المحتوى الرئيسى

بوتفليقة الواهن.. هل يصلح لبلد مريض؟

04/19 19:12

رشيد بودراعي بينما كان الرئيس الجزائري بوتفليقة يقدم الوعود في خطاب طال انتظاره، بإصلاحات شاملة تستهدف تغيير وضع ازداد انسداداً منذ وصوله للحكم، أرسل لي صديق رسالة نصية تقول: "رئيس مريض يصف العلاج لبلد مريض". خطب بوتفليقة في الملايين الذين تحفزهم أخبار الثورات في العالم العربي وهو منحن قليلاً إلى ضغوط شارع بات أكثر إلحاحاً على التغيير، تكلم الرئيس الوهن وقال إنه سيغير الدستور ويعدل قوانين الانتخابات والأحزاب والإعلام وسيعزز حقوق الإنسان، وسيشن حرباً بلا هوادة على الفساد، لكن هل يمكن أن يصدق الجزائريون رئيسهم المنهار صحياً والمترهل سياسياً؟ ليس هذا السؤال الوحيد الذي يجدر بالمتحمسين لبوتفليقة الإجابة عنه.. فليس واضحا أيضاً إن كان لرئيس أن يقدر في سنة واحدة على ما عجز عن تحقيقه في 12 عاماً، هي فترة حكمه حتى اليوم، لماذا يغالط بوتفليقة الجزائريين ويلقي بالمشكلة على الدستور وعلى القوانين؟ إذ لا يغيب عن أذهان المتابعين للوضع في الجزائر أن نصوص القانون التي تضمنت حرية التعبير وتشكيل الأحزاب وإصدار الصحف والانتخابات النزيهة سارية، لكن نظام الحكم المغلق القائم هو الذي يخرقها بداية بالانقلاب على المسار الديمقراطي في 1992 وانتهاء بتمكين بوتفليقة من الرئاسة في انتخابات مزيفة في 1999 انسحب منها ستة مرشحين من أكبر الساسة في البلاد ولم ينافس فيها بوتفليقة إلا نفسه. لطالما بنى بوتفليقة حكمه على إنكار وجود أزمة سياسية في الجزائر، ولطالما تبنى أفكار قادة الجيش ممن يرون أن التسوية مع الإسلاميين المسلحين يمكنها أن تخلق تسوية مع كافة المجتمع، أي أن يحصل شراء الأمن من هؤلاء الإسلاميين ثم بيعه لبقية الشعب. وعلى هذا ظهر بوتفليقة في خطابه مشيداً بما سماه بإعادة السلم إلى البلاد. وفي ذهنه لا يمكن لشعب أن يسأل عن الديمقراطية والحريات وهو الذي كان يبدأ ليله في التسعينات بعد منتصف النهار بقليل. وهذا هو مفتاح صفقة الحكم في الجزائر بمعنى: أعطيكم الأمن مقابل الصمت. نتيجة ذلك بعد سنوات حكم بوتفليقة أن الرئيس يعيش في الصف الآخر من بلد انقسم إلى صفين: الأول لجماعات الحكم، والثاني مجتمع لاصلة له بحكامه، رئيس لا هو قادر على المضي في قيادة نظام مغلق وفاسد يتحول مع مرور الأشهر إلى خطر عام على الجزائر، ولا هو قادر على العودة ليأخد شرعية حقيقية من مجتمع لا يرى حلاً إلا بالخلاص ممن يتصرفون في بلد منذ الاستقلال (49 عاماً) كما لو أنه ملكية خاصة. وفي الواقع يواجه بوتفليقة مشكلة مصداقية مع شعبه ومع الدول الغربية التي يستعطفها دوماً كي تعطيه تقييم صواب حكمه، لقد ضيّع بوتفليقة وقادة الجيش الذي يقاسمونه السلطة جميع فرص الإصلاح حتى بات الحل الوحيد للأزمة الجزائرية هو انتحار جيل بكامله نجح في حرب تحرير وفشل في بناء دولة. لقد صنع بوتفليقة لنفسه مأزقاً مع المصداقية عندما أدار ظهره لوعوده بالمضي قدماً في التجربة الديمقراطية المترنحة، فأقفل الساحة السياسية ومنع الأحزاب، ولم تشهد الجزائر اعترافاً رسمياً بحزب واحد منذ 1999، سنة تولي بوتفليقة الرئاسة. واعتبر الرئيس ذلك - بسوء أو بحسن نية - مفتاح تطويق الفوضى وتمادى في قرارات تعزز قبضته، فمنع المسيرات وسيطر على التلفزيون والإذاعات الحكومية وأصدر أوامر بمنع الترخيص لصحف جديدة، وأقصى معارضين يحظون بسمعة واسعة (الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي والزعيم التاريخي حسين آيت أحمد) من منافسته، وأبعد النقابات المستقلة من التفاوض مع الحكومة خلال حركات الاحتجاج.. فهل يمكن أن نصدق بوتفليقة المثقل بسجل مخزٍ لا يشهد له أمام الديمقراطية؟ في بعض الأحيان يثير بوتفليقة الشفقة حتى لدى أشد خصومه، لقد بدا وهو يلقي خطابه الأخير كما لو أن الرجل أجبر على الكذب. فلن يقتنع أحد بنواياه في شن حرب على الفساد بينما لايزال يحتفظ برموزه، ولم نر تحقيقات مع وزير النفط السابق شكيب الذي ولدت تحت مسؤوليته فضيحة بمليارات الدولارات في شركة الطاقة "سوناطراك"، يضاف له وزراء وعسكريون على صلة بمشروع الطريق السريع شرق-غرب، الملطخ بالفضائح المالية، يتحركون بعيداً عن القضاء الغارق هو الآخر في التبعية للبيروقراطية ونفوذ عصب الفساد والمافيا المالية والسياسية. من الصعب أن يلمح الجزائريون رئيسهم المفروض من الجيش في صورة المصلح والمؤمن بالديمقراطية حينما ينظرون إلى رصيده من الممارسة في الحكم، فقبل حصوله على ولايته الرئاسية الثالثة في أبريل 2009 أبدى بوتفليقة انبهاره في خطاب أمام كوادر الدولة بتجربة "الاستقرار" في تونس ومصر، وقال إنه يحسد الأشقاء على نعمة، وفي الواقع كان ذلك يمهد لطرح بوتفليقة تعديلاً دستورياً انتزعه من برلمان ضعيف تدين غالبية أعضائه بالولاء لأجهزة الأمن التي تعيّنهم، تعديل ألغى بموجبه تقييد الفترات الرئاسية المحددة باثنتين، تماماً كما فعل بن علي ومبارك من قبل. لكن هل لايزال بوتفليقة يعتقد أن الرئاسة مدى الحياة "استقرار" بعد النهاية المأساوية لزعيمي تونس ومصر السابقين؟ ثمة مخاوف تتراءى اليوم في الساحة الجزائرية، والإشارات المقلقة بشأن المستقبل القريب لا تتوقف، نظام عاجز عن فعل أي شيء، استهلك نفسه لكنه يخشى التغيير الذي يعني بكل الحالات نهايته. وفي كل مرة يضيع الفرص على البلاد ويضيف النار إلى الهشيم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل