المحتوى الرئيسى

مصطفى نور الدين : ثورة .. لا ثورة تصحيح

04/20 11:40

صفحات حافلة بالتشاؤم والتشكيك في مستقبل ثورة 25 يناير تجوب الفضاء الالكتروني والصحف. وما أكتبه ليس باستثناء. ففي 15 فبراير في ملحوظة بعنوان “يساورني القلق”، على الفيس بوك، قلت : “حاولت مقاومة القلق بما تحقق من مكاسب سياسية في طريقها للتجسد.. ولكن القلق لاحقني بعدم وضع علم مصر مكان صورة مبارك ووضع الله جلا جلاله.. يساورني القلق لعدم بلورة مطالب اقتصادية للغالبية الفقيرة من العاملين.. يساورني القلق من الثورة المضادة التي بدأت ولن تتوقف من أجل الحفاظ على النظام الاقتصادي بنفس مؤسساته القديمة مع ما يعنيه ذلك من استمرارية للمجتمع الاستغلالي.. يساورني القلق لأن القوي السياسية ممزقه ولا تتمكن من التوحد. ربما كل ذلك مخاوف غير مؤسسة وأوهام حالم ؟” واليوم يظل البعض من هذا القلق يساورني.الثورة العربية الثانية ورياح التغييروبقراءات لمن قام بالكتابة عن الثورات العربية من المفكرين الغربيين المهتمين بدراسة تاريخ الشعوب بما فيها ثوراتهم نجد لديهم هذا الهم. ففي حوار مع عالم الاجتماع الفرنسي “إدجار موران”، في 22 مارس، بمجلة “لو بوان” يقول عن الثورة التي نشبت في تونس ثم مصر :”حكمتي هي أن ننتظر مالا نتوقعه وما حدث كان غير متوقع. وما له أهمية هو أن تطلعات الشباب وقسم من الشعب هي أصل هذه الانتفاضات. فهي طموحات للحرية والكرامة. وهذا يبين لنا أن الإنسان في العالم العربي والإسلامي، الذي يشاع عنه أنه خانع أو متطرف، هو في الحقيقة مثلنا… فما حدث هو بزوغ فجر وشديد الأهمية للمستقبل. فليس هناك أجمل من ثورة وليدة غير أن من يعتقد أن ثورة ما يمكن أن تظل في نفس تألق لحظة تفجرها مخطئ. فالثورات تتحول لشيء عادي على نحو ما.. ومن السهل القول أن الآخرين غير أهل للديمقراطية. فهل كنا في فرنسا عام 1789 (الثورة الفرنسية) أهلا للديمقراطية ؟ فما يحدث اليوم يثير الحماس دون أن يصل لحالة الفرح. فكل شيء لم يتم انجازه بعد.”ولكي نعطي بعدا أوسع لأسباب القلق لابد من نظرة على المحيط العالمي إذ سوف تتأثر سياساته بالثورات العربية كما سيحدث تأثيرا محليا لا رجعة فيه. فمع اندلاع ثورة تونس ثم مصر لم يكن الموقف العالمي غائبا بالنصح أو الطلب أو التردد. ثم تجاوز ذلك بالتدخل العسكري مثلما هو الحال في ليبيا وإن كان ذلك قد تم فبسبب عجز جامعة الدول العربية ومنحها إشارة خضراء لمجلس الأمن وللدول الغربية بجانب تبني المعارضين للقتال بعكس الثورات العربية الأخرى. فكل من تلك التدخلات تعكس ما تمثله المنطقة من أهمية بالغة من اجل البترول ولحماية إسرائيل والخوف من الهجرة غير الشرعية والإرهاب وكذا في داخل الإستراتيجية العسكرية. وهذه كلها عوامل حددت لماذا يتدخل في بلد بهذا الشكل وفي بلد غيره بطريقة مختلفة. ويكشف كذلك عن العواقب الناتجة عن نجاح الثورات وأشكال التحالفات المقبلة والتغير المحتمل داخل تحالفات الغرب فيما بينه. ولكنه يعكس بشكل خاص عدم المقدرة على قراءة واضحة للثورات وبالتالي انعدام اتخاذ مواقف واضحة لفترة ثم التصرف المنعزل لكل دولة بحسب حساباتها وبلعب سياسة تعادلية.وفي 6 مقالات، نشرت بين أول فبراير و15  أبريل، تعرض المؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي الكبير “إيمانوئيل فاليرشتاين” للثورة التونسية والمصرية والليبية وعلاقة ما يحدث بالسياسة العالمية. وأطلق على الظاهرة في أول مقال “الثورة العربية الثانية : الرابحون والخاسرون” ثم تبنى في مقاله، في أول مارس، عنوان “رياح التغيير في العالم العربي وما يتجاوزه” باعتبار أن الثورة بدأت تتجاوز الحدود وتصل للأردن واليمن وسوريا والبحرين ولن تتوقف عند حدود الدول العربية… وبقراءة لخلاصة المقالات يمكن التركيز على بعض المحاور التي تعرضت لها.يعتبر “فاليرشتاين” أن الثورة العربية الأولى هي تلك التي اندلعت عام 1916 بقيادة الشريف حسين بن علي للاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية. ولكن الحال اليوم يكشف عن عوامل داخلية وخارجية تتغير بسرعة وتخلق وضعا لا يمكن معه تكوين رؤية أكيدة لما سوف تنتهي إليه الأمور فتوجه وقوة “الرياح” يتغير بحيث يصعب القول إلى ماذا ستقود.وأن المشكلة التي تواجهها الثورات التي تشتعل هي عدم وجود قوة سياسية منظمة وفاعلة في البلدان العربية يمكن أن تستند على الشارع كقوة ضاغطة وصاحب الكلمة في إحداث التغيير. والاستثناء هو ما يخص الحركات الإسلامية إلا أنها من مشارب مختلفة ولذا فالتنبؤ غير ممكن بالقوة التي سوف تكسب المعركة النهائية فالمسألة غير أكيدة حتى الآن. غير أن قناعته هي أن الشعوب لن تتراجع لفرض إرادتها. وأنه إذا طالت حركة الرفض السعودية وفلسطين فإنه لن يستثنى أي بلد عربي من حدوث تغيرات فيه. وأن إسرائيل سوف تضطر، أرادت أم أبت، لإعادة النظر في سياستها وتأخذ بعين الاعتبار المطالب الشرعية الفلسطينية ولكن ذلك متوقف على نهاية الخلافات الفلسطينية وتوحد حركتها.والخاسر نتيجة ما يحدث في تصور “فاليرشتاين” هو الولايات المتحدة والدول الأوربية. ومحاولات الغرب هي السعي لتوجيه الرياح والتحكم فيها والحد من قوتها غير أن سلطة الغرب لم تعد كما كانت. وبحسبه أن القوى الخارجية التي سوف تستفيد من كل تلك التغيرات هي كل من إيران وتركيا إلا أن المستفيد الأكبر هو الشعب.والضغوط التي تمارس لتحجيم الثورات ترجع لمخاطر انتشارها في دول الجوار الأخرى إذ صداها قد يمتد للدول الإفريقية ويجبر النظام العالمي إلى مراجعة سياساته الخارجية وتحالفاته وإستراتيجيته. فعلى سبيل المثال، في 15 فبراير، كتب “فاليرشتاين” مقالا بعنوان “المنتدى الاجتماعي العالمي، مصر والتحول”. فيه يظهر مدى الخوف الذي بدأ ينتشر في البلدان المحيطة بمصر. وتجلى هذا في وقت انعقاد “المنتدى” في دكار بين 6-11 فبراير 2011. ولأن دكار وافقت على مضض بعقد “المنتدى” على أرضها قبل انعقاده بعدة شهور فإن اندلاع الثورة في تونس ثم في مصر حمل المخاوف من انتقال الثورة إلى السنغال. وصعب على الدولة إلغاء انعقاد “المنتدى” فكان الحل هو تعيين عميد جديد للجامعة التي سيعقد بها وذلك قبل أربعة أيام من بدء أعماله وحضور ما بين 60 ألف و 100 ألف شخص من أنحاء العالم ولم يلتزم هذا العميد بتوفير الأماكن المخصصة للمنتدى ووضع 40 صالة فقط تحت تصرفه في حين يلزم 170 صالة. وبرغم الفوضى التي عمت في اليومين الأولين كثف “المنتدى” أعماله وانشغاله الأساسي كان ما يدور في مصر حيث سقط الطاغية مبارك في ذات يوم انتهاء المنتدى. وأنهي المنتدى أعماله بتحديد يوم 20 مارس كيوم للتضامن العالمي مع مصر والشعوب الأفريقية. ولقد لاقى هذا اليوم مظاهرات واسعة في كل أنحاء العالم.ويشير “فاليرشتاين” في مقال 15 أبريل “الشرق الأوسط والتحالف المضطرب” إلى التغيرات التي حدثت في السياسة العالمية. وما طرأ على علاقة الولايات المتحدة من تغيرات هامة مع دول المنطقة ومع الدول الأسيوية ومع أوربا الغربية. ففي المنطقة يمكن الكلام عن أزمة بين السعودية والولايات المتحدة بعد موقف الأخيرة المرحب علانية بترك مبارك السلطة للمجلس العسكري وانتقادها للعنف الذي مارسه نظام مبارك ضد الثوار. فالسعودية لم تنظر لهذا التراجع بعين الرضا وغضبت أيضا من انتقادات الإدارة الأمريكية الخجلة للتدخل السعودي في البحرين.والتحول فيما بين الغرب يتمثل في بلبلة في السياسة الخارجية بين والولايات المتحدة أوربا الغربية فمنذ سنوات تحاول الأخيرة اتخاذ قراراتها كهوية مستقلة نسبيا عن الولايات المتحدة وهو ما كانت الإدارة الأمريكية تنظر له بعدم الرضا خاصة وأنه يجمعهم عمل مشترك في حلف شمال الأطلسي بجانب مشاركة الدول الأوربية، ولو رمزيا، في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في حروبها خاصة حرب العراق وبشكل أخص في الحرب ضد القاعدة في أفغانستان. ولكن التدخل العسكري المباشر في ليبيا عكس تغيرا هاما. ففي السابق كانت الولايات المتحدة تدعو الدول الغربية للمزيد من المشاركة بقواتها في تحالفاتها في الحروب. أما اليوم فأوربا الغربية هي ما يدعو الولايات المتحدة للمزيد من المشاركة في التدخل بجانبها في ليبيا. وهذا التردد وكذا التحول في التوجهات يعكس التردد العميق للغرب عامة في الكيفية التي عليه التعامل مع الوضع الجاري والذي لا يعرف إلى أين سيقود والعواقب المحتملة على مصالحه. إذ يلزم التنويه إلى أن السياسة الغربية تجاه ليبيا كانت تتسم في السنوات الأخيرة بالتوافق بل بالتنسيق في قضايا مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية والتعاون المالي والتكنولوجي.ولكن عندما تحرك الشارع السياسي ضد الحكام لم يجد الدبلوماسيون الغربيون الحل مباشرة للذي عليهم إتباعه. غير أن التردد الدولي تحكمه قاعدة كتبت حولها في 17 يناير على الفيس بوك إبان اندلاع الثورة التونسية قائلا :”… عبرت عن قلقي بالأمس عما يدور بتونس وأتمنى أن تكون مخاوفي في غير محلها… ولن أغلق أبواب الأمل في أن يواصل التونسيون حركتهم حتى شاطئ الآمان. ولكن الأمر أكثر تعقيدا لأن المسألة ليست تونس فحسب ولكن دول الجوار والدول التي تم تدجينها في المنطقة وحتى إفريقيا. ولذا فللغرب كلمته في المسألة لأنه لن يسمح بإعصار يهدد كل مصالحه القديمة والجديدة. سوف يسمح بموجة عاتية تهدأ وترطب الجو وتبعث بعض النسيم وبشرط استمرار مصالحة دون ضرر.ولكن هناك مقولة من المقولات التي أسمعها تطرح الكثير من التساؤلات حول العقل (الثوري) فهو إما متخشب مازال يرجع لكتب لم يعد يسمع بها من أحد ويطرح نظريات وحركات لا علاقة لها بالواقع لأنها أصبحت كلام كتب ولا يتمكن من طرح الجديد بداية من الواقع أو أنه (يقرأ أو يضرب الودع) ويقول أن هذا لن يحدث هنا أو هناك ليخفي (خيبة أمله). وهو يماثل من قالوا بنهاية التاريخ.. وقناعتي الافتراضية أن التاريخ لا يتوقف ولدينا أدلة وكذلك أن التاريخ دون حدود. وما قد يقع من ثورة هنا قد يحدث هناك.. وليس شرطا أن يكون صورة طبق الأصل فلكل حركة خصوصيتها ولكن كما قالت حركة 68 في فرنسا (لا مستحيل إلا المستحيل). فلعلهم يتذكرون”.ولسنا بحاجة للتدليل أن كل دول المنطقة مثلها مثل الدول الغربية لا تريد حدوث انقلابات جذرية في أي من المجتمعات التي تندلع فيها الانتفاضات. فالجميع يريد أن يحصر الحريق في نطاق ضيق حتى بعد انتصار الثورة جزئيا كما هو الحال في تونس ومصر.القلق في الداخلإن القلق على الثورة المصرية، كما على الثورات العربية، مرجعه كذلك حالة اليتم السياسي.. فالشباب قاموا بما لم يكن في الخيال ثم سقط في أيديهم. فالحمل أثقل من التصور. واليتم الذي أعنيه هو الفراغ السياسي. فكل الذين مارسوا السياسة طوال نصف قرن لم يتمكنوا من فهم ما حدث وعجزوا عن بلورة “نظرية” أو نظرة لقيادة الثورة. وسقط غالبية قدامى السياسيين والأحزاب في التسابق للتقرب من السلطة أي سلطة فازداد انفصالهم عن الشباب. وبرغم أنه انفصال قديم كان للبعض أوراق يمكن أن يلعب بها لأنه لم يكن فاقدا لكل قيمة لدى الثوريين لو التحم وقدم نقدا ذاتيا وتبنى شعارات الثورة وسار بها في مسار طويل بعيد المدى بأفكار واضحة. فاللحظة التاريخية نادرة والشعوب لا تقوم بثورة كل يوم.فالقضية الأهم اليوم هي أن الثوريين يلزم عليهم التنسيق. فالكفاءات من القيادات في كل حركة مطالبة بعقد ندوات مشتركة لمدد طويلة ويشارك كل توجه بورقات عمل بتصورات علمية مؤسسة على الواقع الفعلي وليس بالخطابة والكلام الإنشائي وبرفع مطالب فعلية للمواطنين في كل المجالات والأنشطة. ومن هذا الندوات تتحدد إستراتيجية للتحرك في الواقع على كل المستويات. أي في الشارع والمدينة والقرية وبأفضلية من أولاد كل محل. وبالتأكيد لكل مكان كوادره التاريخية وتلك التي ظهرت مؤخرا. ويتحدد أيضا توحد في الحركة من اجل عدم فض الحركة وكأن الأمور تم انجازها وأن الدولة سوف ترعى كل المطالب. فهذا الوهم لابد من الوعي به. فالدولة مازالت هي الدولة القديمة مع تغيرات تشبه الكراسي الموسيقية. وبدأت تتضح الصورة أكثر بعد الاستفتاء على الدستور الذي لم يتسم بالبراءة سياسيا. إذ نكاد بعد النتيجة نعرف من الذي سوف يجلس على معظم المقاعد إن لم يكن على كل المقاعد. فإذا وعى شباب الثورة ومن تحالف معها بتلك المخاطر فليس أمامهم إلا خيار الاستسلام للقادم أو محاولة الجلوس على بعض المقاعد على الأقل.ويضاف لعوامل القلق حقيقة أن الخطورة في أي ثورة تأتي من الثورة المضادة ولكن أيضا من داخل الحركة بتفجرها الذاتي وبعملية تخلص كل فريق من فرق أخرى. أي ظهور التنازع على القيادة والتخلص من الرفيق المنافس أو التمسك الحرفي بأيديولوجية. كل الثورات تمر بتلك المراحل ولا يكاد يكون له استثناءات من الثورة الفرنسية إلى ثورة 52 إلى ثورة الجزائر أو الثورات الإفريقية. كل تلك أمور بحاجة لنقاشات وشفافية وطرح الإيديولوجيات جانبا ومحاولة إبداع سياسي جديد لمجتمع إنساني يأخذ من ثقافة المجتمع ويثريه بقيم إنسانية تقبلها الغالبية. وهذا الشكل تحمل بذوره شعارات ثورة 25 يناير. فقط ما يلزم هو الذهاب بها خطوات أوسع للأمام وفي العمق.إن تحول يوم غضب لثورة عفوية تجاوزت أحلام الغاضبين أوجد حالة من “الفوضى الخلاقة” بسبب الضياع التنظيمي إذ فاقت بحجمها واستمراريتها كل توقع من قبل الداعين ومن قبل النظام البوليسي الحاكم. وتجسدت وسيلة النظام في المواجهة بالعنف كحل أوحد من منظوره وكممارسة تعود إتباعها بفاعلية عبر سنوات إلا أنها هذه المرة فاقت إمكانياته. فبرغم 846 ضحية و 6500 جريحا استمرت المقاومة.الجيش وصي على الثورة أم جزء منها ؟ومع نزول القوات المسلحة وسط الجماهير وضحت نسبيا الصورة بعدم تعرضها بالعنف للمتظاهرين وكان معناه السياسي أنه تولي للسلطة، من تلك اللحظة، وتحميه الجماهير. وبحسب الجيش كان مناصرة وتبني للثورة ولمطالبها. والتفسير يختلف بين كل من التحليلين.فلو أن الجيش يناصر مطالب الثورة ويحميها لكان ذلك قد تجسد في ترك السلطة للثوريين وقيام الجيش بمهامه الوطنية. ولكن الثوريين لم يطرحوا مسألة الاستيلاء على السلطة أصلا في أي لحظة وأكثر مطالبهم تشددا حتى الآن هو وضع “وصي” على كرسي الحكم متمثلا في “مجلس رئاسي من شخصيات مدنية وعسكري” لفترة انتقالية حتى تتم انتخابات لرئاسة الجمهورية. وهذا المطلب لم يتحقق بل لم يتم التعرض له في أي لحظة كحل يمكن تبنيه من قبل المؤسسة العسكرية وربما يرجع ذلك إلى أنه “ابتكار سياسي” غير معهود كنظام حكم. ويضاف صعوبة تصور توافق بين شخصيات متعددة من تيارات إيديولوجية مختلفة إلا في حالة قيامها بعملية تجرد تام من كل أيديولوجية وتبنيها لمطالب الثوار. ولكن أي من مطالب الثوار يجب الالتزام بها ؟ ومن الذي له حق الإشراف على المجلس الرئاسي ؟ وماذا لو تقاعس عن تنفيذ المطالب ؟ ومن له حق مطالبته بالتنحي أو طرده من السلطة؟ وما هو موقعه القانوني والدستوري؟ وكيف يمكن حل الخلافات التي قد تتفجر بداخله ؟ كل تلك قضايا تستحق التعمق والبحث عن حلول جديدة لظروف غير متوقعة. ويظل أحد الحلول الممكنة بإمكانية فرز قيادات توافقية من القوى الثورية تشارك في الفترة الانتقالية وتكون تحت مراقبة قواعدها الجماهيرية وأن يقبل المجلس العسكري لعب دوره الوطني ويترك للسياسيين أمر السياسة. فدور الجيش كحامي للثورة في تلك الحال سوف يدخله التاريخ فعليا كمناصر للثورة في انطلاقها والحاضن لتحققها.إن المجلس الأعلى استحوذ على كل السلطات لأنه لم يكن هناك من بديل آخر في الأفق السياسي. ولا أحد بإمكانه تصور ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أن الجماهير واصلت احتلال الشارع بعد إبعاد مبارك عن السلطة حتى يتم تحقيق مطلب “مجلس رئاسي”. فما تحقق من أعلى شعار رفع : “الشعب يريد إسقاط النظام” هو جزئية “إسقاط الرئيس” والبعض من بطانته. فإسقاط النظام يتم اليوم وبالتدريج ولا نعرف إلى أي مدى سوف يذهب هذا السقوط. فالمجلس العسكري يتبنى تكتيك عسكري في الهدم يلوح كأنه تنفيذ لمطالب الثورة ولكن أيضا كضرورة للتمكن من السلطة بإزاحة رئيس الجمهورية وكبار رجال الدولة حيث يشكل وجودهم عقبة للاستيلاء الكامل على السلطة نظرا لما يمتلكونه من قوة على الأرض في كل مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية. مع ضرورة التعبير عن الاندهاش بترك من تم سجنه من رموز النظام في احتكاك يومي فيما بينهم مما قد يسهل عليهم إدارة الثورة المضادة من داخل الزنازين مع أعوانهم في الخارج.فمن السذاجة الاعتقاد أن الشأن السياسي غريب على المجلس الأعلى للقوات المسلحة. فالمشير طنطاوي وزير الدفاع في حكومات مضت وشارك في جلسات مجلس الوزراء وبالتالي فهو يعرف ما هي السياسة ومارسها طوال زمن طويل في الداخل وفي علاقاته مع دول العالم. ويمكن القول بأن قادة الأسلحة جميعا لا يعرفون فقط ما السياسة بل هم صناع لها. فالبطء في تنفيذ مطلب “إسقاط النظام” يتسق مع منطق محكم بالتخلص بالتدريج من الرؤوس. ولكن ذلك لا يعني أن القاعدة التي كان يديرها هؤلاء الذين سقطوا سقطت بدورها. فسقوط نظام يتم حينما يتم ضمانة بديله القادر على كيفية تصريف الأمور من الألف إلى الياء لضمان بقاء الدولة بمؤسساتها وقاعدتها الاقتصادية.واستبعاد فكرة أن قادة القوات ليس لهم في السياسة ومن ثم قراراتهم بطيئة لابد أن تؤخذ بمعنى آخر. فقراراتهم تدرس وتنفذ كتكتيك عسكري لتحقيق إستراتيجية محددة. فهدم الدولة بكاملها ومرة واحدة يحرمهم من وضع اليد والسيطرة على كل الملفات التي ورثوها عن النظام المباركي. فالحفاظ على بعض الدعامات من هذا النظام لفترة جوهريا لاستمرار وجود الدولة. ويشكل الضغط الثوري، برغم محاولة تحجيمه، ورقة ضغط للتسريع بعض الشيء في التخلص من قواعد النظام. فالوضعية الراهنة مزدوجة تجسدت في ثورة شعبية خلقت وضعا مناسبا للقوات المسلحة لقلب نظام الحكم جزئيا وثورة سلمت أمرها للقوات المسلحة.إن نزول الجيش لميدان التحرير وفي المدن وعدم الصدام مع الثوريين كشف عن شرخ في قلب السلطة التنفيذية ومخططها للتوريث وربما لتجديد رئاسة مبارك. فنحن أمام شرخ مزدوج من ناحية بين المواطنين والدولة والشرخ داخل الدولة هو ما وجد فيه الجيش الفرصة لإعلان طلاقه من طرف واحد وانحيازه للثورة. وتحقق ذلك بسهولة لأنه لم تكن هناك قوة أخرى يمكن أن تحول دون الجيش وتحقيق إستراتيجيته.وفي ظل التكتيك الذي تتبعه منذ ذلك القيادة العسكرية نلمس اتساع الشرخ بينها وبين البنيان القديم ولكن لكي لا تصبح إستراتيجية المجلس العسكري مجرد ترميم بإتباع سياسة “ثورة تصحيح” يلزم على الثوريين الحفاظ على التعبئة في حدها الأقصى مع محاولة ألا يهدد ذلك بدوره بشرخ بين المجلس والثوريين. فتحاشي اتساع الهوة بين حماة الثورة في الأمس ومن يحاولون إلجامها ممكنة بقبول المجلس العسكري لقيم الثورة وتنفيذها.أن تسمية الأشياء بأسمائها في تحليل سياسي أمر ضروري حتى لا نظل نتحسس الكلمات. هو انقلاب إذن على نظام مبارك وما يلزم هو ألا يتحول إلى انقلاب على الثورة وأن يصبح أقصى ما يمكن تقديمه للثوريين هو بعض التنازلات الشكلية التي ترضي أو بدقة تقود إلى تمزق القوى الثورية وذلك باللعب على العوامل النفسية بأنه يستحيل عمل كل شيء فورا وأن ما تم انجازه خطوات للأمام بالقياس بالماضي المباركي وأنه من الضروري الحفاظ على القاعدة الاقتصادية كما هي إذ لا يوجد بديل لها وليس في البرنامج أن تلعب الدولة دورا اقتصاديا يغضب المعسكر الغربي الليبرالي الذي يمنح عدة مليارات من الدولار كمساعدات سنوية.وهنا يلزم طرح سؤال جوهري عن العلاقة بين الحكومة المؤقتة وبين المجلس الأعلى. من الذي يقرر سياسة البلد ؟ إن رئيس الجمهورية وفي الحال الراهنة المجلس العسكري له السلطة العليا ولكن الحكومة هي الموكل لها قيادة السياسة اليومية في المجتمع في كل المجالات. فعند اتخاذ قرار بفض اعتصام، مثلا، هل القرار يأتي من المجلس الأعلى أم من وزير الداخلية ؟ من البين حتى الآن أن المجلس هو الذي يتخذ القرار بدليل أنه هو الذي يعقد مؤتمرات صحفية لتفسير أو تبرير تصرفاته. وربما يرجع ذلك لحالة الشلل النسبي لقوات الشرطة وعلاقتها بالشعب والتي فسدت إبان أيام الثورة الأولى وتولي الجيش مسؤولية حفظ الأمن ؟ثورة شعبية لا ثورة تصحيحإن الإشكاليات التي تواجهها الثورة متعددة. فمحاكمة رموز النظام السابق جميعا عن كل الجرائم حيال الشعب لا تقدم مجتمعا جديدا. ولقد رسم المجلس الأعلى حدود المجتمع الجديد ليس فقط بالدستور المؤقت ولكن أيضا بالقوانين المتعارضة من المطالب التي تسمح بتشكيل أحزاب جديدة. والأكثر خطورة القانون الذي يحد من ممارسة حق الإضراب والاعتصام والتظاهر وفرض أن يكون ذلك غير معطل لعملية الإنتاج. فالقانون على هذا النحو يفرغ قضية العصيان الشرعي من محتواها إذ أن الإضراب عن العمل والتظاهر وسائل ضغط من العاملين لنيل البعض من الحقوق أو لتحسين شروط العمل.يضاف أن إصدار قوانين مجحفة لتأسيس الأحزاب هو عدم تقدير لأهمية التربية السياسية للمواطنين التي يجب النظر إليها على أنها لمصلحة المجتمع عامة وليس لمصلحة الأحزاب خاصة بعد الثورة وبداية عهد جديد. فهي مساهمة في نشر الوعي السياسي لكي يمارس المواطن حقوقه السياسية التي تصب في مصلحة الوطن ومصلحته والتي لا تقل أهمية عن محو الأمية فهي محو للأمية السياسية وتدريب على ممارسة الديمقراطية. علاوة على أن حرمان الأحزاب من التعبير عن فئة أو طبقة اجتماعية قضية باطلة. فمصالح ومطالب الفلاحين أو العمال أو الموظفين ليست هي ذاتها. وكل الأحزاب في العالم تستند إلى مصالح طبقات أو فئات في جانب منها إلا في الدول الدكتاتورية.والأسلوب الأمثل هو أن يفتح المجلس أبوابه المغلقة ويكون نتيجته فتح حوار شفاف. ففكرة أن النظام القادم، بعد الانتخابات، هو الكفيل بتنفيذ مطالب الثورة هو التفاف على الثورة. إذ نعرف مقدما أي قوة سياسية سوف تصل إلى السلطة في ظل عدم الاستعداد السياسي للقوى السياسية الموجودة حاليا سواء القديمة أو التي تتشكل اليوم. إن عدم تنفيذ الحد الأقصى من المطالب في تلك الفترة الانتقالية من الممكن أن ينتج عنها فيما بعد استمرار في التناقضات بين الثوريين والسلطة الجديدة حتى لو كانت صناديق الانتخابات هي الحكم. ولذلك فالمطالب الحيوية الذي يجب الإصرار عليه هو إطالة الفترة الانتقالية لسنة على الأقل وإلا فهم من تقصيرها إرادة فعلية لتحجيم للثورة. فالمباراة لم يمنح لها الوقت اللازم واللاعبون غير مهيئين.الثورة مستمرة يلزم الوعي أن ما حدث ويحدث ليس ثورة بالمعني التقليدي الدقيق وأن ما يستمر هو ثورة من نوع جديد نتيجة غياب القوى السياسية التي كان من المفترض أن تستحوذ على السلطة. فهي بدقة حالة ثورية أو لحظة تاريخية ثورية تضعنا أمام ظاهرة متفردة. فهذه الحالة الثورية لكي تنجز ثورة حتى النهاية هي في حالة اشتباك مع من هم في السلطة وإن فض الاشتباك لابد أن يحدث. فالمخاطر تأتي من انفجار صراع بين الثوار والقوات المسلحة وهو ما يعني الدخول في نفق لا أحد يعرف منه مخرجا. والحل هو أن يحدث توافق بين الطرفين ويتنازل الجيش عن مشروع الحفاظ على النظام القديم في ثوب جديد. أي بدقة أن يقبل خلق مجتمع مدني كلية بقيم عصرية وإنسانية ويعود الجيش لممارسة دوره الوطني التقليدي في الحفاظ على أمن الوطن. وبرغم أنه لا شك في أن خروج نظام دكتاتوري جديد مستبعد بعد ثورة 25 يناير فإن الشكل النهائي يظل غير واضح حتى لو تسلمت السلطة قوى مدنية بعد انتخابات الرئاسة.وحالة الاشتباك الراهنة لها عواملها ومنها أن المؤسسة العسكرية هي من نسيج الدولة التي تهدمها. ولكن لا يمكن إغفال عامل اختلاف الأجيال إن لم نقل صراع الأجيال. فمصر مجتمع أبوي مثله مثل باقي المجتمعات العربية. للكبير سلطة يعتبرها طبيعية على الأصغر. والقيادات العسكرية كلها هي في وضع يماثل وضع الآباء لغالبية الثوريين. يضاف أن التربية العسكرية تضيف عوامل أخرى تزيد من الهوة في قيامها على قيم خضوع الأخر الأصغر رتبة لأوامر الأكبر. وعندما ينادي الثوار بمطالب يمكن تصور أن القيادة تستشعر انقلابا عكسيا في العلاقات وكأن الأدنى والأصغر هو من يملى على الأكبر والأعلى رتبة. والحرج غير منطقي حقيقة إذ أن المطالب لا تأتي من أفراد وإنما مجموع الثوار الذين يمكن القول دون حرج بأنهم ملايين المواطنين. ولكن هنا أيضا تعاود نفس الفكرة التكرار. فالحاكم في الشرق اعتبر نفسه دائما بمثابة الأب لمجمل الشعب وهو من يعرف مصلحته ويقرر بدلا عنه أموره. ولقد شهد تاريخنا دائما تلك العلاقة الأبوية بالحاكم ففي كل مرة حدثت مشكلة مع وزير أو رئيس وزراء طالب أصحاب القلم من الرئيس التدخل للإنقاذ.من أكبر المخاطر في التاريخ إن الثورات قد تشهد فترة مد ويتبعها فترة تراخي وفترة تحلل وانهيار. والمد هو لحظات التفجر حتى يتم السيطرة على السلطة من قبل من فجر الثورة. والتراخي بتوهم أن بالوصول إلى تلك المرحلة أنجزت الثورة مهامها. والانهيار ببداية الصراع بين القيادة الثورية والتنافس على القيادة والزعامة. وهذا تبسيط مخل لحركة التاريخ فمن الممكن أيضا أن تتعرض الثورة للإجهاض فور اندلاعها إن فقدت القيادة والتوجيه الرشيد. فمبعث الحيرة ناتج من عجز القوى السياسية وخاصة من بين التقدميين حتى الآن في لعب دور قيادي ولا أقول قيادة الحركة. فالانشغال بصراعات الزعامات فات زمنه فالشعب هو من يقود. فالانشغال الغالب لدي الجميع هو تأسيس أحزاب جديدة وهو إيجابي غير أن الأكثر إلحاحا هو التوحد في حركة واحدة أو على الأقل تكوين جبهة بين الأحزاب والعمل من داخل الأطر والجماعات المتواجدة وبلورة أفكار للمقاومة معها وتطوير برنامج اقتصادي واجتماعي تتبناه كمطالب. فلا يمكن أن يعمل كل في داخل “دكان خاص به” في حين أن الثورة تخص الجميع من كل الطبقات والفئات وخاصة الفقيرة منها في كل مجال وتلك التي تطالب بمجتمع مختلف. يضاف أن المخاطر سوف تكون عواقبها السلبية على الجميع.إن ما تعكسه حالة الانفصام الراهنة ليست أقل خطورة على الثورة من الثورة المضادة التي يديرها النظام الراهن والذي لم يسقط منه إلا القليل متعاونا مع من يشوهون بجهل مطبق القيم التي تنادي بالعلمانية والديمقراطية والمدنية. فنحن نعرف ماذا تعني الدولة وإلى أي حد هي كائن مركب وأن سقوط أفراد لا يعني انتصار ثورة. وهذا أكثر صحة لأنه لم يتم الاستيلاء على السلطة وإنما تم منح التفويض للمجلس العسكري والحكومة لتنفيذ بعض المطالب. مع العلم أن “الوصي” على الثورة لن يمنح الثوار ما يطالبون به فمصالحه هي في الحفاظ على الدولة كما هي مع بعض التضحيات. ذلك يعني أنه من الضروري القيام بعملية مسح لممارسات السياسية وخاصة لدى التقدميين ليس بنقد ذاتي لتعذيب الذات واتهام الآخر ولكن لكيفية بلورة وعي بأهمية المرحلة وما تطلبه من إبداع سياسي في الممارسة. وعند ذكر التقدميين بشكل خاص فذلك لأنهم يحملون مشروعا احتماليا بمجتمع جديد وعصري وأكثر إنسانية تتحقق فيه قيم لا نزاع حولها ورفضها هو حبس للمواطنين في عبودية جديدة تفرض عليه خنوعا لقيادات تتلاعب بالدين سياسيا.ولأن ما حدث ويحدث في مصر هو ثورة شعبية فيجب الحيلولة دون تحويلها لتصبح مجرد “ثورة تصحيح” على نمط ما فعله أنور السادات بالتخلص من رفاقه ووضعهم جميعا في السجن بعد وفاة عبد الناصر. إن هذه اللحظة التاريخية من الممكن أن تلهم القوات المسلحة بتبني كل قيم الثورة والعمل على تحقيق المجتمع الجديد الذي يحلم به الشعب. هنا يمكن أن تكون الثورة المصرية متفردة ليس فقط بالكيفية التي قامت بها ولكن أيضا بهذا التلاحم بين الجيش والشعب ليس كشعار وإنما كحقيقة. وتلك العلاقة تستلزم استبدال سياسة العنف والقمع بسياسة الحوار والتفاوض والعمل على تلبية مطالب المواطنين كأولوية وكتعبير عيني عن أن دولة جديدة يتم بزوغ عصرها في المحروسة.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل