المحتوى الرئيسى

مباني الفوضى: رؤية سينمائية للعلاقة بين عقلية العشوائيات وعقلية نظام مبارك

04/20 14:57

القاهرة - دار الإعلام العربية "هناك علاقة تربط بين سيادة نمط معين من الأفلام التي تتناول سكان المناطق الفقيرة والعشوائية في مصر، كمعظم ما أنتج من أفلام في الفترة من عام 2002 إلى 2008، وبين منظومات فكرية حكمت علاقتنا كأفراد بالنظام الذي يحكمنا". بهذه الكلمات بدأت الكاتبة المصرية "فيروز كراوية" مقدمة كتابها "مباني الفوضى.. سينما العشوائيات بين عقل طبقة وعقل نظام" الصادر أخيراً عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، والذي يقع في 140 صفحة من القطع المتوسط. ويعنى هذا الكتاب بجانبين أساسيين، الأول هو إعادة قراءة العلاقة بين الدولة وأفرادها في ضوء تحولات رصدها من خلال فيلمي "اللمبي" و"حين ميسرة"، وكيف تكون هذه التحولات هي آثار للنظام الاستبدادي وسيطرته على الحياة العامة والخاصة في مصر، وكيف يكون العنف وغياب القانون خصائص لأداء الدولة، وسلوك الفرد على اختلاف موقعه من الخريطة الطبقية. والثاني الذي يؤصله الكتاب هو كيف تساهم عملية التمثيل والتخيل هذه في تأبيد خطابات تزيد من قسوة الفوارق الطبقية، وتبرر لتمييز غير عادل نتج عن تقسيم صارخ للطبقات بين أغنياء جداً، وشديدي الفقر لدرجة لا تحتمل. وفي هذا الإطار لا تعتمد الكاتبة في دراستها فهماً للعشوائيات كمناطق سكنية للجهلة والمجرمين الذين يمارسون حياتهم في متاهات مجهولة ومقطوعة الصلة عن أحياء الطبقة الوسطى والراقية، بل على العكس، ترصد تمييع الحدود بين الروحين والعالمين، وتذويب ما يفصلهما في الحياة اليومية المعاصرة، وهو ما ظهر جلياً في الفيلمين والتعليقات عليهما. البطل الشعبي والبطل الشعبوي وأوضحت "كراوية" أنه على الرغم من أن المرحلة السابقة على فيلم "حين ميسرة" للمخرج خالد يوسف بين عامي 2002 و2007 تضمنت أفلاماً عديدة عن العشوائيات والطبقات الفقيرة، وحققت إيرادات أعلى مثل فيلم "اللمبي" ولا زالت حتى الآن تحظى بالقبول الواسع لدى مشاهدتها - فقد حظي "حين ميسرة" بالاهتمام النقدي الأكبر، ويبدو هذا الاهتمام من وجهة نظر الكاتبة انعكاساً لظاهرتين، الأولى هي النجاح الجماهيري للأفلام "الشعبية" Popular في مقابل الأفلام الشعبوية Populist.. فبينما ركزت أفلام بلال فضل وأحمد عبدالله على البطل الشعبي الذي يصارع ظروفاً صعبة فرضها واقع عبثي، يحقق بطل "حين ميسرة" انتصاراً "فنتازياً" على قوى اجتماعية متعددة، ليس أقلها جهاز الشرطة شخصياً، بما يمثله من حضور للدولة المصرية بكل هيبتها في الفيلم. أما الظاهرة الثانية التي يشير إليها الكتاب فهي التفات النقاد والتفافهم حول الخطاب الشعبوي الذي يفترض صراعاً صريحاً بين البطل الفقير والدولة المتغطرسة، ينتهي ببطولة شعبية وإن كانت مجهضة، بينما ينصرف الجمهور عن هذا الإيحاء بالبطولة، ويفضل الالتحاق بقاطرة السخرية على عدميتها، وتستدعي هذه الظواهر التدقيق في فهم النقاد والكتاب بما يمثلون من نخب ثقافية "وطبقية أحياناً" لما يتجاوب معه الناس، أو ما يتواطأ مع الخطابات السائدة، ويكرر أنماطاً باتت تجارية أكثر من أي اعتبار آخر. عنف وفوضى وتشير الكاتبة إلى أن النظام السابق حرص خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات على إقصاء ساكني العشوائيات عن الخطاب العام بصورة منظمة، واعتبرهم الإعلام الرسمي مصدر تهديد محتمل وكامن للطبقات الوسطى، وصورهم دوماً في صورة إرهابيين وبلطجية. إلا أن السينما لم تستطع إغفال العشوائيات وسكانها، حتى لا تفقد مصداقيتها، مؤكدة أن التحولات الصارخة في علاقات القوة والعنف ومستوى الممارسات الفوضوية في مصر في العقد الأخير جعلت الاستمرار في تجنب العشوائيات مستحيلاً. وتشير في هذا الصدد إلى التوازي في التحولات التي طرأت على المجتمع المصري وتجسيده في فيلمي "اللمبي" و"حين ميسره"، الذي جاء تمثيل الدولة المصرية وجهاز الشرطة فيهما مكثفاً ودالاً، فممارسة العنف والقمع ضد المهمشين والخاضعين في كلا الفيلمين أشارت إلى حالة الانسحاق التامة في مواجهة عنف سلطوي كاسح يمارسه جهاز الشرطة الشرس، وكان ساكنو هذه المناطق الفقيرة جزءاً من التركيبة الاجتماعية الكلية التي تشكلت تحت نير الاستبداد السلطوي، وتعاني من توابعه التي تتمثل في العنف والفوضى والفشل المؤسسي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل