المحتوى الرئيسى

الكاتب الحصان

04/21 03:55

حنان الهاجري تخيّل أن تستفيق من النوم في نيويورك، وتلتقط صحيفة نيويورك تايمز كعادتك في كل صباح، لتجد اعلانا على احدى صفحاتها، مدفوع الأجر من قبل عائلة فريدمان العريقة، توضح فيه أن الكاتب المرموق توماس فريدمان لا ينتمي إليها من بعيد ولا من قريب، وذلك لأن الولد فريدمان اليهودي تجرأ وكتب مقالا قبل أيام يدعو فيه الى نسف دولة اسرائيل واقتلاعها من جذورها! لذا استحق أن تخرج قبيلته، اقصد عائلته، متبرئة منه صارخة بأن «تومي مش ابننا يا رجاله!». طبعا أنا قلت تخيّل، لأن توماس لن يفعلها، وعائلة فريدمان منتشرة في أنحاء المعمورة، لذا لن يلتفت أبناؤها لرأي لكاتب يشاركهم الاسم الأخير فقط، وليسوا معنيين بما يقول أو يفعل، وذلك لكونه انساناً بالغاً راشداً مستقلاً، وفوق ذلك كاتب له الحق في التعبير عن رأيه، حتى لو كان ذلك الرأي مخالفا للسائد أو المتوقع. هذا بالاضافة الى وصول معلومة بسيطة «للفريدماويين» أكدت لهم أنهم يعيشون في القرن الواحد والعشرين، وان مكانة تومي ككاتب في عيون قرائه لن تتأثر بكونه أصيلاً أو غير أصيل، لأنهم لن يشاركوا فيه بسباق للخيل، ولا هم يخططون لرعاية سلالته غير المهجنة لبيعها لاحقا، ولا هم يرغبون في اختبار قدرتها على الكر والفر في ميدان المعركة، أو يسعون لمصاهرته. وبالتالي صار أمر أصالته أو انعدامها هامشيا وغير مهم بالنسبة لهم، ولا يخص أحداً على الاطلاق سوى.. تومي، فهو لدى من يتابع مقالاته «حتة» كاتب، قال رأيه وانتهى الأمر. طبعا هذا في نيويورك، المدينة ذات الشعب المنتج، والمنشغل دائما وأبدا بلقمة عيشه وتطوير ذاته وتحسين مستوى معيشته. الشعب المتعلم الذي خلع رداء الجهل الأعمى واقتلع سوس التقييم العنصري للانسان واستبدله بحشوة من الانتاج والانشغال عن توافه الأمور. ولكن هكذا حدث قد نراه في بلد غني كالكويت مثلا، ما زال يعيش بعض من شعبه في العصور الغابرة، مستخدمين وسائل بدائية اجتماعيا للتواصل والحوار او للزجر والتعزير، رغم كل قشور التطور المدني المادي التي نبصرها في كل مكان. أعتقد أن هناك الكثير من القراء ممن يشاركونني الرأي عندما أقول إنه من غير المعقول أن يتم تقييم الكاتب، أي كاتب، حسب جنسه أو لونه أو أصله أو حتى طول لحيته، فكل هذه الأمور يجب ألا تعني القارئ، الذي يبحث عن الفكرة الجيدة بشيء. وعليه أن يدرك الفرق بين نقد من يكتب شخصيا بناء على هذه التصنيفات وبين نقد ما يُكتب. فالأول مرفوض ومذموم، ناهيك عن كونه يحيد عن طريق العدالة في تقييم الكلمات التي تفقد الكثير من قوتها بسبب تجريدها من افتراض حيادية الكاتب في المقام الأول. أما الثاني فهو الأداة التي يملكها لتمييز الغث من السمين في وقت ارتفع فيه عدد الكتّاب بينما انخفضت فيه قيمة ما يُكتب. *نقلا عن "القبس" الكويتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل