المحتوى الرئيسى

أحمد زكي عثمان: حين تعتصم قنا فهي تخبرنا أن الثورة المصرية مستمرة

04/20 20:35

لأسباب لها علاقة بمحاولات سحب البساط من شعار مدنية الدولة، يدفع البعض بأن مصر لم تتحول جوهريا بفعل الثورة وأن بنية الدولة والمجتمع لم يصبهما التغير المأمول. لكن على النقيض هناك من يرى أن الثورة المصرية تمتد الآن لمناطق لم يتخيلها أحد.أنا من أنصار الرأي الثاني، والدليل قنا. فبعد قطيعة تاريخية مع السياسة والارتماء في أحضان الحزب الوطني لعقود، اكتشف الأهالي في قنا السياسة بمعناها المطلبي وليس القبلي وخرجوا بأعداد غير مسبوقة يحتجون على تعيين لواء شرطة سابق عماد ميخائيل محافظا لقنا.اختفت القبلية من المشهد- مؤقتا ربما – فيما احتلت وجوه جديدة من النشطاء شوارع المدينة تهتف وتتظاهر وتعتصم.في ظني هناك ثلاثة أسباب أساسية لخروج الناس. السبب الأول (الرائج إعلاميا) هو ديانة المحافظ والتي هي مبعث رفض لبعض أهالي المحافظة. ومن هنا كانت بعض النداءات والشعارات الطائفية التي ترفض هذا التعيين.السبب الثاني: هو الخلفية الأمنية للمحافظ. سمعت أقوالا (منها حديث تليفوني مع الشيخ قرشي سلامة) زعم فيه أن ميخائيل كان مسئولا عن قتل المتظاهرين. وأنه ساهم بحكم منصبه في عملية التصفية الجسدية لأبناء قنا وغيرهم ممكن كانوا يتظاهرون في القاهرة وقت الثورة.السبب الثالث: هو الشعور الطاغي لدي بعض القنائية بأنهم تحولوا إلى فئران تجارب للحكومة المركزية. تريد الحكومة الالتفاف حول قضية التمييز ضد المسيحيين في المناصب التنفيذية العليا فتخترع كوتا للمسيحيين في المحافظات بشرط أن يكون تطبيق نظام الكوتا هذا في قنا. وبعد الفشل الذريع للمحافظ المسيحي الأول في تاريخ المحافظة (من حيث العجز عن إدارة شئون المحافظة فضلا عن تصاعد حدة التوترات الطائفية في المحافظة)، تأتي الحكومة المركزية وتعين محافظا آخر بنفس منطق الكوتا في قنا أيضا. لم أسمع أن أهالي قنا قد سبق لهم أن اعترضوا على قدوم (لواء شرطة سابق) مجدي أيوب محافظا. ربما اعترض البعض لأسباب طائفية، لكنه لم تمكنهم الظروف في ظل دولة مبارك البوليسية أن يجهروا بمثل هذه الاعتراضات.في ظني أن هذه الأسباب مجتمعة هي التي أفضت إلى العصيان المدني في مدينة قنا، يضاف إليها طبعا الشعور المعتاد من أن أبناء هذه المحافظة يشعرون ليس فقط بالتهميش وإنما بالإقصاء. يولد الأطفال الرضع في مناطق عديدة من المحافظة وهم ناقصي وزن. وهناك عمليات طبية تافهه تحتاج إلى تحمل مشقة السفر إلى أسيوط حتى ينجو المريض. تقدم النسوة كبش فداء لما يسمي “جرائم الشرف” ولا تجد المحافظة سندا سوي بيانات حقوقية هزيلة.فشلت القاهرة “الحكومة والإعلام ونشطاء السياسة” ليس في إدارة الأزمة وإنما في إدارك الأزمة ذاتها.حكومة عصام شرف (على هدى حكومة نظيف التي لم تتحدث عن الثورة المصرية طيلة أيامها الأولى) لجأت إلى خيار الصمت المتعمد عما يحدث في قنا. وفي اللحظة التي همت فيها بالحديث تفوهت عن تفويض وزارة الداخلية لسحق المعتصمين.طيلة أيام اعتصام قنا، انهمرت السماء ببيانات وأقاويل عما يحدث في المحافظة الجنوبية، لن أفاجأ أبدا لو عرفت أن بعض أصحاب هذه الأقاويل لا يعرفون موقع قنا ذاتها على الخريطة وهل تقع قبل محافظة الأقصر أم بعدها.بيان جماعة “مصريون ضد التمييز” (الصادر يوم 21 إبريل 2011) مثل على فشل القاهرة (المركزية) في إدراك الأزمة.يسلك البيان نفس مسلك الحكومة. يصمت عن حقائق ويخلط الأوراق ويخلق عدوا يصفي معه حساباته الفكرية ويدعو النظام إلى تحويله إلى المحاكمة.هذه بعض الملاحظات السريعة على البيان:أولا: أنكر بيان “مصريون ضد التمييز” العصيان المدني في مدينة قنا وأختار أن ينعته بتعبير شديد الميوعة هو “الأحداث الجارية”، قبل أن ينسبه جملة وتفصيلا إلى جماعات الإسلام السياسي، من “سلفيين وجهاديين”.الخطورة هنا تكمن في أن الآلاف التي تجمعت في مدينة قنا- (هي حيز العصيان وليس غيرها من باقي مراكز المحافظة)- لا يمكن نعتهم جميعا بكونهم من قوي الإسلامي السياسي. والنقطة الثانية أن البيان يتعامل مع أهل قنا على أنهم مجرد قطيع يسير وراء أى نافذة للتهييج واللعب على العواطف. في ظني أن صياغة حكم بهذه الطريقة مفاده أن الفاعل المركزي في العصيان هم قوي الإسلام السياسي، تفترض ببساطة أن المجموعة التي أصدرت البيان قد أوفدت بعثة لتقصي الحقائق إلى قنا، وأنه قد استقر في يقين هذه البعثة أن مصممي العصيان هم الـ “سلفيين وجهاديين”. هذا علاوة على الاستخدام الغامض للفظ “الجهاديين”. هل يعني عناصر جماعة الجهاد الإسلامية؟ أم يعني -حسب التعريف المنحط للباحث الأمريكي مارتن كرامر- بأن الجهادي هو من يشن الأفعال المخيفة والإرهابية المناهضة للحضارة.ثانيا: رفع البيان سقف التحذير من مجرد أن “الأحداث الجارية” تحمل تهديدا لقيمة مساواة المصريين إلى الزعم بالحرص “على وحدة تراب هذا الوطن” وكأن ما يحدث في المحافظة هو رغبة فعلية في الانقسام عن الدولة المركزية. هذا الوهم سرعان ما تكرر في التعبير السخيف الذي استخدمه البيان “إمارة قنا” في قوله” وتتوافد حاليا أعداد من السلفيين القادمين من أسوان والأقصر وأسيوط إلى إمارة قنا.”ثالثا: يمارس البيان عملية خلط أوراق بامتياز. حولت الجماعات “السلفية والجهادية”، “الاعتراضات المشروعة إلى اعتراضات طائفية”، هكذا صاغ البيان ما رآه تحولا في مواقف المشاركين في العصيان المدني. في اعتقادي أن البعد الطائفي ضد المحافظ اتخذه مكانه (مع أبعاد أخري) منذ يوم الخميس (بداية الاعتصام).كذلك هناك عملية ربط متعسف ببعض مظاهر التوتر الطائفي مؤخرا مثل جريمة إحراق كنيسة أطفيح، وجريمة قطع أذن مواطن مسيحي وبين اعتصام قنا. فجميعهم حسب البيان دليل على ليونة الدولة في التعامل مع حركات الإسلامية السياسي.تتطلب الشجاعة القول، إنه ورغم الخلاف العميق مع الحركات السلفية في التصور والمنهج إلا أنه لا يمكن تحويل هذا الخلاف إلى اتهام واضح وصريح بمسئولية عناصرهم المباشرة عن جريمتي أطفيح وقطع الأذن.رابعا: هناك حالة استعداء مشينة ضد ” جماعات الإسلام السياسي”، البيان ينسب لهم قيامهم بكل النقائص مثل (إشاعة) عزل النساء عن الرجال في الميكروباصات، وحادثة رفع العلم السعودي. كما ينسب البيان لهم إدارتهم لأفعال العصيان الرئيسة مثل ” قطع كل الطرق المؤدية للمحافظة، وقطع شريط السكة الحديد”. لكن المنطق يقول إن هذه الأفعال كانت تعاونا مشتركا بين آلاف المعتصمين.  ومن ثم يصبح من السخافة دعوة الجيش والشرطة “تقديم مرتكبي هذه الأعمال للمحاكمة”، إلا إذا كانت الرغبة في القبض على هذه الجموع.لم أحاول إملاء انحيازاتي السياسية والفكرية على أحد. لكني أدعو من يهتم بالقضية إلى توسيع مساحة الخيال قليلا. في ظني كان من الأفضل أن يتوجه البيان إلى أهالي قنا أنفسهم يقر فيه حقهم المشروع في التظاهر والاعتصام والعصيان المدني، ويدين في الوقت ذاته المنطق الطائفي الذي يحكم خيارات بعض (أقول بعض وليس كل) المعتصمين.لكن للأسف خرج بيان جماعة “مصريون ضد التمييز” حول الوضع في قنا متبنيا لخطابات الاستشراق المحلي حول مكان متوهم يسمي قنا. لغة البيان لا تختلف عما حملته لنا الأيام الماضية من تعليقات سخيفة توحي بـ “قرف” قائليها لما يحدث في المدينة. لسان حالهم يقول نحن غارقون في إدارة الثورة القاهرية ولا نريد للهوامش أن تزعجنا.بيان “مصريون ضد التمييز” أقرب إلى البيانات الرسمية التي تشجب وتدين، لكنها تعجز عن تحريك الأرض. بيان يتبني في نهاية المطاف منطق عبادة الدولة.آثرت جماعة “مصريون ضد التمييز” أن ترتحل إلى المجلس العسكري وتوجه له بيانا ،فيما ذهب محمد حسان إلى قنا نفسها ليستمع إلى مظلمة العباد هناك.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل