المحتوى الرئيسى

في ريادة الأعمال الإمارات نموذجاً بقلم:د. خالـد الخاجـة

04/19 18:06

الريادة الحضارية والفكرية وسر بقاء الأمم شامخة فتية قادرة على الصمود مهما كانت صعوبة التحديات وجسامة الأخطار المحدقة بها، هو الضخ الدائم للدماء والأفكار الجديدة في أوصالها، عبر تحسس المشكلات والوعي ببواطن الضعف والثغرات، والبحث الدائم عن حلول، والتنبؤ وصياغة فرضيات جديدة، واختبار الفرضيات القائمة وإعادة صياغتها أو تعديلها، من أجل التوصل إلى حلول أو ارتباطات جديدة باستخدام المعطيات المتوافرة، ونقل وتوصيل النتائج للآخرين. وهي تعني الطلاقة في التفكير والأصالة والحساسية للمشكلات، وإعادة تعريفها وإيضاحها بالتفصيلات والإسهاب، حتى يتم التعامل معها بفاعلية. والتفكير الاستراتيجي، الذي يجعل الريادة في شتى الميادين مبتغاة، لا يحدث من فراغ، ولكنه نابع من القدرة على الوعي بالمشكلات وإعادة تعريفها، والتحرر من الجمود الفكري من أجل الوصول إلى حلول فريدة، حتى وإن لم تكن أسباب الحل في المتناول، فلا بأس من السعي إلى البحث عنها وإيجادها، وأن تكون لدينا دائما البدائل في حالة تعثر مرحلة من المراحل. كما أن التفكير الريادي لا يكتفي بالنظرة الآنية، إلا أنه يملك القدرة على اختراق حدود سياج الواقع مهما كانت كثافتها وعتمتها، متطلعا إلى فضاء مستقبلي أرحب وأوسع يبدو مثالياً، إلا انه يصبح فيما بعد عين الحقيقية حين تدق ساعتها. أقول هذا لأن الدفعات المتتالية، وإن أردت الدقة الدفعات الشبابية، التي يشهدها الاقتصاد الإماراتي من دعم مشاريع رواد الأعمال الصغيرة، هي من أهم أشكال الإبداع أو التفكير الريادي في المجال الاقتصادي، حيث أكدت التجارب الواقعية فضلا عن النظريات الحديثة، على أهمية الدور الاقتصادي الذي تلعبه مشاريع رواد الأعمال الصغيرة والمتوسطة، في دعم عملية التنمية والنمو الاقتصادي. وذلك من منطلق أن هذه المشاريع، هي مصدر الابتكار والتجديد ومورد رئيس لفرص العمل خارج قطاع الحكومة. وفي إحدى الجلسات، أشارت الدكتورة فاطمة الشامسي أمين عام جامعة الإمارات العربية المتحدة ـ في المؤتمر الذي عقدته كلية إدارة الأعمال في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا بعنوان ريادة الأعمال ـ إلى أن الدراسات الاستقصائية في دولة الإمارات بينت تنامي أعداد مشاريع رواد الأعمال في السنوات القليلة الماضية، فقد تزايد عدد مشاريع رواد الأعمال خلال الفترة من ‬2003 إلى ‬2008 بنسبة ‬200 ٪، واستحوذت إمارة دبي على ‬45 ٪ من عدد المشاريع، تلتها أبوظبي بنسبة ‬32 ٪ ثم الشارقة بنسبة ‬16 ٪، والإمارات الأخرى بنسبة ‬7 ٪. لقد تركزت مشاريع رواد الأعمال في قطاع التجارة والتجزئة، والتي حظيت بنصيب الأسد من هذه المشاريع بنسبة وصلت إلى ‬73 ٪ من جملة المشاريع، تلتها مشاريع الخدمات بنسبة ‬16 ٪ ثم مشاريع الصناعة التحويلية بنسبة ‬11 ٪. وفي تقديري أن ما يؤخذ على البلدان العربية هو المركزية الحكومية على كافة الأنشطة التنموية، مما يؤدي إلى تقييد الإبداع والانفتاح لمواجهة العديد من المشكلات المعوقة لمسيرة التنمية في تلك البلدان، وأن الحكومات في هذه المجتمعات غالبا ما تأخذ الدور الكبير في هذه العملية، مدفوعة بالرغبة في السيطرة المطلقة على الجوانب كافة، وإخضاعها للتوجيه المركزي الذي قد يعيق التنمية في كافة المجالات، ويجذر ثقافة الاتكالية انتظاراً لما قد تطرحه الحكومة المركزية من مبادرات يقوم الأفراد بالسير في ركابها، للدرجة التي تعطل لديهم أي فكر خلاق نابع من بنات أفكارهم، أو دافعية للإنجاز تساعد تلك الحكومة على تخطي الكثير من المشكلات بالجهد الفردي الذي يكون في نهاية المطاف حالة مجتمعية نهضوية، نابعة من رؤية شعبية قد ترى جوانب تغيب عن القيادات المركزية أو لا تلقى اهتماما ذا بال. كما أن دعم المشروعات الصغيرة في أبسط ملامحه، هو إيمان القيادة بقدرة الإنسان والثقة في أنه بلغ سن الرشد في الفكر والإرادة والإمساك بزمام المبادرة، الأمر الذي يجعله قادرا على التمييز بين الصالح والطالح ومؤهلا لتنفيذ أفكار مبدعة، لكن يفتقر أحيانا لمن يمد له يد المساعدة، وهو ما تقوم عليه وترعاه الحكومة الآن عبر عدد من المؤسسات الداعمة لمبادرات رواد الأعمال، مثل صندوق خليفة ومؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب، وغيرها من المؤسسات الداعمة والمحفزة لمثل هذه المبادرات. ومما لا شك فيه أن أفكار الشباب مهما كانت بساطتها في الظاهر، إلا أنها قد تفاجئنا بنجاحات كبيرة يتم تعظيمها وتنفيذها على المستوى المركزي. هنا يتغير الحال، فبدلا من انتقال الفكرة رأسيا من أعلى إلى أسفل، يصبح أفراد المجتمع هم الذخيرة الاستراتيجية للمجتمع ومصدر إمداده بالأفكار التي لا أشك لحظة في نجاعتها، لأنها أفكار مرتبطة بثقافة جيل جديد ورؤية جديدة بعيدة عن الأفكار الجاهزة، وقد تكون متسرعة أو متهورة، لكنها في نهاية المطاف تكسب أصحابها تجارب وتصقل شخصيتهم، للدرجة التي كان من الصعب أن تتحقق دون المرور بهذه التجارب. وفي هذا السياق نحن نصنع شيئا آخر، وهو إعداد وتأهيل وفرز وانتقاء القيادات التي تتحمل مستقبل هذا الوطن، والتي من غير الممكن أن تتكون شخصيتها بين يوم وليلة دون المرور بانتصارات وانكسارات تصنع القدرة على التحدي والنهوض من العثرات إن حدثت، لتجديد المحاولة التي من المؤكد أنها ستنتهي بالنجاح. إن الآفة التي أصابت العديد من أقطار أمتنا العربية على امتداد عقود، هي أنها تجاهلت قطاع الشباب واستخفت بأفكاره وآرائه، ظنا منها أن هذا الجيل ليس لديه ما يقدمه. لكنني شاهدت مبادرات شبابية في الاقتصاد والثقافة في بعض الأقطار العربية، على محدوديتها، قامت بنشاط موازٍ للأنشطة الرسمية، وتفوقت عليها أحيانا وخرجت من رحمها نماذج ناجحة، بدأت صغيرة إلا أن طموحاتها كانت كبيرة وإرادة أصحابها كانت أكبر، للدرجة التي جعلت بعضهم يتولى حقائب وزارية بعد أن نجح في ما ظن البعض أنه أضغاث أحلام، ولكن تلك الأحلام باتت واقعا معاشا. وعندي أن دعم المشروعات الصغير يجب أن لا يقتصر على الجانب الاقتصادي وحده، ولكنها الفكرة التي يجب استلهامها وتطبيقها لتصبح سياسة عامة؛ في الفن والموسيقي والثقافة والأدب وكافة المناحي المجتمعية. مفاد هذه الفكرة أن ندعم أفكار الشباب، وأن نعطيها المزيد من الثقة التي بلا شك تمثل الجانب المساند للأداء الحكومي، وتصب في الأخير في سجل إنجازاته. د. خالـد الخاجـة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل