المحتوى الرئيسى

حول ما جرى في الزرقاء يوم الجمعة

04/18 04:17

ياسر الزعاترة كما أن هناك مشكلة في التيار السلفي الذي ينادي بطاعة أولي الأمر ولو جلدوا الظهور وسلبوا الأموال، مع تحريم العمل الحزبي والمظاهرات والاعتصامات وسائر وسائل الاحتجاج السلمي، فإن هناك مشكلة لا تقل أهمية مع السلفية الجهادية التي ترفض اللعبة الديمقراطية، بل تكفرها، مع القابلية لاستخدام العنف في التعامل مع الأنظمة. ربما كان بوسع الأجهزة الرسمية في أي بلد أن تتسامح مع خطاب يرفض أسس العملية السياسية، وهو نهج عرفته التجربة الإسلامية قبل الديمقراطية الحديثة في تعامل الخليفة الرابع (الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجه) مع الخوارج، عندما أوضح أنه لن يمنعهم حقوقهم كسائر المسلمين ما لم يبادروا بالقتال. في الدول الديمقراطية الحديثة ثمة تيارات فكرية ترفض أسس الدولة وتريد الانقلاب عليها كما هو حال المجموعات الشيوعية الراديكالية، ومجموعات أخرى عبثية الخطاب (دينية وغير دينية)، لكن التعامل معها يبقى ضمن إطار القانون وحرية التعبير ما دامت لا تحمل السلاح. عندما اعتصم السلفيون الجهاديون أكثر من مرة ضمن إطار القانون لم يعترض أحد، لكن اعتصام الزرقاء كان مختلفا، لاسيما أن بعضهم قد أعلن مسبقا وبكل صراحة أنه سيردّ على اي احتكاك بالسلاح، وهو موقف لا ينطوي على منطق ولا حكمة ويفرغ فكرة الاعتصام من مضمونها. لقد خلط القوم هنا بين الاحتجاج السلمي والعنف المسلح. صحيح أن تصرفات البعض ليست بدورها عملا مقبولا، بل هو مدان بكل المعايير، لكن الرد عليها بعنف مقابل لا يخدم الفكرة التي من أجلها كان الاعتصام، فضلا عما ينطوي عليه من ظلم رجال الأمن الذين كانت مشاركتهم جزء لا يتجزأ من الواجبات الموكلة إليهم. أيا يكن الأمر، فما جرى كان مؤسفا إلى حد كبير، ولا ينبغي أن يلقي بظلاله على الفعاليات المطالبة بالإصلاح في المملكة، والتي التزمت بالأدوات السلمية دون تردد، حتى عندما اعتدى البعض على المشاركين فيها ونكلوا بهم أيما تنكيل كما وقع على دوار الداخلية. يوم الجمعة الماضي، شهدت المملكة من أقصاها إلى أقصاها حوالي تسع فعاليات سياسية، بما في ذلك مسيرة وسط البلد، إلى جانب اعتصام كبير في ساحة الأمانة، ولم تشهد أي من تلك الفعاليات أدنى احتكاك مع رجال الأمن أو الفئات الأخرى، مع أن من الأفضل أن يصار دائما إلى فصل مسيرات التأييد عن مسيرات المعارضة، إذ ليس من الضروري أن يشارك أناس في كل مسيرة لقوى المعارضة، فقط لكي يتصدروها ويرفعوا شعارات لا صلة لها بشعارات منظميها، لاسيما أن بوسعهم تنظيم فعاليتهم الخاصة في زمان ومكان مختلفين. السلفيون الجهاديون هم طيف سياسي وفكري موجود في البلاد، لكنهم ليسوا الطيف الأبرز بأي حال، ولا ينبغي أن يجري التركيز على ما جرى خارج إطار المتابعة القانونية والحوار الفكري. أميل إلى أن القوم قد أدركوا خطأهم بعد الذي جرى، بما في ذلك مبالغتهم في استعراض القوة خلال الأسابيع الأخيرة، بخاصة بعد الإفراج عن معتقليهم الأربعة، ومن الأفضل لهم تبعا لذلك أن يعيدوا النظر في طريقة تعاملهم مع الوضع السياسي القائم، وذلك بأن يختاروا بين أن يكونوا تنظيما مسلحا يريد قلب الأوضاع برمتها، وبين أن يكونوا جماعة لها مطالبها السياسية التي تتحقق بوسائل سلمية، بما في ذلك القول إن الصيغ القائمة ليست من الدين في شيء، وأن الأصل هو تحكيم الشريعة بالطريقة التي يؤمنون بها، وليلتقوا تبعا لذلك مع تيارات سلفية إصلاحية تنشط سياسيا في عدد من الدول العربية، وتبقى المشاركة في الجهاد ضد عدوان خارجي على الأمة ضمن أسس صائبة، والتي تعد حقا لأبناء الأمة في كل مكان. *نقلا عن "الدستور" الأردنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل