المحتوى الرئيسى

ضد الديمقراطية

04/21 04:03

حصة لوتاه منذ أن بدأت كلمة الديمقراطية تدخل بكثرة في خطابنا اليومي، وأنا في قلق منها. في قلق لأن الذين يتحدثون حولها نوعان من الناس؛ نوع رأى فيها أنها مناخ قد يسمح لقاعدة أوسع من الناس بالمشاركة في السلطة وفي صنع القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ونوع يتخوف منها ويرى أنها تعني أن المساحات التي تطالها أيديهم سوف تتقلص وسوف يُساءلون حول كل مسار يتخذونه. وبعيداً عن جدل الفئتين، أود أن ننبش في أمور عدة، ومنها مفهوم الديمقراطية، ومفهوم المشاركة الشعبية، ليس من منطلق تعريف الناس بما يعرفون، ولكن من منطلق أن نكون على بينة مما نقول، وأن نتلمس المسارات التي قد تأخذنا إليها أفكارنا التي نتبناها، وأيضاً مع ثقتي بأن هذه الأمور مفهومة لدى الكثيرين، لكن ذلك لا يمنع من أن نتحاور حولها اليوم، خاصة وأن هناك في بلدنا من يطرح هذا الجدل. في البداية أود أن أطرح التساؤل التالي: أي نوع من الديمقراطية نريد؟، وهل هناك فعلاً نظام حكم في الدول المصنفة على أنها دول ديمقراطية نود أن تتبناه أنظمتنا؟ السؤال الثاني: هل تعني الديمقراطية فعلاً أنها نظام حكم يشترك فيه الناس، كل الناس؟ والسؤال الثالث: هل هناك مشكلة في أن نختار نظام حكم ويحقق لنا ما نصبو إليه من أهداف، دون أن يكون مسماه ديمقراطياً، أو دون أن نستعير شكل حياتنا من منظومات لا تشبهنا في مضمونها أو جوهرها؟ وهل نحن عاجزون عن أن نختار الأفضل لحياتنا، دون أن يكون مفروضاً علينا؟ وأظن بأن هذه أسئلة مشروعة. إجابة السؤال الأول، على الأقل بالنسبة إليّ، هي أن معظم البلدان، وخاصة تلك التي ترفع لواء خلق الديمقراطيات في العالم، لا تحمل نظمها من العدالة ما يجعلني أتمنى أن تشبهها أنظمتنا، خاصة وأنها ملوثة الأيدي بدماء الكثيرين من الشعوب، وخاصة شعوبنا العربية. صحيح أن هناك دولاً في المنظومة الأوروبية يتمتع الناس فيها بعيش كريم، وهي أنظمة ذات سمات إنسانية إلى درجة كبيرة، من مثل دول الشمال الأوروبي. ولكن الطرح الذي يأتينا لا يأتينا منها، ربما لأنها دول لا يعرف عنها تدخلها السافر في مصائر الشعوب، خاصة في هذه المرحلة من التاريخ. إجابة السؤال الثاني، هي أنه في واقع الحياة الفعلي، لا يشترك الناس؛ كل الناس، في الحكم، وإنما هناك، وفي كل الأنظمة، فئة قليلة هي التي يناط بها التحكم في زمام الأمور. أما الشعب؛ كل الشعب، فهو لا يحكم، ولا يعنيه في الواقع إلا شيء واحد، ألا وهو أن تكفل له سبل الحياة الكريمة من قبل حكومته. لذا نكتشف أن عامة الناس لا تعنيهم السياسة في كثير من أحوالها، ولا يعنيهم حتى أن يعرفوا من هم في سدة الحكم، إنما يعنيهم العيش دون ضنك، والأمان في ديارهم. وفي حال تحققت لهم هذه المطالب، فهم لا يهتمون كثيراً بتفاصيل الحكم والسياسة. وبطبيعة الحال تتحكم في هذه المسألة أمور كثيرة، منها أنه في الدول التي لا يتمتع فيها الناس بدرجة عالية من الاشتغال بأمور الفكر، تصبح مثل هذه الأمور ثانوية بالنسبة إلى شعوبها، لأن الحياة اليومية هي ما يشغل الناس. وفي البلدان التي تنشط فيها مناخات العلم والإبداع، لا ينشغل الناس بالسياسة، لأن لديهم أموراً أفضل منها يشتغلون بها. وفي كلتا الحالتين النتيجة متقاربة، ألا وهي انشغال الناس بما يعنيهم فعلياً، وبعدهم عن الجدل في شكل نظام الحكم بشكل عام. السؤال الثالث، إجابته عندي هي أن من حق الشعوب أن تختار النظام الذي يتشابه وقيمها ومبادئها، وأنه ليس من الضرورة أن يستنسخ الناس أشكال الحكم والحياة من شعوب أخرى، وإن هم فعلوا فإنما يدل هذا على فشلهم في شيئين؛ استقلالهم، وعجزهم عن صياغة أمور حياتهم بشكل يتناسب مع أطرهم الفكرية ونظم حياتهم وقيمهم. إن للمسلمين، وللعرب عموماً، تجارب في إدارة شؤونهم، وفي صياغة نظم حياتهم، ربما لو درسناها بعمق لوجدنا فيها ما يغنينا عن الاقتيات من موائد الآخرين، ولحققنا من خلالها ما يعمق لنا خصوصية تجربتنا، ويجعلنا أيضا مضيفين للعالم، لا مستهلكين حتى لأطره الفكرية وأنظمة حكمه. ولنا في ما توصل إليه بعض الدراسات الاقتصادية من أهمية تجربة نظم الاقتصاد الإسلامي، مثال قد يعيد إلينا الثقة في أننا نمتلك، في مخزوننا الثقافي، ما يجعلنا نضيف للعالم تجارب جميلة وقيمة ومهمة. إن العالم لا يحترم المقلدين، بل يحترم من يضيفون إليه، ويمشون تحت الشمس، لا تحت سطح الأرض. والنقطة الأخيرة التي أود الإشارة إليها، هي أن الديمقراطية، في أصلها المرجعي، لا تعني أن يشمل نظام الحكم والقرار كل الناس، بل كانت هناك في الأصل، فئات مستثناة من صياغة القرار، ومنهم العبيد والنساء. لذا يجب علينا أن ننتبه لمثل هذه الجزئية، إذ ربما نجد أننا نقع ضمن خانة الفئات المستثناة، لا الفئات المشمولة. والذين يعرفون ما الذي يعنيه المصطلح في ثقافة ما، يدركون ما أقصد. *نقلا عن"البيان" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل