المحتوى الرئيسى

أحدهم خطف الثورة.. وخبأها فى «لحيته»

04/18 12:28

قضيت الأيام الأولى من عمر الثورة (تحديداً من 25 يناير إلى 11 فبراير) معتقلاً أمام شاشة التليفزيون. ليس تليفزيون «الفقى لما يسعد»، بل «الجزيرة». ليس لمهنيتها.. بل لأنها «محرضة»: طظ فى مهنية لا تعمق كراهيتى لمبارك ونظامه وعصره وكل ما ينتمى ومن ينتمى إليه.. إنها الحرب. [1] كانت أياماً مشهودة، الموت يتفشى بين حشود المتظاهرين: من لم يقض قنصاً دهسته سيارة، بينما مئات العيون والصدور فقئت وانتهكت، لكن الغناء لا يتزعزع: «الشعب يريد إسقاط النظام». المشاعر تتبدل بين ساعة وأخرى: من ذهول إلى فرح، ومن ترقب إلى إحباط، ومن زهو إلى شك.. وما من يوم يمر بلا بكاء. بكينا كثيراً، نحن الجالسين فى بيوتنا، نربى أبناءنا ونحمى مكتسباتنا ونتفرج على «صورة الثورة» من عين سحرية فى باب بـ«ست سكات» وشنكل بسلسلة و3 ترابيس. بكينا- بحرقة وبحرية- كأننا نستعيد عزيزاً أخذوه منا عنوة، وأمام أعيننا (قالها وائل غنيم بعد انزياح الكابوس: مصر وحشتنى قوى). كنت أبكى. ومن وراء غلالة الدموع أراقب الحشد فى الميدان فلا أرى أحداً بعينه، ولا أسمع أحداً بعينه. تتسع زاوية الكاميرا فتبدو تلك الألوف المؤلفة قلوبهم مثل «جدارية»، يتلاصق حصاها (أجساد البشر) وقد اصطف دوائر غير مكتملة.. تسدها حيناً ضمادة جرح، وحيناً يسدها غناء المتظاهرين، وفى المركز دائماً رهط يصلى. وبعيدا، إنما بحذر، تستقر دبابة مثل قط أليف يقاوم النعاس، ويتمسح فى ابتسامة تحت خوذة. وإذ تضيق الزاوية.. تسفر الوجوه عن هوية واحدة، لا مكان فيها لدين أو مذهب أو طائفة، ولا صوت يعلو فوق صوت «الشعب.. يريد.. إسقاط النظام». [2] بعد مد وجزر بين الميدان وقصر العروبة، وفى السادسة تقريباً من مساء الجمعة، الحادى عشر من فبراير، انتهى مخاض أطول «حمل سياسى» فى تاريخ مصر الحديث. سقط النظام، وسمعت الدنيا صرخة الثورة: «بشكر الجزيرة.. بشكر تونس.. مفيش ظلم تانى.. مفيش خوف تانى».. قالت الناشطة نوارة نجم لقناة «الجزيرة» وهى تبكى فى أول تعليق على إعلان الطاغية «تخليه عن منصب رئيس الجمهورية» حسب نص نائبه.. «الواقف أمام الرجل الواقف وراء عمر سليمان». بعد أسابيع، ذهبت السكرة وجاءت الفكرة. خف ألم الولادة وفتحت الأم عينين متعبتين، ثم صلبت طولها وطلبت «ثورتها». كانت الثورة لاتزال لحماً أحمر يلفه بخار الأفواه الغاضبة وغبار البلطجية ورائحة احتراق البنايات والمصفحات الزيتى، وكان حشد المتظاهرين غارقاً فى احتفالاته، عندما تبين للأم أن مولودها اختفى، فتأملت الحشد مبتسمة وخمنت: «لابد أن أحدهم خطف الثورة.. وخبأها فى لحيته». [3] لم أنزعج فى البداية، لكننى رحت أتعقب شكوكاً كانت قد بدأت تخايلنى. تراجع شبان «تويتر» و«فيس بوك» وبدأ صوت الإخوان يرتفع. انهالت مطالبهم على رأس المجلس العسكرى، والمجلس يلبى. ثم خرج «الزمر» من السجن- بـ«عبوده» و«طارقه»- ليتحولا بين يوم وليلة إلى «بطلين» ويقتحم أولهما لائحة المرشحين للرئاسة، ثم خرج «السلفيون» من أرشيف «أمن الدولة» ليحرموا ويحللوا ويكفروا ويشعلوا حرباً ضد الأقباط. ثم جاء يوم الاستفتاء على ما سمى «تعديلات دستورية». فى هذا اليوم.. تبين لى ولآخرين أن ثمة من يريدها «إسلامية»، وليذهب «الشعب» الذى أسقط النظام إلى جهنم (أو إلى أمريكا وكندا) إذا كانت «نعم.. للتعديلات» لا تعجبه: «هؤلاء سنقول لهم مع السلامة، ونحن نعرف أن لديهم تأشيرات»- كما قال الداعية السلفى «محمد حسين يعقوب» عقب إعلان نتيجة الاستفتاء. اقتربت شكوكى من حافة اليقين، فقررت أن أستعيد المشهد من أوله لعلى أكون مخطئاً أو متجنياً.. فأستريح. [4] بدأت «أسلمة» الثورة منذ أسبوعها الأول. تباطأ الإخوان فى البداية وأبوا أن ينزلوا إلى الميدان. ثم تأكد لهم أن ساعة قصاصهم من مبارك ونظامه ربما تكون قد أزفت.. فهبطت جحافلهم على الميدان من كل فج عميق: بخيمهم وأسرهم وزادهم ومصاحفهم. لم يكن ممكناً ولا جائزا لمراقب أو محلل أن يدقق أو يتساءل عن مغزى كثرة أصحاب اللحى والمنتقبات، خاصة فى المظاهرات المليونية، فليس ثمة مجال لأى «تصنيف». لكن الإخوان فى الحقيقة شكلوا جسماً خرسانياً، ساهم بشكل فعال فى رد غارات بلطجية النظام (حزبا وحكومة وأمنا ورجال أعمال) وقد شهد الكثيرون بما أبدوه خلال هذه المواجهات من بأس وبسالة وقدرة مذهلة على التنظيم. كانت أصوات هتافهم توحى بأنهم ذاهبون إلى حرب. وفى الليل يفترشون أسفلت الميدان وحشائشه ويبتسمون للكاميرا كأنهم عائدون لتوهم من حصاد محصول أو نوبتجية فى مصنع.. ولا مانع من المشاركة فى أغنية: إنها لحظتهم التاريخية. من جهتنا.. لم نكن نريد إفساد هذا العرس. لم نكن معنيين بحساباتهم «الدنيوية»، ولا بصفقاتهم التى لا تسمو إلى سقف النص: «إن الحكم إلا لله»، لأن النص عندهم مجرد وسيلة للتكويش على متاع الدنيا. لم يكن المجال يسمح بإعادة إنتاج لتلك الأسئلة القديمة، المعروفة: هل يشاركون فى الثورة من تلقاء أنفسهم (أى كمواطنين عاديين) أم وفق تعليمات مرشدهم وشوراهم (أى بوصفهم أعضاء فى تنظيم يتأرجح بين الدينى والسياسى مثل لاعب سيرك)؟. هل يشاركون من أجل «الوطن» بمسلميه وأقباطه، أم من أجل نقاء عرق «الجماعة» واستقلالها؟. أى «حسبة» جعلتهم يرفعون الإنجيل إلى جوار المصحف ويستظلون بعلم «الوطن»؟. ثم لماذا تخلوا مثلاً عن اعتقادهم بأن صوت المرأة عورة، وسمحوا لزوجاتهم وبناتهم بأن يهتفن بأعلى أصواتهن فى ميدان عام؟. [5] كنت متخيلاً أن ثورة 25 يناير ستكون حداً فاصلاً فى تطور الإخوان كـ«قوة سياسية»، وأنهم سيتوقفون عن إقحام الدين فى عملهم. لكن الطبع يغلب التطبع. إذ ما إن أعلن مبارك تنحيه عن الحكم وبدأ الثوار يلتقطون أنفاسهم حتى عادوا إلى فطرتهم، وضغطوا على «مواطنين عزل» بورقة «الدين» لتوجيه الاستفتاء على تعديلات الدستور، واعتباره استفتاء على الإسلام. وقد أثمرت ضغوطهم أكثر من 77% «نعم.. للتعديلات». وبينما كانوا منهمكين فى تأمين الغنيمة.. نفضت عناصر إسلامية أخرى (جهاديون وسلفيون وتائبون وجماعات، وحتى متصوفون) تراب الأقبية والكهوف، وبدأ بعضهم يبث سمومه «المعتقة» عبر صحف وفضائيات بل ومنابر مساجد تابعة أصلاً لوزارة الأوقاف: الشيخ يعقوب وصف ما جرى يوم الاستفتاء بـ«موقعة الصناديق». والشيخ أحمد فريد، وهو قيادى سلفى فى الإسكندرية، أفتى بأن الديمقراطية حرام!. ومع ذلك لم يستبعد عبود الزمر ترشيح نفسه للرئاسة، فى حين اعتذر عنها محمد حسان مفضلاً دور الداعية. والإخوان أنفسهم سموا حزباً هو (الحرية والعدالة)، وكان بعضهم انشق بحزب آخر هو «الوسط»، وتشجع السلفيون وبدأوا بدورهم يفكرون فى تأسيس حزب.. هكذا تحولت الساحة السياسية إلى «سويقة» أفكار ومنابر وزعامات يدعى أصحابها أنهم يتحدثون باسم الإسلام، لكنك تبحث عن الإسلام فلا تجده!. ومع تقديرنا للجهد الذى بذله الإخوان لحماية الثورة والوصول بها إلى بر الأمان، ولكل ما أظهروا بعد ذلك من رغبة واستعداد للعمل وفق شروط الدولة المدنية، فإن سلوكهم منذ خلع مبارك أثار مخاوف الكثيرين، ووضع المدافعين عن الديمقراطية فى مأزق، إذ ما الذى سيضمن لهؤلاء قدرة ما يسمى «الكتلة الصامتة» على الفرز والاختيار إذا عادت الجماعة إلى طبيعتها الانتهازية وخلطت بين السياسة والدين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل