المحتوى الرئيسى

المراسل الأجنبى

04/20 09:35

بقلم: جميل مطر 20 ابريل 2011 09:27:03 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; المراسل الأجنبى دارت كل أحلام المراهقة حول السفر. فاقت الرغبة فى التعرف على الجديد وحب التغيير كل الرغبات. وددت لو تخرجت ضابطا بحريا أتعرّف على موانئ العالم، وددت أيضا لو عملت مراسلا صحفيا انتقل من بلد إلى آخر أنقل الأخبار وأكتب عن تقاليد وسلوكيات شعوب غريبة. وفى النهاية إستقر بى الحال عند رغبة ثالثة وهى احتراف الدبلوماسية، ففى الدبلوماسية ستتاح فرص للعيش فى مدن وزيارة موانئ والتعرف على شعوب وستكون مهمتى فى جوهرها لا تختلف كثيرا عن مهمة المراسل الأجنبى وهى البحث عن الأخبار ونقلها.لم تشبع الدبلوماسية جميع الرغبات بقدر متساو. بقيت قوية الرغبة فى أن أختار بإرادتى الحرة ما أريد أن أراه أو أعيش معه، وصارت أقوى الرغبة فى أن أكتب عن مشاهداتى متحررا من كل قيد تفرضه أصول مهنة الدبلوماسية أو قيد يفرضه الالتزام الإدارى وأصول البيروقراطية.•••تذكرت رغباتى التى لم تشبع بعد وأنا أتابع التغطية الصحفية المذهلة لأحداث ما اصطلح الناس على تسميته بالثورة المصرية. وقفت مرات منبهرا برسائل صحفية بعث بها مراسلون قضوا أياما وليالى فى ميدان التحرير، وآخرون تجاسروا فراحوا يكتبون عن الثورة من السويس والإسكندرية. إستمتعت بمقارنة معلوماتى. سواء ما كنت أحصل عليه مباشرة أو ما تسرب إلى علمى منها، بالمعلومات التى تضمنتها تلك الرسائل الصحفية. تابعت رسائل كتبها مراسلون عاشوا فى مصر من قبل وعادوا إليها مع الثورة، ورسائل كتبها صحفيون كبار تركوا مواقعهم فى نيويورك وواشنطن وبيروت ولندن وباريس وروما، وجاءوا ليجروا حوارات مع شباب وشيوخ وعمال فنادق وقائدى سيارات تاكسى وموظفين كبار وصغار. قرأت رسائل كتبها توماس فريد مان وروجر كوهين ونيكولاس كريستوف وروبرت فيسك وآخرون. وحين واصلت الثورة مسيرتها إلى اليمن وليبيا والأردن وسوريا تمنيت أن أكون واحدا من هؤلاء الذين نطلق عليهم كتاب الباراشوت..•••ليس كل ما تمنيته أدركته ودون إدراكه كله أو بعضه فى المستقبل تقف صعوبات جمة. تمنيت العمل مراسلا حين كانت مهمة المراسل واحدة من أرقى المهام الصحفية، وكانت أغلاها تكلفة، وفى الوقت نفسه كانت رسائلها الأصعب فى التحرير والإعداد للنشر، لم يكن بالأمر اليسير التأكد فى صالة التحرير من دقة المعلومات الواردة فى رسائل المراسلين على عكس رسائل زملائهم المحليين. كانت الثقة المتبادلة أول شرط من شروط العلاقة بين المسئول عن التحريرفى الجريدة والمراسل فى الخارج. كان يفترض فى المراسل الأجنبى أن يكون شخصا متعدد المواهب اجتماعى المزاج خفيف الظل ويجيد لغات عديدة ومتعمق فى فهم ثقافات الشعوب. أذكر من هؤلاء مثلا مراسلين من نوع سنو الذى كتب عن الصين ومنها مقالات تشيد بها مهنة الصحافة إلى يومنا هذا. أذكر أيضا جون جانثر الذى كتب عن دول آسيا وثقافاتها ما جعله مصدرا لا يستغنى عنه باحث أو مراسل أو دبلوماسى ساقه الحظ ليعمل فى هذه القارة. أفل نجم المهنة حين جاء يوم تعددت فيه وسائل الاتصالات الحديثة وتقدمت حتى صارت هى الرقيب على رسائل المراسلين، وأحيانا قامت بدور البديل. نسفت التكنولوجيا أهم الأسس التى قامت عليها أرقى وظيفة من وظائف الصحافة، وهى جمع المعلومات والتيقن من صدقيتها وجودتها. كان يقال إن الصحفى الكفء قادر على أن يحصل على المعلومة وإن كانت تحت الصخور أو فى قيعان الأنهار، ولا شىء أو وظيفة أخرى فى الصحافة يعلو على هذه الوظيفة. للمراسلين أعداء تاريخيون، هؤلاء المسئولون فى الصحيفة عن ضمان تدفق الأخبار الذين آلوا على أنفسهم تنفيذ مهمتين فى آن واحد هما «قتل الوقت وتقليص المساحة». هناك أيضا التلغراف الذى كان أول الأعداء وكان آخرها الهاتف النقال المتصل بالأقمار الاصطناعية. وفى مراحل كثيرة لم يتردد المراسلون فى إقامة تحالفات وشراكة مع هؤلاء الأعداء ليكونوا فى صفهم، أغلب هذه المحاولات أفلحت إلى حين، ولكن جاءت المحصلة النهائية فى غير صالح المراسلين.•••تراجعت، وللأسف الشديد مهنة المراسلين الأجانب بعد أن كانت واحدة من أرقى المهن وأكثرها مشقة ومتعة. انحسرت بعد جهد مستميت فى البحث عن إجابة عن السؤال الدائم فى مهنة الصحافة: أيهما أهم السرعة أم العمق؟ انحسرت بعد صراع طويل الأمد لتطهير سمعة المراسلين الأجانب من شبهة العمل لصالح جهاز أو آخر من اجهزة المخابرات. فازت السرعة ولم تتطهر السمعة. 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل