المحتوى الرئيسى

> كارثة في التليفزيون

04/18 21:18

في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، عندما كنا نشاهد فيلما سينمائيا تم إنتاجه قبل ثورة يوليو 52 كان هناك بعض المشاهد التي التقطت في مكاتب حكومية أو منصة قضاء في محكمة وفي أعلي المشهد وفوق رأس القاضي كنا نشاهد خطوطاً تتراقص عبارة عن «كشط» في الفيلم الخام في محاولة لاخفاء معالم صورة للملك فاروق كانت معلقة علي الحائط أثناء التصوير علي اعتبار أنه ملك البلاد في العهد البائد وبمجرد طمس معالم صورة الملك فاروق سيتم نفيه من التاريخ واسقاط هذه الحقبة من ذاكرة الوطن والغاء سنوات حكمه، ومن هذا المنطلق تم إعدام مواد فيلمية عديدة لمناسبات واحتفالات ومشاركات مصورة للملك فاروق وكل القيادات السياسية التي ناضلت ضد الانجليز في فترة ما قبل الثورة وبهذه الحماقات العجيبة إهدرنا جزءا مهما من تاريخ مصر، وأعدمنا وثائق تاريخية مصورة تسجل مساحات غاية في الأهمية من تفاصيل الحياة السياسية المصرية. وعادت قيادات التليفزيون لارتكاب نفس الجريمة بعد رحيل عبدالناصر، فقد تم بجرأة نادرة ودم بارد تسجيل مباريات كرة القدم علي خطب الرئيس جمال عبدالناصر.. وتم إعدام العديد من الأفلام المصورة والمواد الفيلمية التي سجلت عليها كل المناسبات السياسية والاحتفالات الوطنية التي تصور عبدالناصر ورجال ثورة يوليو، وكل من أراد أن يصور شيئا عن هذه الفترة كان يلجأ لأرشيف الأخبار في وكالات الأنباء الأجنبية، وحدث ذلك مع الرئيس السادات في حقبة حسني مبارك فتم إعدام الكثير من هذه المواد الفيلمية، بل إن الجريدة المصرية المصورة تم تهريبها من قطاع السينما وبيعت بأثمان زهيدة لقناة «art» وأخذت في إذاعتها علي باقة قنوات الشيخ صالح، وفرطنا في تراثنا وأفلامنا وتاريخنا بغض النظر عن أننا مع هذا التاريخ أو ضده، ففي نهاية الأمر فإنه تاريخ مصر وجزء من تاريخنا ولا يمكن محوه أو اسقاطه من الذاكرة، وبالأمس قرر رؤساء القطاعات باتحاد الإذاعة والتليقزيون إعادة مونتاج مكتبات الشرائط التابعة لكل قطاع، خاصة شرائط الحفلات والمناسبات الرسمية التي يظهر فيها مسئولو النظام السابق، حيث قررت السيدة نهال كمال رئيس قطاع التليفزيون مونتاج كل شرائط القطاع لحذف أي لقطات يظهر فيها أي من المسئولين السابقين في نظام مبارك، أما الكارثة الكبري ما قيل عن أن إبراهيم الصياد رئيس قطاع الأخبار يدرس إعداد مذكرة عاجلة لرفعها لسامي الشريف رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون يطالب فيها «بإعدام» كل خطب مبارك وشرائط الحزب الوطني الموجودة داخل القطاع الخاصة بكل السنوات الماضية. هل يجوز إعدام جزء من الحياة السياسية في مصر لا لشيء سوي أننا اسقطنا نظام مبارك الفاسد فهل إعدام شرائطه سيلغي من عمر الزمان وذاكرة التاريخ أن حسني مبارك حكم مصر من سنة 1981 حتي 2011.. إن هتلر النازي الذي تسبب في هلاك أكثر من عشرين مليون مواطن أوروبي ودمر ألمانيا وعواصم أوروبا له متحف في ألمانيا يضم مقتنياته وتاريخه، فالتاريخ ملك للبشرية كلها، أما الفساد والثواب والعقاب فهو ملك للشعوب ومحاكمة مبارك وعائلته ورموز عصره الفاسدين لا يعطينا الحق في إهدار كل هذا التراث فسواء رضينا أم أبينا فهو جزء من تاريخ مصر واعدامه لن يلغيه ولن يسقطه وهذا يجعلنا شعوباً متخلفة فلابد من الحفاظ علي التاريخ رغم إدانة هذه الحقبة إدانة دامغة.. فانقذوا هذه المادة الفليمية قبل أن نبكي علي ضياعها من ذاكرة الوطن.. وتقع الكارثة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل