المحتوى الرئيسى

مكانة مرموقة وراتب هزيل

04/20 08:11

«فى سابقة هى الأولى من نوعها، أعلن فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر، رده كل المبالغ المالية التى تقاضاها كراتب منذ توليه مسؤولية مشيخة الأزهر فى مارس 2010، دعماً منه للاقتصاد المصرى.. وقدم المستشار القانونى للأزهر لوزير المالية شيكاً بقيمة 37 ألفاً و647 جنيهاً، هى مجموع راتب شيخ الأزهر خلال الاثنى عشر شهراً الماضية». هذا هو نص الخبر الذى نشرته «الأهرام» يوم الخميس الماضى، تحت عنوان: «دعماً للاقتصاد المصرى.. شيخ الأزهر يرد راتبه خلال عام لخزينة الدولة»، والحقيقة أن عنوان الخبر لم يكن فيه ما يدهش على الإطلاق، فهذه بادرة طيبة من رجل طيب استغنى عن راتبه، دعماً لاقتصاد الدولة فى مرحلة حرجة، ولكن الذى أدهشنى - وربما أدهش كثيرين غيرى - هو الإعلان الرسمى عن راتب شيخ الأزهر الذى لا يزيد إلا جنيهات قليلة على ثلاثة آلاف جنيه فى الشهر، وهو مبلغ شديد التواضع، خصوصاً إذا علمنا أن مقام شيخ الأزهر يتساوى من الناحية القانونية مع مقام رئيس الوزراء. قد يكون شيخ الأزهر رجلاً ميسوراً، أو لديه مصادر دخل أخرى تؤهله للاستغناء التام عن تقاضى راتب الحكومة المتواضع، ولكن المستشار القانونى لشيخ الأزهر كان حريصاً فى تصريحه للأهرام على توضيح أن الشيخ لم يتقاض أى مكافآت أو بدلات عن جميع اللجان والأنشطة والاجتماعات التى يشرف عليها منذ توليه مشيخة الأزهر، كما أنه رفض الحصول على أى مكافأة أو بدل عن اجتماعات مجمع البحوث أو المجلس الأعلى للأزهر، أو مكافأة عن امتحان جامعة الأزهر، أو الحصول على مقابل مادى عن الدروس الدينية التى يقدمها من خلال التليفزيون. تلك إذن هى مصادر الدخل الأخرى المتاحة لمن يشغل منصب رئاسة مشيخة الأزهر.. ولكن الشيخ أحمد الطيب رفضها أيضاً، لأنه من المؤكد يمتلك مصادر خاصة للدخل والعيش الكريم تغنيه تماماً عن الراتب الهزيل وعن أنهار الفلوس التى تجرى من تحت اللجان والمجالس والصناديق والاجتماعات. ورغم ذلك تبقى القضية قائمة.. إذ من هو هذا «العاقل» الذى يقبل أن يعمل وزيراً أو محافظاً أو حتى رئيساً للوزراء براتب شهرى لن يزيد كثيراً عن راتب فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر؟ وإذا قبل هذا العاقل هذه الوظيفة المرموقة.. فكيف له أن يضمن لأسرته حياة كريمة إذا لم يبادر بخلق عشرات المجالس واللجان والصناديق التى لا تخضع لرقابة مالية أو إدارية صارمة؟ إننى أعرف محافظاً، وافق فى غمضة عين على طلب تقدمت به جمعية زراعية تملك 40 ألف فدان فى زمام محافظته، بتبوير هذه المساحة الضخمة المزروعة والمثمرة منذ ربع قرن، وتحويلها إلى محجر رمل، وأقام المحافظ بوابة دفع رسوم على كل مقطورة رمل تخرج من هذه الأراضى، وكانت الرسوم تقدر فى اليوم واحد بأكثر من 20 ألف جنيه لا أحد يعرف حتى الآن أين ذهبت، والأخطر من ذلك أن 40 ألف فدان مثمرة تحولت إلى صحراء قاحلة، ومازال المقنن المائى الخاص بها يتم إهداره فى قنواتها التى لم تخضع للصيانة منذ عامين! هذا هو المنطق الذى يحكم عمل المحافظين والوزراء فى مصر، ولست واثقاً من أن ثورة 25 يناير ستغير من الأمر شيئاً، إذ يستحيل على أى إنسان عاقل فى العقد السادس أو السابع من عمره، أن يقبل بوظيفة مرموقة شكلاً ومهينة موضوعاً ودخلاً، ولا يمكن لأسرته أن تصبر على مطالب الحياة لمجرد أن عائلها أكرمه الله وأصبح وزيراً أو محافظاً لا يملك قوت يومه! إن إعادة النظر فى رواتب الوزراء والمحافظين ورؤساء مجالس إدارات الشركات والهيئات والمؤسسات ومديرى العموم ومدراء الأمن ووكلاء الوزارات، كما أن إعادة النظر فى مكافآت أعضاء المجالس النيابية، ومضاعفتها عدة مرات، كل هذا قد يؤدى إلى مزيد من الأعباء على الموازنة العامة للدولة من النظرة الأولى، ولكنه بنظرة متعمقة سيؤدى إلى توفير مليارات الجنيهات كانت وربما مازالت تتعرض للنهب بعد جبايتها بأساليب شيطانية من جيوب الناس ومن إيراد الشركات والجمعيات، وقد حرص نظام الرئيس المخلوع طيلة ثلاثين عاماً على عدم إخضاع الصناديق الخاصة فى كل المحافظات والوزارات لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات ليوفر لأعوانه مصادر دخل طائل وبلا حساب.. وهناك إجماع من كل خبراء المالية العامة والرقابة على أن حصيلة هذه الصناديق تكفى لمضاعفة أجور وظائف الإدارة العليا عدة مرات.. والباقى منها يوفر للموازنة العامة عشرات المليارات سنوياً. elbrghoty@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل