المحتوى الرئيسى

من فقه سورة الصف

04/20 14:08

بقلم: د. توفيق علي* قال تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)) (الصف).   سبب النزول: عن عَبْدِ اللهِ بْن سَلاَمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَعَدْنَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْنَا: لَوْ نَعْلَمُ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ، عَمِلْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1).   فالصف هنا: كناية عن الانتظام والمقاتلة عن تَدَبر. عن قتادة- رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) قال: ألم تروا إلى صاحب البناء كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره، وأن الله وصف المسلمين في قتالهم وصفهم في صلاتهم فعليكم بأمر الله (2).   فالله- عزَّ وجلَّ- يحب للصف الذي يرفع رايته، وينصر دعوته، وينشر فكرته أن يكون بنيانٌ تتعاون لبناته وتتضام وتتماسك، وتؤدي كل لبنة دورها، وتسد ثغرتها؛ لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت منه لبنة عن مكانها.. تقدمت أو تأخرت سواء.. وإذا تخلت منه لبنة عن أن تمسك بأختها تحتها أو فوقها أو على جانبيها سواء.   إنه التعبير المصور للحقيقة لا لمجرد التشبيه العام.. التعبير المصور لطبيعة الجماعة، ولطبيعة ارتباطات الأفراد في الجماعة.. ارتباط الشعور، وارتباط الحركة، داخل النظام المرسوم، المتجه إلى هدف مرسوم (3).   فإذا كنا نحب الله ونحرص على رضاه، فيلزمنا إيثار محبته على محبتنا، فالمحبة توجب الإيثار، وتقديم مراد حبيبك على مراد نفسك، وتقديم محبوب حبيبك على محبوب نفسك؛ فإذا كان الحقّ تعالى يحبّ من العبد أن يقاتل على الوجه الذي ذكره؛ فمن لم يؤثر محبوب اللّه على محبوب نفسه- أي على سلامته- انسلخ من محبته لربّه، ومن خلا من محبة اللّه وقع في الشقّ الآخر في خسرانه (4).   ويوحي لفظ (مَرْصُوصٌ) أي عظيم الاتصال شديد الاستحكام كأنما رص بالرصاص، فلا فرجة فيه ولا خلل، فإن من كان هكذا كان جديرًا بأن لا يخالف شيء من أفعاله شيئًا من أقواله، فالرص إشارة إلى اتحاد القلوب والنيات في موالاة الله ومعاداة من عاداه (5).   هكذا يحب الله سبحانه وتعالى من عباده المؤمنين العاملين لدينه.   وهنا يُثار تساؤل: ما الإيذاء الذي وقع على موسى من قومه؟، وما مناسبة ذكر إيذاء سيدنا وسى عليه السلام بعد ذكر آية حب الله للصف؟   - أذى قوم موسى لموسى عليه السلام: المراد بأذى قوم موسى إياه: عدم توخي طاعته ورضاه، فيكون ذلك مشيرًا إلى ما حكاه الله عنه من قوله: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)) (المائدة)، إلى قوله: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)) (المائدة) (6).   أما ورود آية إيذاء موسى في السياق بعد آية حب الله للذين يقاتلون في سبيله صفًّا؛ إيماء لتحذير المؤمنين العاملين أن يقعوا فيما وقع فيه قوم موسى عليه السلام من عدم توخي طاعته ورضاه، وأن إيذاء القادة الشرعيين هو مما لا يحبه الله ويرضاه، ولا يليق بالمحبين لله المؤثرين رضاه أن يقع منهم مثل هذا الإيذاء.   وهنا يُثار تساؤل آخر: أن لفظ الصف ووحدته ورد في معرض الحديث عن القتال.   نقول: إذا تتبعنا لفظ الصف في القرآن، نجده ورد في ميدان إقامة الحجة والبيان.   أليس فرعون قال للسحرة (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)) (طه).   أي واعزموا على السحر من غير اختلاف بينكم, ثم ائتوا صفًّا واحدًا, وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة; لتَبْهَروا الأبصار, وتغلبوا سحر موسى وأخيه, وقد ظفر بحاجته اليوم مَن علا على صاحبه, فغلبه وقهره (7).   فالعدو وجنوده يصطفون صفوفًا لمحاربة العاملين للإسلام، كما توحي الآيات.   لكن الفرق بين صف العدو الناقم على الإسلام والعاملين، وصف المؤمنين العاملين؛ أن صفَّ العاملين، متحابٌ، متعاونٌ، متآزرٌ، متراحمٌ؛ كما يوحي بذلك لفظ (مَرْصُوصٌ).   اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل.   ------------- الهوامش: (1) المستدرك على الصحيحين: 2/ 228. (2) الدر المنثور: 14/ 445. (3) الظلال: 6/ 3555. (4) لطائف الإشارات: 3/ 576. (5) نظم الدرر: 7/ 573. (6) التحرير والتنوير: 28/ 159. (7) التفسير الميسر. -------------- * أستاذ التفسير وعلوم القرآن

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل