المحتوى الرئيسى

دراسة نقدية في بعض نتاج أدب الأطفال- مدينة القطط للكاتب نشأت المصري نموذجاً -بقلم د.أميمة منير جادو

04/20 15:11

قراءة في بعض نتاج أدب الأطفال (مدينة القطط للكاتب نشأت المصري – نموذجاً ) بقلم د/ أميمة منير جادو يقدم لنا الكاتب المتميز نشأت المصري مجموعة متميزة من قصص الأطفال سوف نعرض لبعضها بقراءة في المضمون للوقوف على أهم ما أثارته هذه القصص من قضايا أو مفاهيم تربوية ... ولعلنا نرى أن الوقوف على المضمون خاصة بالنسبة للأطفال هو الهدف الأول الذي يعتني به كاتب الأطفال الواعي وحيث يتبادر إلى الذهن عادة: ماذا نقدم للأطفال ؟ ولماذا ؟ ثم تختلف قضية التناول ما بين كاتب وآخر أو ما بين إبداعات الكاتب نفسه من حيث هي قصص أو شعر أو مسرح؟ ومن حيث القصص ذاتها هل هي قصيرة أم طويلة ؟ وما العمر الذي يناسب قراءة هذه القصة أو تلك عند الأطفال؟ وبأي أسلوب قدمت؟ وما نوعها؟ هل هي واقعية أم واقعية تثير الخيال أم أسطورية أم خيال علمي فقط ؟ وهل هي مؤلفة أم مستلهمة من التراث أو مُعدة عنه ؟ ... الخ هذه بعض القضايا التي تشغل الكاتب والناقد معاً ... وحيث المحصلة النهائية يجب أن تكون لصالح المتلقي (الطفل) وإلا فلا داعي للخوض في تجربة الكتابة للأطفال حيث أنها تنطوي على خصوصية واحتراف ووعي تربوي باحتياجات الطفولة في المقام الأول بالإضافة إلى الموهبة . في الواقع أنه بين أيدينا ثلاث كتب للأطفال للكاتب والشاعر المتميز نشأت المصري وقد تنوعت ما بين القصص والشعر القصصي ... سنحاول- خلال هذه السطور المتواضعة – تناولها عبر قراءة تحليلية تربوية لتمنحنا بعض مؤشرات دالة حول المحتوى ... وهذه القصص هي: 1- مدينة القطط : صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 2004. 2- أنا والنمر: صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة سنة 2004م. 3- صانعة الإشعاع: صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1992م. وهي قصة شعرية طويلة مقدمة للعمر (10 : 15 سنة). أولاً : مدينة القطط : تضم المجموعة القصصية للأطفال "مدينة القطط" للكاتب نشأت المصري تسع قصص قصيرة هي على التوالي: (القطط في خطر، قط ليس ككل القطط ، الصوت الغريب، قطقوط لا يبرد أبدا ً، مشمش يحاول أن يفهم ، القطة الهاربة ، القط الأزرق ، سجن من زجاج ، مدينة القطط ..). وكما نقرأ من العناوين نلاحظ أن القصص رمزية تدور في بيئة غير بشرية (عالم الحيوانات) وحيث يمنح [ الحيوان/الرمز] الطفل – القارئ – الرغبة والفضول والشعور المتشوق لمتابعة الحدث ذلك أن الطفل يحب عالم الإثارة وعالم الحيوان وبخاصة أنه في ألعابه ألإيهامية في مرحلة مبكرة من حياته يضفي على ألعابه وحيواناته صفة ( الأنسنة ) ، فهو يحدث الطيور والحيوانات ويتخيل كثيراً أنها تحادثه وترد عليه وتحاوره وكأن بينهما لغة مشتركة...بالإضافة لتقمصه الأدوار أثناء ألعابه لمن يشاهدهم في حياته اليومية ويتعامل معهم فيلعب أدوارهم ويسقط مافي نفسه تجاههم من حب أو كراهية أو سخرية أو قبول أو رفض أو عداء ... إلخ . ولذا فقد كان الكاتب موفقاً في طرح أفكاره ومضامينه خلال (الرمز/الحيوان) والذي تمثله القطط وبقية الحيوانات، وحيث يحب الطفل تمثل القيمة أو المبدأ خلال اللا مباشرة في الحديث وخلال عالمه الحيواني المحبب إليه بخاصة عالم القطط أو الكلاب لأنها من الحيوانات الأليفة التي اعتادها في بيئته ولأنها قريبة من نفسه ومن تعامله اليومي معها سواء كانت في بيته أو في شارعه أو عند الأصدقاء ولذا فإنه يُحسب للكاتب اختيار بعض الحيوانات الأليفة أو المعروفة للطفل حتى لا يصعب عليه تخيلها و فهمها, إنه يعرف القطط والكلاب بمعظم أشكالها وأصواتها وسلوكياتها .. الخ ولذا فإنه بسهولة يتوحد مع (الشخصيات) مجازاً عند القراءة ويسهل عليه معايشة أدوارها وفهمها بيسر وبساطة ... وفي مجموعة الحكايات (مدينة القطط) يؤكد الكاتب على مجموعة من المضامين والقيم التربوية التي تعني بسلوك الطفل من حيث التأكيد على إيجابيات هذا السلوك ويعرض السلبيات – أحياناً – التي يجب تجنبها وذلك من خلال مواقف الحكي اللامباشر داخل القصة وحوارات أبطالها. ففي قصة (القطط في خطر) يحكي عن سبعة قطط تعيش معاً لكنها تتعرض للخطر المتمثل في (كلب أسود) وكيف يتم مواجهة هذا العدو حتى يعود الأمان لحياتهم... عبر مواقف القصة نلمح بعض المضامين المهمة التي يبثها الكاتب في الأطفال مثل: القوة والجرأة والشجاعة والثقة بالذات، الهجوم خير وسيلة للدفاع، الثبات عند مواجهة المواقف وعدم التخاذل أو التردد، حالة التأهب والاستعداد لمواجهة أي خطر في أي وقت، الاتحاد قوة، إصرار الجماعة وتمسكهم بمبادئهم معاً ... ولعلي لمحت في قراءة أخرى – للمضمون – هذا الترميز السياسي للقصة بخاصة عبر مفردات أسرف الكاتب في استخدامها مثل: ( أمر القطة الصغيرة بالوقوف في الخلف لتداوي من يصاب بجرح وطلب من الجميع الثبات)صـ6.( فإذا هاجمنا الكلب سنهجم عليه دفعة واحدة) صـ 7.(نعيش معاً ونموت معاً) صـ8.(شعرت القطط بأنها انتصرت بدون معركة) صـ8.(تعاهدت جميعها على ألا تتفرق) صـ 8.(جدد نصيحته بعدم الخوف، فما دام الجميع كتلة واحدة فالنصر قريب)صـ8.(القطط في حالة تأهب مواجهة واستعدادا للحرب)صـ8.(لمس الحكيم إصرار الكلب على الحرب، وأراد أن يختبر إصراره وفي الوقت نفسه يكسب وقتاً للتفكير في خطة جديدة للدفاع) صـ9(أمر المجموعة بالتراجع المؤقت للخلف)صـ9.(الثبات .. الثبات يا أيها الرفاق ثم نتحرك معاً لتطويق الكلب)صـ9 الخ. إننا حين نقرأ هذه القصة منذ البداية للنهاية نشعر وكأننا في حرب حقيقية فعلية، وأنها بدلاً أن تكون بين البشر فهي في عالم الحيوان.. لذا فقد استخدم الكاتب (الرمز/الحيوان) لإلقاء الضوء على بعض ما يدور في الحروب أو التخطيط لها أو لإسقاط سياسي. بعض المفردات في القصة صعبة وكان يجب أن تشرح في الهوامش مثل:( تطويق الكلب ...!؟ ) على الرغم من أن القصة جميلة واستخدم الكاتب فيها التفكير ورسم الخطط والتخطيط والذكاء ... الخ , والذي كان يجب أن يتبعه بحلٍ منطقي لموت هذا الكلب ولم يكن هذا صعباً على جيش القطط التي وصفها الكاتب بالشجاعة والقوة والاتحاد والثبات إلا أننا نندهش حين يكون الحل (الخلاص من الكلب) يأتي عن طريق الصدفة ..مما أضعف العمل ... تقول الحكاية عند تقديم الحل وفك العقدة: (عند اندفاع الكلب اصطدم جسمه بسلك كهربائي مكشوف بالحائط فصعقه التيار الكهربائي ومات على الفور ... فرحت الجماعة لأنها نجت من بطش الكلب المغرور..الخ) صـ9. فلماذا هذه النهاية (الصدفة) والقصة طوال الحكي تؤكد على التفكير المنطقي والحكمة في التصرف والتخطيط ... الخ ؟ لذا نرى أن هذه النهاية لم تكن موفقة مع مضمون الأحداث وتتابعها وكان يجب التأكيد على الحل المنطقي والعلمي. فقد كان من الممكن أن تأتي النهاية وفق ترتيبات جيش القطط وتخطيطها الذكي , لكن النهاية صدمتنا...! وعفواًً للكاتب ! وفي قصة (قط ليس ككل القطط) يثير المؤلف قيمة التعالي والتكبر والغرور كقيمة سلبية لتأكيد القيمة التربوية الإيجابية المضادة وهي التواضع وعدم الغرور، وأن الإنسان لا يستطيع العيش وحيداً فهو بحاجة دائماً للآخرين مهما حاول الاستغناء عنهم أو التعالي عليهم, من العبارات الدالة على لسان القط المغرور يحدث نفسه: ( سيكون هنا هو الملك ويحيا بعيداً عن الآخرين، كما أنه لن يفاجأه بغيره من القطط التافهة) صـ12. إنه يؤكد عدم احتقار البعض للبعض الآخر أيضاً... وكأن لسان حال القصة تقول: "ولا يسخر بعضكم من بعض" المستلهمة من الآية الكريمة: " لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ...الخ". إن القصة تحكي عن (القط/الرمز) الذي تعالى وتكبر واغتر بنفسه وأراد أن يعيش بعيداً عن بقية الكائنات الأخرى لينعم بهدوئه بعيداً وبمملكته، ورغم أنه تحقق له ذلك في البداية إلا أنه تعذب وصار تعيساً بحياته هذه لأنها لم تُحقق له السعادة المرجوة التي كان ينشدها لأنه لم يستطع الاستغناء عن عالم الآخرين والتعاون معهم ... القصة جميلة ذات مضمون جيد وتؤكد مجموعة من القيم التربوية : التواضع – التعاون – العمل – التبادل الاجتماعي – عدم الاستعلاء على الآخرين. وتذكرنا بالمثل الشعبي" الجنة من غير ناس ما تنداس". وفي قصة (الصوت الغريب) : أيضاً لعب (القط/الرمز) دور البطولة وهي تحكي عن تصرف ساذج أو عفوي لقط أراد الصعود للعمارة الشاهقة وبدلاً أن يصعد على السلم فقد ركب المصعد مختفياً فيه تحت المقعد غير أن صوتاً أحدثه أخاف الركاب وأقلقهم مما أثار بينهم ربكة لأنهم لم يعرفوا ما مصدر هذا الصوت ولبثوا في حيرة. ماذا يفعلون حتى أعلن القط عن وجوده بالمصعد وانتهت المشكلة... والقصة ظريفة بسيطة الطرح، قريبة من المواقف العادية يستطيع الطفل أن يصدقها ويعايشها وهي تؤكد على عدم السخرية من الآخرين وعدم الكذب وضرورة التفكير قبل اتخاذ أي موقف وعدم التسرع حتى لا يؤدي هذا التسرع لعواقب وخيمة أو إيذاء الآخرين وفي هذا يؤكد على ضرورة الشعور بالمسئولية حيال تصرفاتنا مع غيرنا. بعض الكلمات جاءت غير مناسبة وفوق مستوى استيعاب الطفل بما لا يناسب السرد البسيط العام للقصة مثل كلمة (يفقهوا) صـ 14...وكان من الأفضل استخدام كلمة (يفهموا) فهي أكثر مناسبة للطفل، أو كان يجب شرحها في هوامش القصة إذا كان الغرض منها إضافة مفردة جديدة لمفردات الطفل اللغوية,كما أن بعض العبارات وضعت دون ما توظيف مثل (باب الطابق الرابع) صـ14. وقد أشار الكاتب مسبقاً إلى أن العمارة شاهقة ولا يهم أن يكون المصعد قد توقف في أي دور حيث لم نجد مقارنة فيما بين الطابق الرابع بغيره من الطوابق فيما بعد مثل الخامس أو السادس أو ... الخ, فلماذا الرابع خاصة! جاءت الدلالة غير موحية تماماً لأنها غير مرتبطة بدلالات طوابق أخرى. هل يقصد الكاتب أن توقف المصعد في هذا الطابق يسبب مشكلة للسكان لصعود طوابق أخرى ؟ ربما ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍. في قصة ( قطقوط لا يبرد أبداً) : يتحدث الكاتب عن قطقوط الكسلان فهو (لا يحب أن يتحرك كثيراً وهو يكتفي بالقليل من الطعام ثم ينام طويلا ) صـ17. أن الكاتب لم يذكر كلمة (كسلان) بشكل مباشر لكنه أوحى لنا بها .. ثم تحكي القصة عن قطقوط بأنه يعيش في منزل عالم اخترع له دواءً ساعده على نمو فروته (نمت فروته وصار شعرها طويلاً كثيفاً ... وأحس قطقوط بالدفء ...الخ) صـ19. لكن عندما ( أقبل فصل الصيف بحرارته الشديدة، عانى قطقوط من مشكلة خطيرة، إنه يكاد يختنق ويهلك من سخونة الجو، فجسمه ساخن دائماً من أثر فروته الكثيفة) صـ19. عندما بحث (قطقوط) عن العالِم اكتشف أنه (سافر باريس ليقوم بالتدريس في جامعة السوربون) صـ19. يطرح الكاتب في النهاية قيمة (الاعتماد على النفس) فيقول على لسان قطقوط (لو أنني كنت صنعت دوائي بنفسي لحللت مشكلتي الآن). صـ19. القيمة التي نخرج بها من القصة ( ما حك جلدك مثل إظفرك / الاعتماد على النفس)، تتسق مع بداية القصة .. فالقصة في البداية تطرح فكرة قطقوط (الكسلان) لكن بعض التفاصيل غير ذات أهمية في القصة مثل سافر العالم إلى باريس ... والسوربون! لماذا يطرح الكاتب (باريس/السوربون) تحديداً ؟ هل ليضيف معلومة جديدة للطفل ..؟ هذه المعلومة ليست بذات أهمية ولن تفيد طفل صغير يقرأ عن عالم القطط أو يقرأ له أهله , وكان من الممكن أن يكتفي الكاتب بسفر العالم لأي مكان وانتهى الأمر دون إضافة تفاصيل للحكي غير ذات أهمية تماما .. فقد شعرت باقتحام كلمات على عالم طفل صغير يهتم أكثر بالقطط والكلاب وعالم الحيوانات غير مهيأ لتجريدات أو أفكار أكبر من استيعابه لها في هذه المرحلة. في قصة (مشمش يحاول أن يفهم) : يطرح الكاتب قيمة مقدسة ومثلى وجميلة وهي تعبدية دينية أساسية في الدين الإسلامي وهي (الصلاة) ... يعلم الكاتب الطفل آداب الصلاة كعبادة مقدسة خلال هذه القصة وهي من أجمل قصص الكتاب كله , وتعد هذه القصة من القصص التي تنتمي للأدب الإسلامي،والذي يستقي مضامينه من تعاليم الإسلام والقرآن والسنة الشريفة المطهرة ,يقول المؤلف واصفاً مشمس:( لكن مشمش انزعج عندما رأى عدداً كبيراً من الناس يجتمعون بعد الأذان .. ماذا يفعل هؤلاء ؟) ص20 وقد وفق الكاتب في طرح هذا السؤال على الطفل لإثارته بالتفكير فيما يحدث عقب (الأذان) أو ما الذي يرتبط بالأذان ...؟ ثم يطرح قيم آداب الصلاة :( إنهم يتحدثون بأصوات خفيضة هامسة، إنهم يتصافحون ووجوهم باسمة) صـ 21.(بعد انتهاء الأذان وقف الجالسون صفوفاً متراصة مستقيمة) صـ21.(رفعوا أيديهم إلى أعلى ثم وضعوها على صدورهم في شكل واحد .. ماذا يفعلون) صـ21. (انتظموا في الصفوف، وارتفع صوت واحد هو صوت الإمام يقرأ آيات من القرآن الكريم والجميع صامتون)صـ21...(سمعهم يقولون معاً: آمين).. صـ21. إن الكاتب يؤكد على قدسية الصلاة والخشوع فيها والانتظام في الصفوف وعدم الحراك وهي قصة تربوية دينية هادفة جميلة تنتمي للأدب الإسلامي وتبث في الأطفال القيم التعبدية الدينية التي يجب غرسها في نفوسهم منذ الصغر . في قصة (القطة الهاربة): تبدأ القصة بمطاردة كلب عجوز لقطة شابة مما يضطر القطة للخوف والهرب بعيداً وتصاب أثتاء رحلة هروبها ... ثم أخيراً تعاونها قطة وتكتشف أنها أختها! لست أدري لماذا (كلب عجوز)؟ ولماذا (قطة شابة) ؟ هل أراد الكاتب أن يوحي لنا عبر الرمز بمطاردة غير متكافئة أو غير شريفة .. ؟ دلالة الرموز توحي بما هو أكبر من استيعاب الطفل في منطقة مضامينه الأخلاقية المجردة... إن البداية فوق مستوى إدراك الطفل لكن تعود القصة للتبسط بعد ذلك. وتثير القصة قيمة المعاونة أو النجدة أو إغاثة الملهوف وتقديم النصيحة للآخرين! لكن تأتى هذه القيم مشروطة بالاستغاثة أولاً، وضرورية لأنه قد لا يفهم أحد ما يدور للآخرين اذا لم يستنجد به يقول النص : ( وأحست القطة بالأسى لأن أحداً لا يسألها عن حالها أو يعرض عليها المساعدة .. لكن من يدري بحالها وهي لم تسأل أحداً العون .. فبدأت تموء في حزن وتوجع .. الخ) صـ27. إن (مواء القطة / الرمز) دليل استغاثتها .. ولذا بدأت تنفرج أزمتها أو تحل مشكلتها بعد هذه الاستغاثة بأن ظهرت قطة أخرى فساعدتها. لكن جاءت النهاية غريبة أيضاً وصدفة مفتعلة لا داعي لها بأن تكتشف القطة الشابة أن القطة الكبيرة التي ساعدتها هي أختها.فماالذي يريد الكاتب قوله عبر هذه الصدفة على طريقة الأفلام العربية (أبيض وأسود) ؟ لم يكن هناك ثمة داعٍ لهذه النهاية .. حيث لم تضف شيئاً وحيث أضعفت العمل من وجهة نظرنا الخاصة , هل يريد الكاتب أن يقول: أن الدم بيحن مثل اً؟ أو أن الأقدار قد تكافيء البعض عن طريق الصدفة ؟ ربما وهو منطق لا نرفضه بل هو وارد جداً في الحياة . قصة (القط الأزرق) : بداية تنتمي هذه القصة لقصص التوعية البيئية ,إذ يثير الكاتب بعض (المخالفات/السلبيات) في حياتنا للتأكيد على عكسها والتحذير منها عبر بطل القصة –كرمز- ( القط الأبيض) أولاً والذي يقع في الصبغة فيتحول لأزرق والذي يتسبب في مشكلات كثيرة لأصحاب البيت فهو لص يسرق اللحوم ويكسر بعض الأشياء لقفزه داخل البيت ... الخ ,وعلى الرغم من تسريب أصحاب البيت لهذا القط إلا أن قطاً آخر يأتيهم ويعيد التاريخ نفسه. وحيث تبدوالمشكلة ليست في القطط ولكن في أنفسنا ...فأصحاب البيت هم المخطئون لأنهم يتركون النوافذ مفتوحة ولا يحذرون، ويتركون الطعام مكشوفاً ويتركونه خارج الثلاجة ولا يضعون السلك على النوافذ ..الخ. هذه قصة جميلة جداً تذكرنا بموقف عام لبعض الناس الذين يلقون بتبعات أفعالهم على الآخرين ويعلقون أخطاءهم ومشكلاتهم على شماعات غيرهم , ذكرتني القصة ببيت الشعر القائل: نعيب زماننا والعيب فينا وليس لزماننا عيب سوانا ثم يعود الكاتب في ختام القصة ليؤكد بشكل مباشر على ما آثاره ضمنياً أثناء الحكي .. ولم يكن هذا مطلوباً حرصاً على جودة العمل الفني فيقول على لسان القط مخاطباً الطفل : ( لو أنك لم تترك بقايا الطعام مكشوفة أمام البيت، ولو أنك لم تضع الطعام خارج الثلاجة، ولو أنك غطيت كل نافذة بشبكة من السلك لانصرفت كل القطط بلا عودة ) لقد فهمنا ذلك ضمنياً فلماذا تكراره بشكل مباشر؟ ومن الأشياء غير المفهومة في القصة أن يطلب القط الآخر الأبيض من خالد أن يلونه بالأزرق كشرط ليدله على الحل السابق .. فماذا يقصد الكاتب .. لم نفهم !! فهل يفهم الطفل ؟ كان يجب أن يكون الطرح أبسط من ذلك ليناسب الطفل . في قصة (سجن من زجاج) : تطالعنا القصة منذ البداية بهذا التوجيه البيئي التربوي فالأم (ترفض أن تربي قطة في البيت) صـ32. والبكتريا تنمو فوق صورة القطة المعلقة على الحائط لأن (دينا لا تجدد هواء الغرفة، كما لا تفتح نوافذها كثيراً فلا يدخلها ضياء الشمس) صـ32. فالكاتب يشير إلى السلوك البيئي ( الصحيح/الإيجابي ) عن طريق الإشادة إلى السلوك الخطأ ...ويربط بين العلة والمعلول أو السبب والنتيجة..فالبكتريا تنمو بسبب كذا ... لكن السؤال المطروح لدينا : هل الطفل يفهم كلمة بكتريا ؟ في أي عمر هذه القصة تقدم للأطفال لكي يفهمها ؟ وعلمياً فإن البكتريا ليست ضارة بل مفيدة مثل بكتريا التخمر للخبز والزبادي والفاكهة التي تتحول لعصائر وغيرها، والضار منها هو (الميكروب) ولعله كان من الأفضل استبدال كلمة البكتيريا بالميكروبات, أو كان من الأفضل استبدال البكتريا بالجراثيم ، مع الشرح. نجد القصة تحكي كيف كسرت الطفلة البرواز الزجاجي لصورة القطة وهي تطارد حشرة أرادت أن تضربها دون أن تقصد، ويتناثر الزجاج لكن الطفلة الكسولة لا تجمع هذا الزجاج وهي لا ترتدي حذاء وتمشي حافية في البيت مما تتعرض للجرح ومشكلات أخرى لم يفصح عنها الكاتب بل أثارها في ذهن الطفل حيث يختم الكاتب القصة بسؤال مفتوح يترك للطفل حرية التفكير والتخيل حول ماذا يحدث ثانية نتيجة هذه السلوكيات الخاطئة وما الذي يمكن أن يترتب عليها ؟ وتهدف القصة في مجملها إلى توعية الطفل ببعض العادات الصحية السليمة مثل (عدم الحفاء)، (عدم الكسل) عن فعل ما يستوجب فعله بسرعة مثل : (جمع الزجاج لخطورته) والتهوية , وفتح النوافذ, وتشميس الغرف .. الخ , ويمكن اعتبار هذه القصة من قصص تعويد الطفل العادات السليمة أو (تربية العادة السليمة). في قصة (مدينة القطط): يجمع الكاتب جميع أبطال القصص السابقة من القطط ويشير إلى صفة كل قط منهم وبوضوح ومباشرة: ( فالقط الأزرق الذي أصر على اختطاف طعامه إلى النهاية والقطة الهاربة التي داست العجلة رجلها وأصبحت عرجاء، والقطة الكبيرة التي راعت القطة الهاربة، والقط المتكبر الذي حاول أن يعيش وحيداً وقطقوط الذي لا يبرد أبداً واعتمد على غيره في حل مشاكله فوقع في مشكلة أكبر. والقطط السبعة التي تصدت لعدوان الكلاب في شجاعة، وقط المصعد الكهربائي الذي تحمل المسئولية .. الخ) صـ 36. ثم يتبين من خلال هذا الاحتواء القصصي أنها في مجموعها تكون قصة جديدة، حيث يريد القط الحكيم أن يجمع القطط في مدينة خاصة بهم ليكن اسمها (مدينة القطط). وتعرض القطط خدماتها في هذه المدينة بأن تطهرها من الفئران. وتبدو لنا مطالبة القطط بهذا الحق أو الرغبة في الحصول عليه وكأنها ترمز إلى بُعد سياسي وترمز له بوضوح مما يجعلنا نصنف هذه القصة تحديداً في إطار قصص (التنشئة السياسية للطفل) إن الإطار الدرامي الذي تدور فيه والأسلوب والحوار يؤكد ذلك عبر بث مضمون (التنشئة السياسية للطفل) ونستطيع التدليل على ذلك من القراءة التحليلية للمضمون فنقرأ قيم الديمقراطية والتشاورية بداية. وكأن عالم القطط هو مجلس الشعب وبعض الأعضاء يعرضون طلبات الإحاطة للتصديق عليها. يقول الكاتب (قلت مشيراً للجميع: من يوافق على ذلك ؟ رفعت كل القطط ذيولها دليلاً على الموافقة) صـ 38.( قالت القطة الكبيرة: نرشحك أنت لتحكم بيننا بالعدل) صـ38.قالت المجموعة في صوت واحد: إذن نختار القط الحكيم لأنه فاهم وعادل)صـ38.(أنا الآن قوي، وأستطيع الحصول على حقي بالقتال).. ( لأنه وقف صامداً في مواجهة الأعداء ولم يهرب).( لا تأخذ شيئاً ليس من حقك).( نعينه في وظيفة وزير الدفاع).(كانت النتيجة فوز الحكيم العادل بمنصب الملك)... إن العبارات السابقة وغيرها مما وردت في القصة إنما تؤكد على مبادئ: الديمقراطية والشورى والعدالة والشفافية، القوة، وعدم سلب الآخرين حقوق غيرهم، الاختيار الأمثل للحاكم الذي يتمثل في العدالة حيث أن (العدالة أساس الحكم وأساس الملك) وأن العدل من أسماء الله الحسنى فهو العادل الذي استخلف الإنسان ليرسي العدل في أرضه. إن القصة يحسب لها إرساء وترسيخ مبادئ التنشئة السياسية السليمة لدى الطفل وأهمها ( العدالة الاجتماعية والسياسية ) ولتحقيق العدالة لابد من الديمقراطية والشورى والقوة , ونقرأ من البداية للنهاية ما يؤكد ذلك يقول النص:(طلب القطط أن تخرج إلى الشارع لتتشاور فيما بينها).(تقدمت لي القطة الكبيرة بطلب عاجل .. الخ).(أكدت القطة الكبيرة أن القطط ستلتزم بالنظافة والطاعة والأمانة). إن الفكرة الرئيسة بالقصة هي الحكم بالعدل من خلال الديمقراطية والشورى من جانب المسئولين وبالتالي فإن على الرعية الامتثال طاعة لأولي الأمر منهم وبذلك يسود المجتمع الشفافية في التعامل بين الحاكم والرعية ( أبناء الشعب ) لتوافر العدالة والصدق والنظافة والأمانة والطاعة ... الخ كلها قيم تؤكد التفاعل الشفاف بين الحاكم والشعب. وهي قصة يحسب لها هذا التوجه السياسي الذي يسد فراغاً في مكتبة الطفل من حيث غرس قيم التنشئة السياسية في كتب الأطفال. وفي قصة (انتباه): وهي القصة الأخيرة، وفيها يشير الكاتب صراحة عبر الرمز السياسي إلى مسألة (القطط السُمان) التي أثيرت في السبعينات عقب الانفتاح الاقتصادي فهي لفظة أطلقت على فئة من المجتمع استفادت مادياً من هذه الحقبة ولم يكن لها أي وضع أو شأن اجتماعي يهيؤها لهذا الصعود المادي بقفزات سريعة, أنه يرمز بها للشبع والكسل والتخمة عند السياسيين أو غيرهم من أصحاب رؤوس الأموال الذين كانوا من المهمشين...ولقد أوضحها الكاتب صراحة عبر النص (قال: أنني قليل الحركة كثير النوم. وأنت لم تكتب عني. قلت: أذن أنت هامشي، قال: ما معنى هامشي. قلت تعيش على هامش الحياة، يعني كسلان .. الخ). بالطبع بعدما صرح الكاتب بالمصطلح السياسي أراد أن يبسطه للأطفال للتوعية به فحصر المعنى على قدر فهم الطفل في مسألة "الكسل" وتغاضى عن مسألة السرقات أو الرشاوي أو كل الموبقات الأخلاقية التي دفعت بطبقة المهمشين لأن يصلوا للقيادة أو المناصب أو السلطة. وقد وجد الكاتب حلاً موفقاً لهذه الطبقة وهي إبعادها عن أي المناصب:(أصدر القاضي أول حكم له وهو إبعاد القط السمين عن المجموعة حتى لا يصيب غيره بعدوى الكسل) انتهى صـ 43. بهذه الخاتمة أو النهاية نجد أن الكاتب أراد أن يعرض بعض قضايا مجتمعية وتربوية بيئية وأخلاقية وسياسية عبر هذه القصص، نتمنى أن يحاول الكاتب إعادة تصنيف هذه القصص والإضافة إليها وإعادة نشرها في فئات متشابهة بحيث تكون مجموعة القصص الأخلاقية متسقة فيما بينها، وقصص التنشئة السياسية مستقلة وكذا البيئية ..الخ غير أن هذا التنوع البانورامي للمجموعة لا يفقدها جمالها أيضاً .نتمنى مزيداً من الثراء للكاتب كي يصدر أعماله الكاملة للأطفال . تحية تقدير وإعجاب بالكاتب المتميز الواعي نشأت المصري

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل