المحتوى الرئيسى

لمحة من حياة الشيخ عبد المعز عبد الستار رحمه الله

04/20 15:38

بقلم: خضر عبد المعطي خضر لقد انتقص طرف من أطراف الأرض كما أخبر الله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) (الرعد: من الآية 41).   قال بعض المفسرين: المقصود منها: قبض العلماء.. وقد ودعنا الراحل الكريم والشيخ الفريد القوي الصامد، عزيز النفس، عميق الفهم، الثائر لدينه، الغيور على أمته، فضيلة شيخنا وعالمنا وأستاذ الجيل الشيخ عبد المعز عبد الستار؛ الذي كانت غيبته عن مصر في قطر لسنوات طوال سببًا في أن يحرم الكثيرون من أبناء الصف اللقاء به والتعلم منه، وهو أستاذ جهابذة الدعوة وعلمائها، لم يأخذ حظه من الإعلام والانتشار كغيره، وهم كثيرون في هذه الدعوة، وحسبهم أن الله يعلم مكانتهم ولا نزكيهم على الله، وهذا لا يعني التسليم بهذا المبدأ، ونبقى على الحال نفسها من حرمان الأجيال المعاصرة من الرعيل الأول المتبقى من الدعوة وعلمائها، وإنما علينا أن نسعى للقاء هؤلاء بتلامذتهم، وتوريث المفاهيم والنفحات والأخلاقيات والفهم الصحيح للدعوة.   فهؤلاء نماذج للثبات والصدق والتجرد والاعتزاز بالصف المسلم الواحد إلى آخر لحظة من العمر، فهم عناصر قدوة للصف، وقد علمنا أساتذتنا أن من حق الفرد على جماعته أن توفِّر له ثلاث؛ المنهج السليم الموافق للكتاب والسنة، ومحاضن التربية، وعناصر القدوة، وهذا الرجل وأمثاله من عناصر القدوة التي يُحتذى بها.   لقد عايشت الشيخ الراحل لأيام طويلة، كان يتردد فيها على القاهرة في إجازات متناثرة, وأكرمني الله أن أتعلم منه عدة مفاهيم دعوية هي من مناقبه رحمه الله؛ أولها اعتزاز الشيخ بالإسلام اعتزازًا عظيمًا، وثقته في امتلاكه أسباب التحضر كلها، ومن اللمحات التي كانت تصدر منه مناداته بالنظافة والاهتمام بها، وكان يتأذى كثيرًا عندما يرى شوارعنا ليست نظيفة, وكثيرًا ما كان يقحم هذا المعنى في محاضراته، ويذكر بالحديث الشريف "نظفوا بيوتكم وأفنيتكم ولا تشبهوا بيهود".   وكان يطرح أمثلة ونماذج يدلِّل بها على احترام الإسلام للنظافة، وتحويله إلى المجتمعات التي دانت له إلى مجتمعات نظيفة متحضرة.   ومن لمحاته- رحمه الله- اعتزاز الشيخ بأزهريته وزيه الذي لم يفارقه، ولم يظهر بغيره، كملبس شرف ودليل مهنة رفيعة شرَّفه الله بها، إنه ملبس العلماء الذي عرف به أبناء جيله، فكان هو الذي يكسو الملبس مهابة وعظمة وشموخًا.   ومن لمحات حياة الشيخ التي لا تخفى على أحد وقفته الحاسمة مع العلماء الصادقين من تلامذته وأنداده، والتي وقفها من شيخ الأزهر الراحل الشيخ طنطاوي، عندما أصدر فتواه التي أحل بها فوائد البنوك، والتي خالف بها أساتذته وتلامذته، وكان موقف الشيخ عبد المعز حاسمًا؛ حيث جاء إلى مصر، ودعا الشيخ طنطاوى والشيخ القرضاوي، أطال الله لنا في عمره وبارك لنا فيه، وهو كذلك دليل عظمة الشيخ عبد المعز، فهو أحد تلامذته، ومن كان تلامذته كالقرضاوي؛ فكيف يكون هو؟.. وكذلك دعا الشيخ في هذا اليوم لفيفًا من العلماء في بيته، في محاولة لأن يعدل الشيخ عن فتواه بعد مناقشته والاعتراض على أدلته وتفنيدها.   ومن المواقف التي تُحسب للشيخ الراحل مكانته عند علماء العصر، وهو موقف يُحسب كذلك للشيخ طنطاوي الذي كان تلميذًا للشيخ عبد المعز، ففي جنازة الشيخ الفقيه سيد سابق رحمه الله، وهو من أعلام الدعوة وفقهائها، كنت مرافقًا للشيخ عبد المعز في حضور الجنازة والصلاة عليها، وبعد الصلاة توجهت للبحث عن حذاء الشيخ وحملته، فرفض رحمه الله بشدة، وإذا بالشيخ طنطاوى يطلب من حارسه الخاص أن يحمل الحذاء، ويقول هو ابننا أيضًا؛ ولكن الشيخ يرفض أيضًا وبشدة، فإذا بالشيخ طنطاوي رحمه الله يحمل الحذاء بنفسه، ويقول لنا جميعًا هذا أستاذي أنا، وهذا واجبي أنا.   ومن المواقف التي لا أنساها للشيخ الجليل تواضعه الشديد لصغار تلامذته، فقد كان يشجعني على أن أخطب الجمعة في حضرته؛ حيث كنا نتبادل الخطبة في مسجد الشباب بمدينة نصر، وكان يحضر في خطبتي، فأطلب منه التفضل بالخطبة، فيرفض ويشجعني على الخطبة في حضرته.   ومن اللمحات الدعوية التي غرسها ونقشها فينا الشيخ رحمه الله (أن إمام الدعوة كإمام الصلاة سواء بسواء، ونداء الدعوة كنداء الصلاة سواء بسواء).. فقد ذهبت إليه في إحدى إجازاته أدعوه للقاء للطالبات الأزهريات، فأعطاني أجندة مواعيده لأدون الموعد، ولكنني لم أجد موعدًا فارغًا، فاليوم ممتلئ تمامًا بالمواعيد، فاعتذرت له قائلاً: لا مكان يا أستاذ؛ لذلك نعفيك من الدعوة، فغضب الشيخ وقال: كيف تقرر ذلك؟ هل أنت جاد في الموعد؟ هل عندكم موعد للدعوة وتربية هؤلاء الفتيات؟ فقلت نعم، قال فهل تريد لي أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون؟ لا يسعني الاعتذار عن موعد تطلبني فيه دعوتي: إن إمام الدعوة كإمام الصلاة، والدعوة هي إمامي الذي لا أتخلف عنه أبدًا, وبالفعل ألغى موعد غداء مع أولاده وأحفاده القادمين من قطر، وقال نلقاهم في وقت لاحق.   ويوم الموعد أدخل الفتيات في غرفة واسعة، وفُوجئنا بمائدة خليجية عامرة، كان قد أعدها لأولاده وأحفاده، فقال لي لقد ألغيت موعد الأولاد؛ لكنني لم ألغ الطعام فاستبدلت بأبناء النسب أبناء الدعوة.   رحم الله الشيخ رحمةً واسعةً، وأفسح له في قبره مد بصره، وجمعه بالصالحين من الأنبياء والصحابة والصادقين من التابعين والدعاة على مر العصور.. وثبتنا الله من بعده على هذه الدعوة المباركة على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وإنا والله لمحزنون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.. إنا لله وإنا إليه راجعون.   ------------ مدرس بجامعة برلين- المنسق العام للتجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل