المحتوى الرئيسى

الثورة العربية ثورة إسلامية بقلم:محمد الحمّار

04/19 17:23

اليوم وقد مرت قرابة ثلاثة أشهر على ثورة تونس والعرب، نحن في وضعية حرجة: إما أن الذين قاموا بالثورة مسلمون إذن فلإسلام دخل في اندلاعها، وهو موقفي منذ البداية. وإما أنهم سيكتفون بالشعار المُسكن والمخدّر:"الحمد لله، ليس في الثورة شعار ديني أو قومي أو إيديولوجي"، ويذعنون لأحد خيارين اثنين مَريرين: أحدهما يقضي باستهلاك نصف قرن من الزمن في السجالات والنظريات التي ستؤول إلى العودة بنا إلى قرون الانحطاط، والآخر يحكم علينا بمجرد التنازل عن الإسلام دينا لنا، مادامت الثورة قد تجاوزته في كافة الأبعاد؛ وهذا الخيار الأخير المُبكي المضحك، في الآن نفسه، هو ما تريد أطراف الشر والجهل أن تستثير بواسطته بالشباب المسلم. لو عدنا إلى ردهات اندلاع الثورة العربية في تونس وكذلك في البلدان العربية الأخرى لرأينا أن القاسم المشترك بين الثورات كلها ومُحركها الأساس إنما هو لا شيء غير الحرية. وهذه لعمري فرصة العمر تتاح للفكر الديني الإنساني وللفكر عموما لا فقط لكي يصطف إلى جانب الحرية وإنما لكي يؤصل مفهوم الحرية فيه وبكل قوة. وبالرغم من الحضور القوي لمُحرك الحرية، والذي لم يعرفه الشباب المسلم أبدا مقترنا بالإسلام، هل يمكن الحديث عن حرية في الإسلام ومن الإسلام في ضوء الثورة العربية؟ بكلام آخر هل الثورة العربية ثورة إسلامية؟ إن مراجعة برقية لتاريخنا المجيد ونظرة سريعة إلى فترة نزول الوحي على النبي الأعظم محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم وانطلاق البعثة تؤكد لدينا أن الغرض الأول منها إنما هو التحرر من الجاهلية ومن كل ما كان يشوب واقعها من خرق للنظم الإلهية وللقوانين والسنن التي شرعها الله في الديانات السابقة للإسلام. إن الحرية في مفهومها التاريخي المبسط هي نفسها التي مارسها شعبنا والشعب العربي في الثورة المعاصرة التي نعيش حقبة من سيرورتها. فليست هنالك حرية وحرية. ومن هذا المنطلق نفهم كيف أن الثوار في هذه البلدان لم يثوروا فقط على الأنظمة السياسية الحاكمة، الديكتاتورية والمستبدة، وإنما بالموازاة لذلك ضد كل الأنساق الدينية السابقة وخطاباتها. ولئن لم يثوروا عليها مباشرة وعنوة وبوعي (ولم يقولوا لها "ديغاج"/ "ارحل") إلا أنهم بتركهم إياها جانبا وبعدم الاستناد إلى أي شعار ديني أثناء أدائهم الثوري البديع، يكونوا قد عبّروا ضمنيا عن عدم صلاحية تلك الأنساق والطرق والخطابات للمسار الثوري ولا لعملية التحرر من العبودية ولا لسيرورة الحرية التي فتحت أبوابها على مصراعيها. فالذي فسد عند المسلمين ولم يستعملوه بناءا على فساده ليس الإسلام ولكن الوسائل المساعدة على بلوغ الحرية بواسطة الإسلام. والدليل على هذه الثورة الضمنية ضدّ الخطاب الديني الحالي، العقيم كوسيلة تحرر، عدم انسجام أئمة المساجد مع الحدث، وكذلك ركون الفكر السياسي الديني في حالة من الصمت الرهيب. وقد فضّل الأئمة والمشايخ والقادة السياسيون الدينيون الحذر على ما قد يتسبب فيه تصريح في غير محله من سخرية أو نقد أو تهكم أو لوم أو نعت بالتأخر. لأن فعلا كان الفكر الإسلامي، بحكم تأخر وسائله التحررية، متأخرا عن حدث الثورة. فأي خطاب يصلح اليوم لاستئناف السيرورة الثورية والتحررية في هذه الظروف المتسمة برفض القديم؟ أهو خطاب ديني أم لاديني؟ أعتقد إجمالا أنه سيكون الخطاب الذي يعيد للإسلام بريقه التحرري ويشحذ الوسائل المستحدثة لاعتبار كل تحرر ينجزه المسلمون منبثق من الحرية الإسلامية و لتدعيمه وتثبيته وضمان استدامته. فأعتقد أنّ ما حرّك الرسول وأتباعه الأوائل في ثورة واجهت عبدة الطاغوت الذي كان سائدا في الجاهلية هو نفسه ما حرك الثوار التونسيين والعرب اليوم ضد الجاهلية المعاصرة المتمثلة في الحكم الاستبدادي. والذي حرك المسلمين الأوائل هي المفاهيم والقيم والتعاليم التي ينطوي عليها الإسلام المصدري. لقد كان مفهوم الحرية مرتبطا بذلك الزاد الثقافي الوافد عليهم من الوحي الإلهي. ولا أرى مانعا في أن يكون الإسلام المصدري هو نفسه مصدر إلهام ثوار تونس والعرب اليوم، اللهم في حالة واحدة: اليأس من ربط مفهوم الحرية الثورية المعاصرة بمفهوم الحرية في الإسلام. وإن كان الأمر كذلك فلا هي غلطة الإسلام ولا غلطة الحرية ولا غلطة الثائرين؛ إنما هي غلطة النخب التي لم تجذر معنى الحرية والتحرر في الإسلام. فالذي ينبغي أن تفهمه النخب المثقفة اليوم أنّ هذه المفاهيم و القيم والتعاليم، بناءا على أنها موجودة فينا اليوم، في البنى الشخصية والاجتماعية، على عكس حقبة البعثة الأولى والإسلام المصدري، لا تستوجب تمشيا مماثلا للتمشي الأولي والأصلي لغاية تأصيلها في مفهوم الحرية. إذ إنّ في صدر الإسلام كانت عقلية العرب ونفسية العرب وعاءا فارغا قابلا لاستيعاب تلك المادة الدينية الجديدة، وبالتالي كان هؤلاء العرب قابلين لاستيعاب المادة الإرشادية بشكل معيّن، الشكل الذي كانت تتطلبه عملية الانغراس في الوعي لأول مرة. أما اليوم والمسلمون في وضع الحامل للمادة الثقافية (الدينية) المنغرسة فيهم على امتداد 15 قرنا، فلم تعد مسألة التحرر وخطاب التحرر متعلقة بالغرس والتزويد والإقحام للمادة التحرّرية في عقل وقلب الراغب في الحرية، وإنما أضحت تتطلب وسائل جديدة ومقاربات جديدة وطرق ومناهج جديدة لأداء الغرض المطلوب اليوم: غرض التحيين والتفعيل. والتحيين والتفعيل اجتهاد جديد بحاله ينطلق من واقع (الحدث الثوري) ويتجه نحو النص الديني بغية التصحيح والتنقيح أو التأكيد والتثبيت، وليس العكس. وهذا الصنف من الاجتهاد يهدف إلى أن يقبل المسلمون في المقام الأول، ثم العالم بأسره، بأنّ ما يفعله المسلمون فهو من الإسلام. ولمّا كان الأمر كذلك فيحق القول إنّ ثورة تونس والعرب لا بدّ لها من مواكبة الزخم الثوري. وإلا فيسقط الهرم الشامخ للثورة بمجرد الشك، لا قدر الله، في أنّنا إمّا لم نعد مسلمين لكننا ثوار ضد الاستبداد، أو في أننا مسلمون، بلى، لكن كتب علينا الاستمرار في العيش تحت نير الاستبداد. أي الخيارات الثلاثة أفضل يا ترى؟ ولِم لا نقبل بأن المسلمين ثاروا بتلك الطريقة المدنية وأن تلك الطريقة هي الطريقة الإسلامية من هنا فصاعدا؟ محمد الحمّار الاجتهاد الجديد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل