المحتوى الرئيسى

اقرأوها جيداً بقلم:معتصم حمادة

04/20 17:19

معتصم حمادة قبل قيام الثورات العربية، كانت بعض الدوائر الفلسطينية تشكو التدخل العربي والإقليمي، وتبرر بعض سياسياتها التراجعية أنها نزولا عند ضغوطات هذه الأطراف. وكثيرا ما لجأت دوائر فلسطينية نافذة، إلى الاستقواء بالتدخل العربي، والتدخل الإقليمي، تحت مبررات وشعارات شتى، لتواجه الضغط الشعبي الفلسطيني الذي تتعرض إليه، على خلفية سياساتها التراجعية أو ذات المنحى الانقسامي. • فقيل مثلا إن الذهاب إلى أوسلو، تم بتشجيع عواصم عربية، رغبت في التخلص من الملف الفلسطيني لما يولده لها من صداع سياسي، يهدد بامتداد النيران الفلسطينية المشتعلة في الضفة والقطاع إلى العواصم المجاورة. • وقيل أيضا إن الحالة الفلسطينية تقف في مواجهة المشروع الصهيوني وحيدة، عزلاء، بعدما تحول بعض العرب إلى مجرد وسطاء بيننا وبين الجانب الإسرائيلي، وتحول البعض الآخر إلى الاكتفاء بمعالجة ملفه القطري، وتخلى عن تطلعاته القومية. • وقيل كذلك إن بعض العرب لعب دور البديل، والوكيل، للراعي الأميركي في بعض المحطات، وما عجز هذا «الراعي» عن القيام به جهارا، أوكل تنفيذه إلى هذا «البعض» الذي لم يكف عن الضغط على القرار الفلسطيني إلى أن تمت الاستجابة لهذه الضغوط. • كما قيل إن التدخلات الإقليمية هي التي شجعت على الانقسام الفلسطيني أو حرضت بعض الأطراف على اللجوء إلى هذا الانقسام لتحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة في الصراعات الإقليمية، وتحويل الساحة الفلسطينية إلى ميدان صراع لتحقيق أهداف لا تمت إلى المشروع الفلسطيني بأية صلة. • وقيل، في السياق نفسه، إن التدخلات العربية والإقليمية هي التي تحول دون الوصول إلى إنهاء حالة الانقسام، واستعادة الوحدة الداخلية. فثمة عواصم عربية، وإقليمية، تستفيد من هذا الانقسام وتجيره في خدمة مصالحها، ولو على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية ومستقلبها. *** الآن، تعيش المنطقة أوضاعا جديدة، وبدأت عاصفة التغيير تجتاح العواصم العربية، واحدة بعد الأخرى، في اتجاهات إصلاحية ذات منحى ديمقراطي وتقدمي ملموس، يفتح الآفاق للحاق بركب العصر والتطور، ركب بناء الدولة بمؤسساتها، وقوانينها، وفي المقدمة، باحترامها لكرامتها وكرامة مواطنيها. وحصل تبدل كبير في موازين القوى العربية الإقليمية. فبعض الأنظمة الذي كان يضغط باتجاه معاكس، ومخالف للمنحى العام للبرنامج الوطني الفلسطيني، سقط وانهار، وقام بدلا منه نظام ما زال يبحث عن نفسه، وسط صراعات داخلية أثبتت الوقائع أن بعض القرارات المصيرية صارت تؤخذ في «الميدان» على يد الحركة الشعبية. وبعض الأنظمة الذي كان يلعب دور الوكيل والبديل للراعي الأميركي في الضغط على القرار الفلسطيني بات هو الآخر مشغولا بأوضاعه الداخلية وأوضاع جيرانه، ولم يعد لديه من الوقت ما هو فائض «ليتلهى» بالقضية الفلسطينية أمام جدية الأوضاع الداخلية، وأوضاع الجوار الذي أخذت رياح التغيير فيه تهب، رغم محاولات محاصرتها وخنقها في المهد، قبل أن تتحول إلى عاصفة هوجاء، تجتاح إمارات وممالك وعروشا اعتقدت أنها راسخة خارج السياق التاريخي لحركة التغيير. حتى الأطراف الإقليمية التي قيل إنها لم تكف عن التدخل هنا وهناك تعيش هي الأخرى أوضاعا داخلية حرجة، استهلكت منها معظم اهتماماتها، خاصة وأنها تدرك أن الحراك الشعبي، كان قد ولد في شوارعها هي، قبل أن يولد في الشوارع العربية. وقد لفت نظر المراقبين ذلك الصمت الرهيب الذي تتحلى به تلك الأطراف الإقليمية، في الوقت الذي حاز فيه الوضع العربي على اهتمامات الجميع، ونال من تعليقاتهم ما لم ينله وضع آخر. والأهم من هذا، أن التغيير الحاصل، حرر إلى حد كبير، وكبير جدا، إرادة الشارع العربي، وأطلق طاقاته، وحوله إلى قوة فاعلة، مؤثرة، شريكة في القرار، بل تفرض، هي، القرار على المؤسسة. وأنها بدأت تعبر عن مواقفها الخارجية، بعد أن قطعت شوطا كبيرا في ملفها الداخلي. فللمرة الأولى، تخرج في شوارع القاهرة تظاهرة تطوق سفارة تل أبيب، احتجاجا على القصف الإسرائيلي لقطاع غزة. وترتفع أصوات تطالب بإعادة النظر بالعلاقة مع تل أبيب، وصولا إلى وضع معاهدة كامب ديفيد في الثلاجة، إذا كانت الظروف المحلية وغيرها لا تسمح الآن بإعادة النظر بهذه المعاهدة. وفي تونس، وفي السياق نفسه، لم يغب عن بال المعتصمين والمحتجين، وهم في خضم الاهتمام بقضاياهم الداخلية شديدة التعقيد، أن يهتفوا بصوت واحد أن «الشعب يريد تحرير فلسطين». إذن، نحن أمام متغير كبير. لم يعد بالإمكان القول فيه إن العواصم العربية والإقليمية تضغط بالاتجاه المعاكس. ولم يعد بالإمكان القول فيه إن الحركة الشعبية العربية محجوزة خلف القضبان، ومقيدة، وإن الإرهاب البوليسي يشل قدرتها على التحرك. بعبارة واضحة وصريحة: إن الكرة أصبحت الآن في الملعب الفلسطيني. *** من الطبيعي أن تعكس الحالة العربية نفسها على الوضع الفلسطيني. من بواكير ذلك التحركات الشبابية ضد الانقسام، وقد نجح القمع من جهة، والاحتضان المبالغ به من جهة أخرى، في إجهاض المحاولة الشبابية للعب دور ضاغط على أصحاب القرار. الذين كانوا يراهنون على الأنظمة والعواصم (كرمز لهذه الأنظمة) باتوا الآن مطالبين بإعادة حساباتهم، ومن الخطأ القائل أن يحاولوا استعادة التجربة نفسها مع الأوضاع الناشئة. فالتغيير الحاصل أو المرشح للحصول إقليميا، لا يقتصر على تبديل الأشخاص أو تبديل بعض السياسات. هو تغيير ذو منحى استراتيجي، ستكون له تداعياته الواسعة والمتواصلة، لأنه تغيير، لم يقف عند حدود معينة، وما زال الصراع دائرا لرسم آفاق هذا التغيير وأبعاده. والذين كانوا يراهنون على دور الحركة الشعبية، يمكنهم تنفس الصعداء، فها هي الحركة الشعبية تنطلق وتنتصر وتحتل مكانها في صنع القرار. بات على هؤلاء الآن أن يجيدوا التحرك نحو هذه الحالة الشعبية الناشئة والفاعلة وأن يرسموا حدود موقفهم منها، وقراءتهم لها، وآليات العلاقة بينهم وبينها، فكفى تغنيا بهذه الحركة الشعبية، بات مطلوبا الآن التعامل مع هذه الحركة باعتبارها حركة لبشر، لهم مصالحهم الطبقية والسياسية، ولهم تطلعاتهم المحلية والقومية، ولهم رؤيتهم للموضوع الفلسطيني الواجب التعرف عليها. إلى جانب هذا، بات من حق المواطن الفلسطيني أن يسأل: • ما دامت الأطراف التي كانت تضغط لعرقلة إنهاء الانقسام، قد انشغلت بنفسها، أو زال بعضها، فما هو السبب الحقيقي إذاً الذي يعطل إنهاء الانقسام، ويغلق الطريق نحو استعادة الوحدة الداخلية؟. • ما دامت الأطراف التي كانت تضغط لصالح الانضباط لتعليمات الراعي الأميركي وسياساته، والبقاء إلى طاولة المفاوضات سبيلا وحيدا للحل، قد غادرت الساحة، ولم يعد لها من دور أو تأثير، فما هو السبب الحقيقي إذن الذي يبقي المفاوض الفلسطيني مكبلا بقيود العملية التفاوضية ومتطلباتها ولا يستجيب لنداءات ودعوات البحث عن البدائل؟ الفرصة العربية والإقليمية المتاحة الآن أمام الحالة الفلسطينية هي فرصة تاريخية، بكل ما في الكلمة من معنى، فإما أن تستفيد من هذه الفرصة وتعيد الاعتبار للعامل الذاتي الفلسطيني، وتستنهض في السياق طاقات وإمكانات باتت متوفرة بقوة في خدمة الموضوع الفلسطيني، وإما أن تهدر هذه الفرصة، كما هدرت من قبل فرصا مماثلة. بعدها لا يفيد البكاء على الأطلال. فحركة التاريخ لن تتوقف، والتاريخ قادر أن ينجب البدائل. اقرأوه جيدا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل