المحتوى الرئيسى

انطباعات صغيرة حول حادث كبير‏(7)‏

04/18 22:39

ظلت أسرتنا تتجول داخل التاكسي بطول الهضبة وعرضها بحثا عن لجنة أقل ازدحاما دون جدوي اثناء مرورنا امام احدي اللجان رأيت وسط الطريق مجموعة من الشباب يحيطون برجل ويسرعون به الي سيارته السوداء‏. بينما تلاحقهم ثلة أخري غير منتظمة من المعترضين وهم يقذفون الطوب ويصيحون مش عاوزينك مش عاوزينك ثم اننا تباطأنا عندما انفلت أحد هؤلاء وانحني امام التاكسي لكي يلتقط طوبا من كومة معدة الي جوار الرصيف ومع ان الرجل كان اختفي داخل سيارته فان ذلك لم يمنع صاحبنا من ملاحقتها وهو يلقي الطوب علي خلق الله, وكنت أراه يفعل ذلك مرتديا فانلة داخلية بحمالات واسعة تحت ابطية وسروال تريننج وفي قدمية واحد من الشباشب البلاستيك التي لها اصبع ثم إن السائق سأل من الشباك وقالوا إن الرجل في السيارة هو الدكتور البرادعي وانا استوقفتني المفارقة بشدة وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله. السبب في المفارقة كانت تلك الصورة القديمة التي تخلفت في ذاكرتي من ذلك الحوار المطول الذي كان اجراه معه صديقنا الكبير غسان شربل رئيس تحرير جريدة الحياة اللندنية علي مدي يومين كاملين7 و8 من يناير8002 إلا أنني قبل ذلك أود التأكيد علي أنني بذلك اسود بطاقتي الانتخابية لا أحد يمنح صوته لمرشح وانما لبرنامج وهو لم يقدم ولا غيره برنامجا, بعد كما انني كتبت عن هذا الحوار في هذا المكان من الاهرام قبل ثلاثة أعوام وبالتحديد في12 يناير من العام.8002 أيامها كان الرجل مازال مديرا لوكالة الطاقة الذرية وأحد أبرز الشخصيات الدولية المرموقة وأكثرها تمتعا باحترام وثقة المجتمع الدولي ولقد استهدف الحوار ان يلقي ضوءا علي ما هو إنساني في شخصيته, وسوف أتجاوز عن الكثير مما جاء بالحوار المطول وأتوقف معك عند عينة من الاجابات العابرة. ـ ما هو برنامجك اليومي, بخلاف معايشة الملفات؟ ـ هواياتي هي الموسيقي الكلاسيكية, ولعب الجولف اذا ما تيسر الوقت, واقتناء السجاد القديم والساعات, ومتابعة الفن التشكيلي الحديث. ـ من شاعرك العربي المفضل؟ ـ المتنبي لأن لديه نظرة فلسفية واقعية وحكمة وعمقا في شعره اقرؤه احيانا,نبلفلسفة والتاريخ هما اكثر المجالات التي تستهويني. أقرأ الآن كتابين احدهما عنوانه مسيرة الحماقة وهو يوضح كيف أننا لم نتعلم شيئا من الحروب من طروادة الي فيتنام. ـ من تحب من المطربين العرب؟ ـ أستمع الي أم كلثوم وفيروز ووديع الصافي, تعيد الي اغانيهم ذكري نشأتي البعيدة في القاهرة في خمسينياتها وستينياتها حين كانت مكانا مفتوحا علي المستقبل, كانت هناك نخبة في كل المجالات لا تقل عن مثيلاتها في أي من دول العالم, هذه الاغاني تردني الي تلك الفترة.. كنا نعيش في مجتمع متسامح, والدي كان متدينا جدا, لكن الدين كان هو: التسامح, التضامن الاجتماعي, مساعدة المحتاج, العمل, الصدق, والامانة, هذه هي المفاهيم التي تربيت عليها. ـ هل تشعر بأن معظم المدن العربية الاسلامية كان وضعها افضل قبل خمسين سنة؟ ـ من دون شك, أنا اتكلم علي الاقل عن القاهرة التي كانت مثل اثينا أو مدريد أو فيينا, يكفي الشعور بالامان والطمأنينة والامل والذوق العام والاحساس بالجمال وفي نهاية المطاف التسامح والمحبة كل هذا للاسف اختفي الي حد كبير في العالم العربي. تقويم الانسان كان علي أساس عقله وليس بالنظر الي ما يملكه اننا عندما نتحدث عن السني والشيعي, والعربي والكردي, والماروني والمسلم, في الوقت الذي نخفي فيه رءوسنا وندعي انها مشكلة اديان, بينما هي مشكلة جهل وفقر اننا وصلنا الي مستوي متدن ما كان يجب ان نصل إليه ابدا, كما انه لا يعرف الاسلام الذي تروجه الجماعات المتطرفة, فهو يقوم علي الطقوس لا علي الجوهر. هذه شذرات عابرة مما تحدث به المصري الحائز علي نوبل محمد البرادعي, تذكرتها وأستغرب من مفارقة رؤيتي لصاحب هذه الثقافة الرفيعة وهو يسرع, بينما يلاحقه معترضون احدهم يرتدي فانلة بحمالات وفي قدميه واحد من الشباشب البلاستيك التي لها اصبع.IBASLAN@YAHOO.COM   المزيد من مقالات إبراهيم اصلان

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل