ولا خصيصة ثابتة، وقد عودنا الشيخ في منهجه على عدم التعميم، ومن ثم فأرى وصف الأكثرية لهذا التيار بتلك الصفات وبما فيه نوع من الظلم، أو ضرب من التجني عليهم.3- ترك الحوار والتقارب مع هذا التيار: فالمتابع لمنهج القرضاوي الدعوي يلحظ أنه فتح قنوات اتصال مع كل التيارات الفكرية، الإسلامي وغير الإسلامي، القومي والوطني والعلماني، وحاور الشيعة والإباضية، بل حاور النصارى واليهود، وهذا أمر بضوابطه الشريعة لا يلام عليه الشيخ؛ والسؤال هنا: أين نصيب التيار السلفي من هذا الحوار؟! لقد كان هذا التيار أولى من غيره، لأنه يوضع مع الشيخ في بوتقة واحدة، والشيخ أولى به من غيره، وهو أولى بالشيخ من غيره كذلك.ولذلك فإن واجب الوقت يحتم على الشيخ والذي أصبح في مقام إمام العصر أن يفتح صفحة جديدة مع هذا التيار. عليه أن يقرأ له لا عنه، ويجلس معه، ويسمع منه، ويقبل منه ما يجوز فيه الخلاف، ويدع لهذا التيار ما يراه من رؤى تخالف ما تبناه الشيخ ما دام الخلاف خلاف تنوع لا تضاد، وفي إطار تحصيل الأجرين لمن أصاب والأجر لمن أخطأ.لماذا هذه القسوة والحدة من الشيخ؟والذي يبدو لي أن الذي دفع الشيخ إلى هذه الحدة مع هذا التيار عدة أمور:1ـ من هذا التيار من أطلق للسانه العنان، فلم يدع أحداً من السابقين ولا المعاصرين إلا ونال منه.2ـ أن بعض أتباع هذا التيار ضاق بالخلاف ذرعاً، فرفض كل المخالفين له في الرأي.3ـ من هذا التيار  -في نظر الشيخ وفي نظر غيره- من كان سبباً في تحميل الإسلام ما لا يتحمله، وأنه كان سبباً في تأخير مسيرة الدعوة خطوات وخطوات.4ـ أن هذا التيار وقف للشيخ بالمرصاد وأعلنوها عليه حرباً شعواء فأصدروا البيانات، ودبجوا المقالات، وكتبوا الكتب، وفي كثير من هذه الكتب زعموا ضلال الشيخ، وكفره بعضهم كما ذكرت سابقا.وأخيرافيا أيها الشيخ المبارك  لقد فرح أعداء الحل الإسلامي بكلماتك، واعتبروا ذلك مكسبا بالنسبة لهم، وهم يأخذون نقد كل فصيل إسلامي لغيره ليضربوا به الإسلام، يكتمون كل فضيلة، ويفرحون بكل ريبة، شعارهم:إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا      عني وماسمعوا من صالح دفنواونحن في انتظار ما يصدر عنكم ليقرب أبناء الصحوة على اختلاف أطيافهم تحت قاعدة المنار الذهبية التي أصلتم لها (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه).والحمد لله رب العالمين

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل