المحتوى الرئيسى

عفواً ... إحترس من الديمقراطية بقلم:م. طارق القرم

04/18 22:32

دعوني أحلم معكم قليلاً في بعض الإفتراضات الجدلية التي سأفندها في صور أو مشاهد مسرحية .. الفصل الأول رهط من الرجال على درجة عالية من الخبرة والدراية بالطرق يستقلون حافلة تاهت في الصحراء و معهم مجموعة كبيرة من الأطفال الذين لم ينتهوا بعد من إكمال المرحلة الإبتدائية .. واستفسر السائق عن المخرج المناسب الذي يجب أن يسلكه حتى يصل بهم إلى المنزل وكان السائق يستشيرهم مضطراً لأنه لم يخرج إلى تلك الصحراء من قبل ولكنه يعلم أن هناك طرقٌ كثيرة وكلها متاح لبدء رحلة العودة . إحدى هذه الطرق مسدود عند منتصفه و سيتطلب الأمر عودة الجميع وقتها إن سلكوه بالخطأ وطريق آخر محفوف بالمخاطر قد يعرضهم للسقوط من أعلى الجبل . وطريق يمر على مطاعم وجبات للأطفال وبه ألعاب و وسائل ترفيه ولكن ليست به محطة خدمة وقود واحدة خلال مئات الأميال طوال الرحلة وطريق مناسب و سريع وآمن هو الذي سيصل بالركب إلى بر الأمان . ولكن أين هذا الطريق ؟؟ أقلية من حكماء الحافلة من رجالها الأكفاء هم الذين يعلمون السبيل الأصلح للجميع و أتخيل أن هناك حوارات ستجري بين الكبار لتحديد المصير بأحسن خيار .. ولكن ما رأيكم لو اختار الجميع الديمقراطية سبيلاً بينهم وقام الأطفال بلا استثناء للتصويت وضربوا بحوارات الخبراء عرض الحائط . ما رأيكم فيما لو اختار الأطفال مثلاً الطريق الذي به وسائل ترفيه ومطاعم بصرف النظر عن الوقود . ما رأيكم في إصرار السائق على مشاركة كل طفل ليدلي بصوته لإختيار أفضل طريق حتى ولو حدث ما لا يحمد عقباه . الفصل الثاني مجموعة أكثرها شلة من الشباب غير المسؤول في صحبة قلة قليلة من الحكماء . هؤلاء سأفترض أنهم من الشريحة غير السوية من الشباب وليست الفئة الواعية المدركة المتزنة منهم . تلك الشريحة التي تتخذ مثلاً أحد المطربين الهاربين من أداء الخدمة العسكرية كمثل أعلى لهم وقدوة تحتذى في كل أعماله و مجرد مروره أمامهم يجعلهم سكارى بجمال طلعته و روعة جلسته .. من الطبيعي والمؤكد أن يقع الإختيار على هذا الرجل إن قام مثلاً بترشيح نفسه لقيادتهم أو المشاركة في تحديد مصير جماعتهم بصرف النظر عن نداءات القلة من العقلاء الذين يحذرون و تذهب أصواتهم هباء . الفصل الثالث .. مجموعة من الملحدين الذين لا يعترفون بوجود الخالق (عافانا الله من كل هذا الإبتلاء) ويعيشون الحياة بلا رادع ولا أي اعتراف بثواب أو عقاب .. ما رأيكم حينما تقوم تلك الجماعة بإختيار رجل منهم ليحكمهم ويقود ركبهم في حضور قلة قليلة ملتزمة تعترف بوجود الله وتسبح بحمده أناء الليل و أطراف النهار . سيقع الخيار بالفعل على من لن ينغصوا عليهم حياتهم بكثرة النصيحة بخطبهم الفصيحة . دعونا نتوقف عن الإفتراضات الجدلية ونغلق الستار لطرح سؤال .. ماهي الديمقراطية ؟؟ الجواب : هي ببساطة مصطلح يوناني مؤلف من لفظين الأول (ديموس) ومعناه الشعب، والآخر (كراتوس) ومعناه السيادة، إذاً معنى المصطلح هو سيادة الشعب أو حكم الشعب . أي أن المجموعة ستختار حاكمها لضمان أنه من نفس القماشة التي تتكون منها كيانات أعضائها و أهواء أفرادها . وحتى لو كان اختياره بعيداً عن خامة تلك القماشة إلا أنهم سيختارون على الأقل من يرون من وجهة نظرهم القاصرة أو غير القاصرة أنه الأصلح حسب مستوى خبراتهم وبناءً على درجة ثقافاتهم. ومن هنا سنصل إلى خيار قد يلبي شهوات و أهواء ورغبات ولكنه لن يغطي أي نوع من الإحتياجات .. والأسوأ من ذلك أننا قد نصل إلى مشاحنات بين القلة المغلوبة على أمرها والأغلبية التي أعطت أصواتها لمن يراه المنطق غير مناسب بصرف النظر عن أية مكاسب. وتلك المشاحنات أعتبرها بالتأكيد أسوأ رد فعل يمكن أن يخرج في حضرة التجربة الديمقراطية لأن خيار الأغلبية يجب أن يحترم من قبل الجميع. جلست مع أحد الرجال المخضرمين الذين أحترم رأيهم في كثير من الأمور وعرض عليّ فكرة أو منفذ أعجبني كثيراً و رأيته بمثابة عصا سحرية قد تخرجنا من هذا المأزق وسط أمة تحتوي على نسبة عالية من العمال والفلاحين والبسطاء والأميين الذين لم يتعود أكثرهم (كبقية أفراد الشعب المثقفين أيضاً) على التجربة الديمقراطية ولم تسنح لهم الفرصة ليشاركوا في الحوار لإختيار القائد طوال ستين عاماً مضت والمشكلة الأكبر والتي تخص هؤلاء البسطاء أنهم غير مؤهلين للحديث عن النظام البرلماني و النظام الرئاسي والجمعية العمومية و الملزم وغير الملزم . وكل ما يهم تلك الفئة العريضة من الشعب هو صلاح الأحوال و توفر التعليم و العيشة الرغدة و إنخفاض الأسعار و توفر المأكل والملبس و المسكن والدواء وغيرها وتلك النقطة أحب أن أطلق عليها في لغة الحاسب الآلي - الذي أتعامل معه منذ سنوات - بطلبات العميل النهائي (End User Requests) بصرف النظر عن آليات البرنامج التقني ومافيه من حرفية أو تناول أو طرح. فالعميل البسيط له أن يرى أروع الشاشات وأفضل السرعات وأقل نسبة أعطال للبرنامج ولا يصح أن يشارك الخبراء في إختيار أفضل الشركات التي ستوفر له كل هذه المطالب .الفكرة أيها السادة الأعزاء التي اقترحها صديقي المحترف تتلخص ببساطة في اختيار طائفة من صفوة المحكومين الذين هم على درجة عالية من الثقافة والوعي بمصلحة الجميع وتقوم تلك الصفوة التي لن تتعدى العشرين أو الثلاثين مليون على الأكثر بتحديد مصير الجميع . وأود أن أوضح أنني لا أقلل أبداً من شأن بائعة الخبز أوعامل النظافة أو سائق الشاحنة أو أي إنسان لم يحصل على قسط وافر من التعليم قد يكون منهم أباؤنا وأجدادنا ومنهم من لهم علينا أفضال لا يمكن أن ننساها ودائماً تجعلنا ندين لهم بالكثير . ولكن عند المشاركة في قرار كهذا .. أرى أنه من المفيد أن نتبع سياسة (إسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) بالإحتكام إلى طائفة تمتلك الحد الأدنى من الخبرات و هو الحد الذي لا يجب النزول عنه فيمن يتقدمون للإدلاء بأصواتهم . ولا تسألوني عن آليات أو حيثيات هذا الإختيار لأنني أطرح فكرة وأنتظر وجهات النظر عن كيفية بلورتها . وعليه من اللازم أن نضع شروطاً لمن يقومون بعملية الإختيار حتى نضمن أفضل النتائج لتصحيح المسار. وفي الأخير نسأل الله أن يحفظ أمتنا لما فيه الخير والعزة للبلاد والعباد . م/ طارق القرم مسؤول الجودة والتدريب بإدارة الحاسب الآلي مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي tqerm@ksu.edu.sa

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل