المحتوى الرئيسى

هيئة الاتصالات وتحقيق المنافسة العادلة

04/20 06:24

د. عبد العزيز الغدير يقول الباحث الاقتصادي السعودي خالد فهد الحارثي في مقالة له في صحيفة ''الشرق الأوسط'' منذ أكثر من خمس سنوات أن خبير الخصخصة البريطاني تايلور همس له خلال ندوة عن التخصيص في الدول النامية في جامعة لندن ببريطانيا أن ''برنامج الخصخصة في السعودية سيزيد الأعباء على كاهل الدولة وسيسهم في إحداث مشكلات جمة على مستوى الاقتصاد الكلي إذا لم توضع الاستراتيجيات الملائمة لأهدافه وتستكمل جميع التشريعات اللازمة لتنفيذه وطورت الموارد البشرية مهنيا وفكريا''. وأقول إنها عبارة خبير تجب مراجعتها بدقة في ظل تجربة بلادنا في الخصخصة التي تستهدف ــ كما يقول الحارثي ــ رفع كفاءة الاقتصاد الوطني ودفع القطاع الخاص نحو الاستثمار وترشيد الإنفاق العام وفي الوقت نفسه حرصها على زيادة فرص العمل المناسبة للقوى العاملة الوطنية وتوسيع نطاق مشاركة المواطنين في الأصول المنتجة، نعم فما نراه على أرض الواقع يكاد يخالف كل هذه الأهداف لغياب الاستراتيجية الملائمة الواضحة والمعلنة ومحددة المراحل زمنيا، ولعدم استكمال التشريعات اللازمة لتنفيذ الخصخصة بفعالية تحقق أهدافها وغاياتها، وندرة الموارد البشرة المؤهلة فكريا ثم فكريا ثم فكريا ثم مهنيا. خصخصة قطاع الاتصالات كانت نموذجا جميلا ورائعا في إطار سياسة التخصيص التي تعاملت الحكومة السعودية معها كخيار استراتيجي حتى دخلت شركة زين السعودية السوق كمشغل ثالث للجوال ثم شركة عذيب كمشغل ثانٍ للثابت والإنترنت، حيث دخلت السوق مرحلة المنافسة الشرسة ما وضع هيئة الاتصالات وأنظمتها وإجراءاتها على المحك، والتي وبكل صراحة لم توفق في تحقيق بيئة منافسة عادلة حسب الممارسات الدولية، الأمر الذي انعكس سلبا على شركة زين السعودية التي ما زالت تحقق خسائر رغم جهود الشركة التي لو كانت في بيئة تنافسية عادلة لانتقلت الشركة لخانة الأرباح بكل سهولة لما تمتلكه من خبرات وإمكانيات دولية، كما انعكس سلبا على شركة عذيب التي حققت خسائر كبيرة كادت أن تؤدي لإغلاقها لولا أن جاءت نتائج تصويت اجتماع الجمعية العامة غير العادية يوم السبت الماضي لمصلحة استمرار الشركة وتفويض مجلس الإدارة باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك من جهات الاختصاص. كتبت قبل أسبوعين مقالة بعنوان ''هيئة الاتصالات ودفع السوق نحو الاحتكار'' قلت فيها ''إن الحل الأمثل لتحقيق المنافسة العادلة وبالتالي منع الاحتكار المدمر الذي سينتج عن خسائر المشغلين الجدد يوجد بشكل رئيسي لدى هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات عبر العمل الجاد لتحقيق العدالة بين المشغلين وفق أفضل الممارسات العالمية''، وعلى أثر هذه المقالة هاتفني مشكورا معالي الدكتور عبد الرحمن بن أحمد الجعفري محافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات لمناقشتي في المقالة، تبعها بعد ذلك لقاء بمعاليه أوضح فيه أن الهيئة تبذل كافة الجهود لتحقيق المنافسة العادلة إلا أنها تعاني من نظام الاتصالات بصيغته الحالية الذي لا يتضمن العقوبات الرادعة التي يجب أن تكون متنوعة ومتناسبة مع حجم ما يقع من مخالفات، حيث إن النظام المطبق حاليا لا يمكن الهيئة إلا من إيقاع عقوبة بغرامة تصل إلى خمسة ملايين ريال بحد أقصى حسب المادة 38 من نظام الاتصالات، وبين أن ذلك المبلغ لا يشكل رادعا كافيا وفقا لحسابات مقدمي الخدمة، إذا ما قورن بمستوى الإيرادات والأرباح التي تحققها في السوق، ما يجعلها تتعمد مخالفة الأنظمة والقرارات التي ترى أنها تؤثر في إيراداتها أو أرباحها، كما أوضح لي أن هذه العقوبات المنصوص عليها في نظام الاتصالات لا تشمل النفاذ المعجل ولا تشمل التشهير بالمخالفين، حيث يمكن للمخالف الاستئناف لدى ديوان المظالم. معالي المحافظ أشار أيضا إلى أن المخالفات من قبل المشغلين كانت معقولة وتحت السيطرة حتى تم الترخيص لشركة زين السعودية، حيث زادت المخالفات بشكل كبير، كما بين لي أن الشكوى من التفاوت بترخيص العروض للمشغلين تتم خلال خمسة أيام وإلا فإن المشغل له الحق في طرح العرض دون الرجوع للهيئة إذا لم ترد عليه خلال هذه الأيام الخمسة، وأن الهيئة تحرص على المساواة بين المشغلين، ولا أخفيكم سرا إذا قلت بأنني خرجت من اللقاء وأنا غير مقتنع من عدم قدرة هيئة الاتصالات على تحقيق المنافسة العادلة في ظل ما لديها من قوة وإمكانيات وتشريعات، ومن قدرتها على معالجة النقص في التشريعات من وجهة نظرها بالتعاون مع هيئة الخبراء بمجلس الوزراء ومجلس الشورى على اعتبار أن قطاع الاتصالات قطاع مهم وحيوي في هذا العصر ولا يمكن التهاون مع سوقه وعناصره وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة، وعلى اعتبار أن نموذج خصخصة الاتصالات من النماذج الناجحة المحفزة لمزيد من الخصخصة وتراجعه عن ذلك النجاح ذو آثار سيئة في استراتيجية الخصخصة في بلادنا. ولكي أكون منصفا أجريت بحثا للتوصل إلى مدى جدية هيئة الاتصالات لتلعب دورها الحقيقي والمنشود في تنظيم وتطوير سوق الاتصالات وحماية كافة عناصره لتحقيق المصلحة العامة في إطار استراتيجيات الدولة ورغبتها في توفير السلع والخدمات الجيدة بأسعار متناولة وفي إطار وعي المستهلكين المتنامي بحقوقهم والمطالبة بها، وبالتالي جديتها في تحقيق مناخ لتنافسية عادلة بين المشغلين بالطرق التقليدية أو من خلال التوجه لحلول ابتكارية، ولقد فوجئت بحجم الحقائق وحجم الشائعات التي تستند إلى قرائن إذا اجتمعت قد ترتقي لمستوى الأدلة التي تؤكد أن هيئة الاتصالات لم تطبق أفضل الممارسات تجاه المشغلين الجدد من ناحية، كما أن لديها الكثير الذي يمكن أن تفعله لإنصاف شركة زين السعودية وشركة عذيب من ناحية أخرى، ولإنصاف الاقتصاد السعودي من ناحية ثالثة خصوصا أن الكثير من المستثمرين في هذه الشركات من مواطنين ومستثمرين غير سعوديين أصبحوا على ثقة تامة بأن ما يقال عن البيئة الاستثمارية السعودية المحفزة للاستثمار غير ما هو على أرض الواقع، وأن أوساطهم من مستثمرين ينظرون للسوق السعودية الكبيرة الواعدة، أصبحوا ينظرون لأسواقنا من هذه الزاوية غير المحفزة. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل