المحتوى الرئيسى

جلد حي.. حين تتحول المدابغ إلى جحيم نفسي وفني وإنساني!

04/18 12:00

حوار - محمد رفعت:   في فيلمه الوثائقي الأول، ''جلد حي '' ، يجوب المخرج الشاب فوزي صالح بكاميرته أزقة مهملة في أحد احياء القاهرة العشوائية حيث شخصيات معظمهم من الأولاد، يعملون في مهنة تكاد تكون الأصعب والأخطر في العالم، وهي معالجة جلود الحيوانات بطرق بدائية وتحويلها إلى منتجات جلدية فاخرة.   ويكشف فوزي بموهبة اصيلة وقدرة عالية على استخدام زوايا الكاميرا فظاعة الواقع، حيث يتحول "جلد حي" إلى جحيم مكاني ونفسي، وهو ما جعله يستحق بجدارة الفوز بجائزة العمل الوثائقي الأول من مهرجان تطوان المغربي، ويشق طريقه الى مهرجانات غربية مهمة، ومن بينها التظاهرة الكندية المخصصة للفيلم الوثائقي، "هوت - دوكس " في مايو المقبل، و"دوك فيست" في ميونيخ في نفس الشهر.   وعن الفيلم ومخرجه كان هذا الحوار:   درست تأليف السيناريو في معهد السينما..فلماذذا اتجهت إلى الاخراج؟   نعم، بدأت انجز أعمالاً توثيقية في جمعيات أهلية. أخرجتُ فيلماً روائياً قصيراً مدته أربع دقائق عام 2006، لكنه كان شديد السوء، وذلك لأسباب كثيرة، مما جعلني أتوقف عن العمل لأراجع نفسي وقدراتي ولأتزود بالمعرفة السينمائية. في فترة التوقف هذه، بدأت أعمل على نصّ لفيلم روائي تدور حوادثه في المدابغ. تكلمت مع صديقي المخرج الفلسطيني رشيد المشهراوي، وعبرت له عن رغبتي في انجاز الفيلم.فنصحني بتصوير فيلم قصير عن المدابغ أولاً، كي نقول للمنتجين: اليكم المخرج، اليكم المكان، اليكم القصة. لكن لم يكن في قدرتي أن أقدم فيلماً روائياً قصيراً عن هذه البيئة. لم أستطع أن أراه الا وثائقياً. وحتى عندما صورت هذا الفيلم الوثائقي، كان في بالي انه سيشكل مناسبة لعملية بحث وتوثيق تحضرني للعمل على فيلمي الروائي المقبل الذي سيدور في المدابغ أيضاً.   كيف تعرفت على منطقة المدابغ؟ ما علاقتك بها؟   عشت في هذا المكان. أصلي ليس من القاهرة. فعندما جئت لأدرس السينما في العاصمة، عشت في مكان قريب من المدابغ لمدة عام، ولدت علاقة بيني وبين المكان.. تأملته، وتعرفت على سكانه.. سهّل هذا مهمتي كثيراً. وعندما حملت الكاميرا لأصور المكان، لم أكن أحتاج الى أن أبقى على مسافة منه.. لو فعلت ذلك، لكنت انتقلت الى حالة شفقة، بينما كنت أحاول أن أطرح أسئلة.   كيف تعاملت مع مسألة تحويل القبح الى جمال.. ألم يشغلك هذا الهمّ السينمائي؟   الصورة هي أداتي، وعلي أن أخلق تكوينات شكلية تحمل معنى درامياً. ما أصوره قبح، لكن الجماليات تترسخ في الصورة.. علينا أن نعرف مِن أين ندخّل النور ومِن أين ندخّل الظلّ، وننتبه إلى ما على يمين الكادر وعلى يساره. لا بد للمخرج من أن يستعمل هذا كله، هذه قناعتي الخاصة..أنا مخرج ولست صحافياً يقدم ريبورتاجاً عن المكان.. هنا الفرق.. كنت أتعامل مع الموضوع من وجهة نظر فنية مستخدماً الجماليات.. هذه الأسئلة تأتيك غصباً عنك.. وهي أسئلة تعطل ولا تفيد.. في بعض الأحيان، تقودك الى التوقف عن التصوير.. تقول لنفسك: "أنا أستغل الناس، أنا أتاجر بالناس".. هذا القلق كنت أخرجه من أعماقي وأعكسه على الورق.. كنت أكتب مثلاً: "أنا قذر، أنا دنيء، أنا بورجوازي صغير وجبان"، ثم أروح أفكر في هذا الكلام، وعندما تفكر بعمق في ما كتبته على الورق، تختلف الأشياء.   كمخرج، أين ظهرت بصمتك في ما تصوره؟   أنا موجود في الفيلم بنسبة 70 في المئة، كوني أعمل منذ صغري، فأنا موجود في الفيلم، لم اعمل في المهنة ذاتها، لكن أعرف ماذا يعني أن تُسرق طفولتك خدمة لسوق العمل، هناك أشياء كثيرة تُسرق منك عندما يكون عليك العمل لتأمين أدنى شروط العيش الكريم، هذا هو السبب الذي جعلني أختار الموضوع، ثم ايضاً، هذا فيلمي الأول وأنا أبحث عن أسلوب يخصني. وهذا الاسلوب وجدته في لقطات "الكلوز أب" التي تلملم التفاصيل الصغيرة، من خلال مجاورة بعضها ببعضها الآخر، نحصل على الرؤية العامة ، فأنا أبدأ دائماً بلقطة مجهولة: عجلة تدور، قدمان تمشيان في المياه... هذا جزء من الاسلوب الذي أريده لنفسي.   وهل واجهتك صعوبات لإنتاج الفيلم؟   بحثت عن انتاج لمدة سنتين، لم يكن هناك منتج يهتم بالفيلم سواء أكان منتمياً الى القطاع الخاص أو تابعاً للجهات الحكومية، كانوا يأخذون السيناريو ويلقون به في صفيحة القمامة ، وكان بعضهم يفرض شروطاً معينة لإنتاج الفيلم، أحدهم مثلاً فرض شرطاً مضحكاً وهو الا يُعرض الفيلم خارج مصر! هذه من الأفكار المتخلفة التي تحيط بنا وكان عليّ أن أواجهها في مهرجان أبوظبي السينمائي، حيث قال لي أحد المصريين أنه مستاء لأنني أقدم فيلماً كهذا خارج مصر، وأن عرضه سيمنع الأجانب من الذهاب الى مصر للسياحة.. هذا كلام شديد السذاجة.المنتجون وشروطهم هم الذين أوصلوني الى مرحلة صرت مقتنعاً فيها بضرورة انجاز هذا الفيلم. فصرت ألملم المال من أماكن متفرقة،واتفقنا مع الفنيين ومع مدير التصوير انهم سيعملون ولن يقبضوا أجورهم الا عندما نبيع الفيلم الى جهة ما، لكن هذا الأمر أيضا كان في منتهى الصعوبة، ولكن لحسن الحظ فقد تحمس لانتاج الفيلم الفنان الكبير محمود حميدة.   كيف كانت ظروف التصوير؟   صورنا الفيلم في ستة أيام ومنهم يوم في مولد الحسين، الطقس الشعبي المصري الذي نراه في بداية الفيلم ونهايته، لم أواجه صعوبات كثيرة اثناء التقاط المشاهد لأنني كنت أحضر تحضيراً دقيقاً امتد على مدى ستة أشهر وكنت قد رسمت اللقطات سلفاً،  كانت لدينا خطة عمل صورت وفقها في ساعات مختلفة من اليوم، تعبنا كثيراً خلال التحضير، أنا ومعي مدير التصوير الذي كان يمتلك الحماسة والروح للانطلاق في مشروع مماثل.كيف تعرفت على الشخصيات؟   ذهبنا الى المدابغ وطلبنا من العاملين فيها ملء استمارة تعارف. جمعنا نحو 45 طفلاً، اخترنا من بينهم تسعة أطفال في البداية،واخترنا من بينهم ثلاث شخصيات رئيسية، أما الكبار، باستثناء الأباء، فجاؤوا نتيجة ارتجال في موقع التصوير.   بعد "ثورة 25 يناير"، الا ترى أن عرض الفيلم في مصر بات أكثر ضرورة من عرضه في الخارج؟    نعم.. لكن لا اعرف ما الذي يحول دون عرضه. صحيح انه قوبل بالرفض، لكنه ايضاً قوبل بالترحاب من قبل ناس على قدر كبير من الأهمية، أقلام مهمة أشادت به، وأنا أسأل: هل من الممكن أن يشتري التلفزيون المصري فيلم كهذا؟.. وهل يمكن المحطات الخاصة أن تعرضه؟ ..ولا أقول هذا الكلام لأن هذا فيلمي، بل لأنه ليس هناك اصلاً اهتمام بالفيلم الوثائقي في التليفزيون المصري،والفيلم الوثائقي وفق عقليات من يدير تلك المحطات هو عمل يجب أن يُعرض ليلاً عندما يخلد الناس الى النوم، فهمهم للوثائقي هو كل ما يتعلق بالحضارات والآثار والتاريخ مع معلق يشرح ما نرى، وعندما استضافني التليفزيون المصري لأتكلم عن فيلمي، عرضوا لقطات من فيلم آخر بدلاً من فيلمي، تصرف كهذا يجعلني أرغب في أن ألفّ شوارع مصر كلها وأعرض الفيلم على الناس. لكن هذه مجرد أحلام.   ألا ترى أن السينما المصرية تحتاج هي الأخرى إلى ثورة جديدة؟   أولاً، على الناس امتلاك مصيرهم، كل ما حصل الى الآن انهم اسقطوا مبارك وجاؤوا بشخص آخر مكانه، والجديد ينتهج سياسة القديم ولا تغيير يُذكر على أرض الواقع، عندما يبدأ الناس بتنظيم حياتهم بأنفسهم، حينها تتحقق أحلامي كمواطن مصري،أو عندما تنتهي مأساة المدابغ والمآسي المشابهة لها، وعندما يصبح بإمكاني أن أعرض الأفلام في الشوارع ومناقشة الناس في شأنها.   اقرأ أيضا:

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل