المحتوى الرئيسى

في أعماله الشعرية الصادرة مؤخراً الشاعر السوري توفيق أحمد .. جَوَّابُ آفاقٍ، تقودُهُ روحٌ قلقةٌ ومغامِرةٌ بقلم : أ. أوس داوود يعقوب

04/20 21:21

   في أعماله الشعرية الصادرة مؤخراً الشاعر السوري توفيق أحمد .. جَوَّابُ آفاقٍ، تقودُهُ روحٌ قلقةٌ ومغامِرةٌ بقلم : أ. أوس داوود يعقوب*         Aws1948@gmail.com *كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني مقيمٌ في دمشق   يعد الشاعر توفيق أحمد من أهم الأصوات الشعرية في سوريا، وقد صدرت له مؤخراً عن دار الينابيع في دمشق (الأعمال الشعرية)، في مجلدٍ حوى 526 صفحة من القطع المتوسط، متضمناً مجموعاته السّت التي صدرت بين عامي (1988م - 2009م) وهي: («أكسر الوقت وأمشي»، و«لو تعرفين»، و«نشيد لم يكتمل»، و«لا هدنة للماء» ، و«جبال الريح» ، و«حرير للفضاء العاري»). وعن سبب تسمية هذا الإصدار بـ (الأعمال الشعرية) يقول أحمد جواباً عن (لماذا الأعمال الشعرية ؟): « اعتباراً من عام 1988م وحتى عام 2009م أصدرت ست مجموعات شعرية إحداها على الأقل طبعت خمس مرات، وبعضها مرتين أو ثلاثة، ولم أبع في حياتي إلا أربعين نسخة، ومجموعاتي التي طبعت طبعات متعددة وزعت في أنحاء الوطن العربي، ولدى الكثير من القراء العرب المقيمين في دول أجنبية. وبالتالي وبعد تعدد الطبعات وكثرة النسخ المطبوعة أصابني الإرهاق، لذلك قررت  أن أجمعها  في كتاب واحد يخلصني من مشقة المتفرقات. ثم لأقول: هذا ما أنجزته خلال ثلاثين عاماً مضت، ويكون الأمر بمثابة انعطافة في تجربتي الشعرية، واعتبارها محطة مراجعة لما تم إنجازه. ثم للوقوف على مشارف مرحلة إبداعية جديدة بعد نضوج التجربة الشخصية والكتابية - إن صحت العبارة ». وقد جاء في مستهل مقدمة (الأعمال الشعرية) التي كتبها الناقد والأكاديمي التونسي الدكتور حاتم الفَطنَاسي، والتي يُعدّها الشاعر توفيق أحمد أنها ـ أي المقدمة ـ عبارة عن « وجهة نظر قابلة للحوار دائماً، ولا تشكل وصاية بأي حالٍ من الأحوال». جاء في مستهل المقدمة: « نَعَمْ «سُنَّتي النثرُ وفَتوايَ الشِّعرُ! »: صوتٌ تترددُ أصداؤهُ في (الأعمال الشعرية) لتوفيق أحمد تردّداً يتراوح بين الظهور والضمور، مرةً هسيساً ليّناً أو غمغمةً ومرةً أخرى صدى ووقْعا جسوراً. هكذا فهمتُ شخصيةَ القابع بعيداً، هناك في أقبية النص، بل أمسكتُ ما أَزْعَمُ أنه قانونُ الكتابة أو محورها الدوّار. أعني الفلسفةَ الكامنةَ في القاعِ والرّؤيةَ الموجَّهَةَ لما يُسمّى «المناويلَ الأنطولوجية» للشاعر. كلّ قصائد هذا الكتاب فتاوى، بُرَهٌ آبقةٌ من طوق النثر وسُنَنِه وانبنائه على «المعيار» بما يحمله من علائقَ منطقيةٍ بين الأشياء والأسماء بحكم المواضعاتِ والإلف والعادة. النثر باعتباره يقظةً والشعرُ بما هو حُلُمٌ أو حيلةٌ للإفلات من كلّ قيدٍ أو سُنّة. إنه «الفتوى» والاستثناء الذي هو في الأصل القاعدة ». ويضيف الدكتور الفَطنَاسي: « يتبدى توفيق أحمد طفلاً حالماً بالغيب. فكأنما الأشياء لعبةٌ في يديه أو خَزَفٌ أو طينٌ: "في الجسد اليابس غلغل الضوءُ/ جنّيةٌ نَفَرَتْ من هنا/ وجنيّةٌ من هناكْ/ ركبَ البحرُ زورقَ عشقٍ/ صحارى تَمَطَتْ إلى الغيمِ/ تزرعُ فيها مفاتيحَ للماءِ/ والضوءُ!/ يَكْمُنُ للبرد والمستحيلات/ يجرّ اليباس على رأسِهِ/ ويُلهبُ في العمر فَيْضَ اخضرارِ/". تَنصَّتْ رؤياه: (رأيتُ أني أجمعُ الماء مع النيرانْ/ وأنني أنهب من بيادر المراحل القادمة امتلاءَها/ وأنني بالحلم الجانح أفضح الزمانْ... يُفجّرُ الأيام والمكانْ) ». v  تجريبٌ مستمرٌ في أبنية الشّعر وغاياتِهِ يرى الناقد المصري الدكتور محمود الضبع أن القصيدة عند توفيق أحمد: « ليست رَفاهاً، ولكنها تجريبٌ مستمرٌ في أبنية الشّعر وغاياتِهِ، ووسيلةٌ للكشف عن مكنونات النفس البشرية مُتَمَثِّلةً في الإنسان المعاصر المرتبط بإرثه العربي وواقعه الآنيّ ووعيهِ بالمستقبل، يَحْكُمُهُ في ذلك جميعِهِ القلقُ المستمرُّ والتوترُ المؤسّسُ لشعريةٍ تُعيدُ إلينا مشاعرَنا التائهة». نعم هكذا هو الشّعرُ عند توفيق أحمد مساحة لترجمة البوح عبر اللغة، وفرصة لتنشد اللغة حريتها واستراحتها الأكيدة بين يدي الشاعر، و الشّعرُ عنده أيضاً تتويج لأقصى ما يريده الشعور من الكلمات تجاه عالم مليء بالتفاصيل والخيبات والجمال المخبوء. وفي قصائده فسحة لتنفس هواء نقي، إنه هواء اللغة وهي تلبس رداء الشعر ومعانيه الصاخبة، الشّعرُ دعوة للصخب مثلما هو دعوة لحب العالم، وهل هناك من هو أكثر من الشّاعر محبة للعالم؟ ويرصد المتابع لمسيرة توفيق أحمد الشعرية إلى أي مدى استطاع أن يحافظ على تميزه الإبداعي منذ المجموعة الأولى، فشعره يمتاز بموسيقى شعرية عذبة وبتطور متواصل للبنى الشكلية فهو يكتب الشكل العمودي بشروطه الحداثية، وقصيدة التفعيلة بآفاقها وفضاءاتها ذات المفردات الناعمة المشحونة بالمعاني الجديدة والصور الغريبة، وقد مال مؤخراً لكتابة القصيدة القصيرة وقصيدة النثر، إلاّ أنه في سائر شعره يصدر عن رؤيا تشتبك بما هو إنساني وتوظف دلالات الكائنات الطبيعية لصالح المغزى، كما يتجه شعره للمثقف الخاص والعام معاً في شجنْ كونيْ دافىء مصحوب بإنفعال حار لاذع تجاه العديد من جراح الأمة. وأحمد ـ حسب الشاعر إبراهيم عباس ياسين ـ « كما لو أنه جَوَّابُ آفاقٍ، تقودُهُ روحٌ قلقةٌ ومغامِرةٌ يمضي توفيق أحمد في رحلتِهِ الشعرية، يكسر الوقت بأناشيدَ وقصائدَ مشبَعةً بشاعريتها ومُفْعَمَةً بحرارةِ الروحِ وتَشَظِّياتِها، وقد بقي مخلصاً لذاتِهِ الشاعرة ولروح الشعر في كل ما يَكتُبُ ويُبدع. ولعلَّ المُنْجَزَ الأهمَّ في تجربتِهِ أنَّ صاحبَها استطاع أن يحقّقَ معادلتَهُ الصعبةَ في الجَّمْعِ ما بينَ مختلف أشكال الكتابة ». وفي هذا السياق يرى الدكتور الفَطنَاسي: « لقد تنوعَتْ أشكالُ القصيدة في تجربتهِ بين قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، التي وإن عَبَّرتْ عن انشدادٍ إلى الذائقة "الكلاسيكية" أو "القديمة" في مستوى الشّكل، فقد توفّرت على روحٍ وثّابةٍ ورؤيةٍ "حداثّيةٍ" جليّةٍ مردُّها الاقتناعُ الحاصلُ اليومَ عند كثير من شعراء "الحداثة" الرّافعين للوائها المبشّرين "بصدمتها"، بأن الشعرَ هاجسٌ أو نهرٌ دافقٌ لا يستطيعُ الشاعرُ أن يغيّرَ مجراهُ الذي يقترحُهُ هو، أي أنه يستنُّ لنفسه شكلاً ليسَ أصلحَ منه له، فيَرِدُ مرةً في شكل قصيدةِ النثر ويأتي مرةً أخرى على التفعيلة وينثالُ أحياناً في قصيدةِ عمودية لا تكلُّفَ فيها. وما "الحداثة" إلا رؤية وروحٌ وتلاوينُ من الإجراء في اللغة. لقد برزت في قصائد توفيق أحمد العمودية بعضُ عقيدته أو فهمِهِ للكتابة الشعرية: "أنا لا أريد على البلاغة قيّماً/ فالشعر لا يَعنيه شكلُ القيّمِ/ إنّا نُريدُ قصيدةً لم تَكْتَشِفْ/ بحراً لها ووليدةً لم تُفطمِ/ الشعرُ خارطةُ الجمال وكيفما/ صحّت لك الأمداء فيه فَحَوِّمِ/ جَاوزْ إذا كان التجاوزُ مبدِعاً/ هل غادرُ الشعراء من مترَّدم/". وقد اصْطَلح النقادُ القدامى على ذلك بـ "الشِّعر على الشِّعر" أو "الكلام على الكلام" وسماه المُحَدثون "البيان الشِّعريِّ" وهو بمثابةِ التشريع لإنتاج الشّاعر واختياراتهِ أو انزياحاتِهِ أو ارتدادتِهِ. الأكيدُ أن الشّاعرَ اختارَ القصائدَ العموديةَ هنيهاتِ التغنّي خاصةً، التغنّي بالقيم، التغنّي بالأماكن، التغنّي ببعض الرموز والشخصيات، التغني بالمرأة. والغريبُ أن العودة إلى القديم شكلاً أو تراثاً أو قيماً، في ثقافاتِ الأمم جميعاً، تقريباً، لا يكون إلا في الأوقات العصيبة، أوقاتِ التأزُّم التي تُحِسُّ فيها ثقافةٌ ما بالخطر يتهددُها في وجودها. ولاشك أن الثقافةَ العربيةَ تعيشُ اليومَ هذا الخَطَرَ المُحْدِقَ. ناسبَ الشكلُ الحالةَ وساهمَ في رفع درجةِ التأثُّر في قصيدة (نبع السن) مثلاً: " يا سنُّ أطفئْ لهيباً لستُ أعرفُ كَمْ/ من ألفِ عامٍ هنا في صدريَ استَعَرا/ يا سنُّ تَكْبُرُ في أعماقنا غُصصٌ/ قَفُصَّ لي بهدوء الحالم السِّيرا" ». v  ثمار الرحلة .. توفيق أحمد المتنوع المدهش من الشعراء القلة الذي يمزج حروفه بضياء الحياة، قريب جداً من نبض اللغة وهي تبحث عن فسحتها وحريتها، عاشق يرتب الحروف على هيئة قصيدة ويقنع القصيدة لتتحمل كل هذا الوجع والهم، ومن اللغة إلى القصيدة مسافة يقطعها الشاعر عبر القلق. ‏ الشعر في نصوص توفيق أحمد ـ حسب د. الفَطنَاسي ـ « ليس خروجاً عن سياق التاريخ، بل تَرَسُّخٌ فيه ، لحظةٌ إنسانيةٌ خالدةٌ يحلم الشاعرُ فيها بتناسقٍ غريبٍ عجيبٍ هتّاك لكل تناسق قَبْليّ آخر، فيه تغدو اليقظة حلماً ويغدو الحلم يقظة. هو بيتُ الشعر يجولُ فيه، لا عوائقَ ثمةَ، لا مقدسات. بل قولٌ هو سقسقةُ الكون ونشيدُهُ الدّافقُ. اختزالٌ للزمن وتكثيفٌ عظيمان، الصّلبُ يغدو ليّنا، الجامدُ يُضحي سائلاً، الصامتُ يُصبحُ ناطقاً والميْت يُقلَبُ حيّا. فالأشياء تحيا بأضدادها ولا تفسُّخَ ». و « كلُّ المجموعات الشعرية، طيَّ هذا الكتاب، وإن بَدَتْ مُجَمَّعَةً على غير حجّة أو ميزان، مشدودةً بخيطٍ سرّي رفيعٍ يَنْظِمها فلا اختلالَ. إنها تخضعُ إلى "استراتيجية" واعية تطال أبعادَ الكينونة في انبنائها على الحالةِ أولاً وفي دلالتها على تَوَهُّجِ المراحل الإبداعية التي قامت عليها تجربةُ الشاعر ورحلتُه: " من غير رحيلٍ بين مطارٍ ومطارِ/ أَقْطَعُ أمداءَ اللحظهْ/ وأُهوّمُ في السفر العاري/ بسفينٍ أتنكّبُ وَهْمَ الرحلهْ/ وأغادرها بقطارِ/ وأُريقُ خُصوبةَ عُمْري لسوايّ/ أعود بُخفّيْ (توفيقِ)/ بثمارٍ ليست كثماري/. بين مجموعة شعرية وأخرى ينزف الإحساس بـ «النقصان» وبـ «الحيرة» وبضرورة التَّشهير وفضحِ الواقع ومُجادلةِ السَّائد ». و« بين مجموعة وأخرى بين نص وآخر يتراءى خلف الاطمئنان الظاهر أحياناً، ألمٌ ممضٌّ وحَيْرةٌ عارمة: "ولأن الحيرة تسكنني/ أضطر لأن أتعامى وأداري/ ولكي تتجانس أسئلتي/ أعقد صلحاً بين شجارٍ وشجارِ/ مرآةُ الرؤيا تنكسرُ فوق خيالي/ هل من مَلاحٍ يُنْقِذُ أسراري؟!" . يتابع الدكتور الفَطنَاسي: « إنها حَيْرةُ المبدعُ «الحقّ» يتنصّتُ صوتاً منبعثاً من الأغوار والآفاق، من رَدَهات الأبدية صاغَهُ الصوفيُّ الكبير محمد بن عبد الجبار النّفّري: " وأوقفني في الرّحمانية وقال لي: لا ترضَ، فإنه لا يَرْضَى سوايَ، فإنْ رضيتَ محقتُكَ ". يَظهرُ ذلك من خلال عناوينِ المجموعات الست («أكسر الوقت وأمشي»، و«لو تعرفين»، و«نشيد لم يكتمل»، و«لا هدنة للماء» ، و«جبال الريح» ، و«حرير للفضاء العاري»). وتظهر «الحيرةُ» أو «عدم الرضا» أو «النقصان» في دلالة الفعل (أكسر) أو في أداة الامتناع للوجود (لو) أو في النعوت (لم يكتمل)، (العاري) أو في النفي (لا) أو في المعنى (المريح). كما يبدو الإصرارُ على الفعل، على تحقيق "الكمال" في "تظهير الحالة" وتخليقها لغوياً في تشكيلٍ شعريٍّ ما ». وفي شِعره يحتفي أحمد في قصائده بالمكان .. المدن والبلدان والجغرافيات، وبالرموزِ أيضاً، معللاً ذلك بقوله: « إن انتماء الشاعر للأمكنة هو تجذر بالوطن، بكل ما فيه من أقمار وسهول ووديان، المكسوة بأثواب لغوية وشّعرية ».  من جهته يرصد مقدم (الأعمال الشعرية) احتفاء شاعرنا بالمكان، قائلاً: « قصائدُ المدن والبلدان والجغرافيات مثلاً احتفَتْ بالمكان، برمزٍ فيه أو بقيمةٍ تحققَتْ في فضائهِ أو أمرٍ طَبَعَ تاريخَهُ أو حادثةٍ أو ومضةٍ في ذكرى أو نَفَسٍ، لَفَحَ الشّاعرَ وهجُهُ... "يكاد من آلامِهِ "يَطُقُّ" / لأنها نَأَتْ .. /لأنها نَأَتْ عن روحها دمشقُ". "خذيني لعينيك بغدادُ/ هزي عصافيركَ البيضَ تَصدحْ قناديلُ روحي/ نخيلُكَ هذا الحزينُ استحمتْ دمشقُ بهِ/ فانزفي يا سماءَ العراقِ لئلا تجفَّ النجومُ/ دمشقُ على فرسِ الحبِّ جاءَتْ/ على شَعرها وردةٌ/ في يديها حريقٌ/ وفي راحتيها نسيمٌ أرقُّ/ إذاً فافتحي القلبَ بغدادُ/ رُدّي عليكِ عباءتَها/ أنتِ يا شامُ بغدادُ/ بغدادُ أنتِ دمشقُ". دمشقُ وبغدادُ واللاذقية واليمن وألمانيا "ونبع السن" وبيروت والبقاع وطرابلس والرقة وحمص وغيرُها، ليست إلا تنويعات على حالات نفسيةٍ تنهضُ بوظيفةِ "التّصعيد" العاطفي والوجداني من ناحية، والتصعيد الفكري والحضاري من ناحيةٍ أخرى، ليست إلا تسمياتٍ لمكانٍ رئيس هو (بلدتي): "هي جزءُ هذا الكُلِّ/ رُدّوا دمعها المنثالَ خلف تلالها/ وغيابَها.. وجميعَ أنواع الشجنْ/ لَمّا تَزَلْ ببداهةِ الأشياء وجهاً في تضاريس الزمنْ/ هي بلدتي/ من شمسها اشتقّ المدى طيرانَهُ/ في إصبعيها خاتمانِ: نصاعةُ العقل المبلل بالندى/ وتَزاحُمُ الدنيا على يدها شُعَلْ". هي الحبيبةُ.../والحقيقةُ.../ والحديقةُ.../ والندى.../ هي سيفُ ملحمتي... وعرشُ قصيدتي". وفي شعر توفيق أحمد احتفاءٌ بالرموزِ دون تكلّفٍ أو إسقاطٍ أو اعتساف. يتخلّقُ الرمزُ في كون النصِّ لغوياً في حركةٍ من النبذِ والجذبِ عصيِّةٍ آسرةٍ تجعلُهُ ينهضُ بمجموعةٍ من الوظائف أهمُّها: الوظائفُ الجماليةُ والإيحائيةُ والمعرفيةُ والثقافيةُ. سواءٌ كانتْ هذه الرمُوزُ أشخاصاً تاريخيين أو مُتَخَيَّلين، معاصرين أو قدامى، مفكرين أو فنانين أو سياسيين، مشاهيرَ أو نكراتٍ. يحشدهم الشاعرُ في نصوصه ويُعيدُ إنتاجَهم أو تشكيلَ بعضِ ملامحهم ». وعن المجموعةُ الأخيرةُ في هذه الأعمال الشعرية (حرير للفضاء العاري) يقول الدكتور الفَطنَاسي: « كانت مسراي وملاذي »، متابعاً أن هذه المجموعة: « طافحةً بشعريةٍ عاليةٍ مُتًّسِمةً بعمقٍ لافتٍ للانتباه ربما لأن نصوصها ومضاتٌ قصيرةٌ توفّرَتْ على تكثيفٍ كبيرٍ مما زاد في طاقتها على الإيحاء والتلميح. ربما كان ذلك طبيعياً باعتبارها آخرَ ما أصدر الشاعر، وهي دليلٌ على تطور تجربته وسيرورة فعل الكتابة لديه ونُضْجِه، تتكثّف، حتى تغدوَ صلاةً وعبارةً صوفيةً، استعارةً كبرى: " إِملأْ- كأسَكَ ياربي من خمر دعائي/ أنتَ نديمي كُلُّ ثواني العمرِ/ وحاناتِ الأرق الليلي/ هذي العُشبةُ تدنيني منك كثيراً فأصلّي/ أدعو لكَ لا تَدْعُ عليْ/ من أيةِ ريحٍ جئتَ لتُوقظَ جمرةَ هذا العشِب الطالع في جنبيّ/" ». و يعثر القارئ في مجموعة «حرير للفضاء العاري» على الكثير من القصائد القصيرة، وأحياناً القصيدة «الومضة» إن صحت التسمية، كأن شاعرنا أراد التقاط لحظات الزمن الهاربة، أو أنه أراد تقديم مهاراته الشعرية؟ يقول توفيق أحمد في حوار أجراه معه الزميل محمود السرساوي: « بعد هذه التجربة أصبحت أكثّف لغتي أكثر، وأسعى لالتقاط اللحظات الهاربة. كما أنه تنويع على لوحة الكتابة الشعرية، وإذا شئت أردت تقديم «مهاراتي الشعرية» في هذا الشكل من الكتابة الشعرية ».   منتخبات من أشعاره :   تشكيل إلى الشاعر صالح هواري -1- لا تكسر النايَ كن صوتاً ورجع صدى لجدولٍ كان يوماً يعشق البلدا لا تكسرَ النايَ لا تترُكْ أصابعنا تضيع فوق تفاصيل الجراح سدى لا تكسر النايَ قُلْ ما شِئتَ لامرأةٍ كانت تمر ولكن لا ترى أحداً وزع أناشيدك الظمأى على زمنٍ صارت به الروح هماً يملأُ الجسدا كحضنِ أُنثى أَضِفْ للدفءَ نكهتَهُ لكي يظلَّ صهيلٌ يستحيلُ مدى واكتبْ دمشق على ضلع الخليل تَجِدْ قلبين ضاعا ببال القدس فَاتحدا وزع على الغيم أشجاراً لتُمطرها وإن وجدتَ جفاءً فاستعرْ بردى -2- ما أروعَكْ تبكي على أطلالِ أغنيةٍ تناهَبَها التتارُ وجدولِ امرأةٍ توغَّلَ في السرَّابِ                              لأسمعَكْ. أمشي على شفةِ الحنين كأنما الكلماتُ تحملني إليكَ وهذه الأشجارُ تشربُ من بعيدٍ                                أدمعَكْ وتفرُّ من قفصٍ إلى قفصٍ فتكشفُ الخطيئةَ في خطاكَ وتشتهي قمراً تخبّئُهُ "أريحا" في جراح "اللُّدِّ" كي ترفو القصيدةُ أضلَعكْ هل أنتَ وَدَّعْتَ السِّياجَ عشيّةَ ارتحَلَ الأريجُ وملَّ لابسَهُ الرِّداءُ.. أمِ السياجُ حنا على دمكَ الطريِّ                                     وودَّعكْ؟ هذي فلسطينُ التي ستينَ عاماً ما تزالُ تُعيدُ تشكيل القصيدةِ فوق نايٍ من حرير الجرح ضاع به صداكَ وضَّيعكْ لو كُنْتَ تُصغي جيداً لسمعتَها كجميعِ من عبروا ضفافَ النِّهرِ واحتكموا إليهِ وحدَّدَ الأشياءَ والأسماءَ والحكماءَ لكنْ لم يُحدِّدْ موضع الأنثى التي رَسَمَتْ بصمتٍ موضعَكْ لو كنتَ تُصغي جيداً لسمعتَ صوتَ حمامةٍ في القدس تصرخُ: ها أنا.. وحدي هنا.. وحدي فإنْ قرّرتَ أن تصغي إلى صوتي الذي ما عاد يشبهني إلى تابوتِ أمّي رُدَّني أو ذاتَ يومٍ إنْ مَرَرْتَ على الحمى خذني معَكْ. -3- لا تكسرَ النايَ.. استرحْ من غيمةٍ كانت ترشُّ على الترابِ خطايا هدِّمْ جبال الوقتِ.. هذي لحظةٌ صارت لأسئلةِ الغريبِ مرايا كان الخروجُ من القصيدةِ ممكناً لو لمْ يُحاصرُ جُرحَها أبوايا لا تكسر النايَ.. استعدْ شجراً هوى فوقَ الجليلِ أيائلاً وصبايا هذا تُرابُ الليلَ يعبُرُ صَدْرَنا فاكتمْ عن المتناقضين أسايا هذي خطى الأيام تغرُز نابَها فينا وتملأُ بالحنين خلايا لا تكسر النايَ.. البلادُ تحجَّرتْ وغَدَتْ زنابقُ عسقلانَ سبايا لا تكسر النايَ.. اكتشفْ شجني به ماذا ستفعل إنْ كَسَرْتَ النايا؟     هودج هذا العريس   باتجاه الولادةِ سارت خُطاكَ ومن قلقٍ راعفِ القهرِ نامَ الجميعُ بُعيد الوداعْ وقالوا لأمك نامي وكيف تنام عيونٌ كواها لهيب السُّهادْ؟! ستشهدُ أمُّكَ بعد جفاف الظلامِ احتفالاً بهودج هذا العريسِ وسرباً من الغيثِ يُحْملُ فوق جناح الحمامْ أتبكي؟! وقدْ أقْفلتْ صوتَها غصَّ في صمتها المرِّ كلُّ الكلامْ إنها مثلُ عينيكَ تُشرقُ أسطورةً كلَّ حزنٍ وكلَّ غناءْ ويُستشهدُ القلبُ فيها مراراً لتبْزُغَ من تحت أقدامها لغةٌ ليس يفهمُ قاموسها الصَّعْبَ إلا دمٌ مسرفٌ في العطاءْ إذاً يا قريرَ الجفونِ تسامَ ونَمْ في عيوني ولا تُشغِلِ البال أنَّكَ كنتَ الوحيدَ الذي قدَّمَتْهُ فلسطينُ في عرسها الأبَديّْ كواكبُ وردٍ مقاتلةٌ بانتظار الذهاب إلى جنّةٍ عرضُها كلُّ هذي الدماءِ التي نَزَفَتْ كي تُضيءْ هو اليومُ عرسُ فلسطينَ جاء قليلاً قليلاً... ولكنّه سيجيءْ إذاً يا قرير الجفونِ تسامَ ونمْ في عيوني... حُلْمُهُمْ يُكْسرُ الآنَ ينكسرونْ وموسى تشقُّ عصاهُ محيطَ المحالْ ولكنَّه الاحتلالْ يُشيِّعُ أحلامهُ فوق نعشٍ يُقالُ له الاحتلالْ   صهوة المدى (رسالة من البعيد القريب... إلى أسير فلسطين) قُل لي برِّبكَ يا طليق الفكر والقوّة قُل كيف تنجزُ كل يوم ألفَ بحرٍ مستحيلٍ كيف تكنسُ عن شغاف الرملِ كلَّ ملوحةِ الصدأ الذي اختنقتْ نوارسُه بغاز الطينِ والرَّغوهْ كيف ابتكرتَ من السلاسل في يديكَ أساورَ القدس التي تزهو بورد العزِّ والنخوهْ أنتَ الطليقُ بسجنهم أفلا درَوا أنَّ الظلامَ على دم المأسور ظلماً ثورةُ الصَّحوهْ !! أنتَ الذي قطف الحياة قصيدةً أبياتها مطرٌ وتفعيلاتُها دمُكَ المقاومُ سيدُ الطلقاءِ أنتَ فقم وأسرِج جمر غزَّةَ وانطلق فرساً لها كلُّ المدى صهوهْ واصل نزيفكَ كي تظلَّ عرائسُ الأشجار واقفةً على تلّ المدى واصل صمودَكَ كي تعود إلى حديقتنا القنيطرةُ التي أغفَتْ على تلِّ الندى لا أنتَ إلا أنتَ فابزغ طائراً فينا تشيبُ الحادثات وتهرمُ الأيامُ مثلُكَ كيف يهرمْ؟! يا أيها المزروع فينا أنت ضوء العينِ تُنبتُ في اليباس العشبَ لا تقسو على مَن جفّ في دمه النضالُ لأنكَ الأرحمْ باللهِ لو تلقي عليَّ يداكَ نصف تحيةٍ أنا لا أقاومُ من يديكَ كثير تلويحاتها فَلأَنْتَ في الوجعِ الممضِّ الجرحُ... والبلسمْ وجلالُ سجنِكَ ماثلٌ في الروحِ يجلدُنا... ولا يرحمْ القدسُ قد وُعدت بغيمكَ ماطراً فاهطل كما شاء الجليلُ ترابُنا الموعودُ بالمطرِ الجليلِ لبرقِ غيمكَ مغرمٌ... مغرمْ     بطاقة مسافر غير عادي   هل أنتَ من هذي المدينةِ يا صديقي في السفرْ.. واخترتَ رحلتَكَ البعيدةَ فوق هودجِ حلمها الورديِّ يتكئ القمرْ.. إني أراكَ ولم يُجاوزْ عمرُكَ العشرينَ سنبلةً تحاصرني بأكثر من خَبَرْ.. ويجيبُ عمري حدُّهُ الأٌقصى رصاصُ وكأن قاضي النفي يحكمني/ يُحاكمني ومثلي هل يليقُ به القصاصُ زمنٌ يمرُّ ومُرَّةٌ أيامُهُ فمتى إذاً يحلو متى يأتي الخلاصُ؟؟؟ أنا من هناكَ أتيتُ يلبسني الشجرْ وتركتُ أهلي؛ الموتُ خبزهُمُ الوحيدُ وماؤهمْ عشقُ الجليلْ وأنا من الجيلِ الذي صبغَتْ طموحَهمُ الدماءُ تقطّعتْ كلُّ الدروب بهمْ وما انقطع الرجاءُ لا النفيُ أوقفَ نَزْفَ وردتهمْ ولا حتى السماءُ أنا من هناكَ وقد تعطَّر نبضُنا بشذى الترابِ بموتنا افتخرَ الزمنْ في كلِّ يومٍ ألفُ طفلٍ أنجبتهُ الشمسُ في يافا يموتُ ليزدهي قمرُ الوطنْ أنا من هناكَ وكنتُ قبل اليوم في نسبي البعيدِ إليَّ ينتسبُ النخيلُ وفي دمي تمشي السُّحُبْ أنا إنْ فقدتُ عريشتي فعريشتي من رمل غزةَ يحتمي في ظلّها كلُّ العربْ   تنويه: نشرت هذه المادة في موقع بيت فلسطين للشعر – بتاريخ: 6/ نيسان 2011م  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل