المحتوى الرئيسى

مســـــــــاءلة وطــــــنية

04/17 23:52

لايمكن لأي مواطن مصري شريف إلا أن يذكر بالتقدير والعرفان الدور الوطني العظيم الذي قام به جيش مصر في حماية ثورة الخامس والعشرين من يناير‏.‏ ولولا موقف الجيش ودعمه مطالب الشباب التي سرعان ماتحولت الي مطالب الشعب المصري كله لما نجحت هذه الثورة الفريدة من نوعها, وماتحول ميدان التحرير الي رمز عالمي ناصع للمعجزة التي حققتها جماهير الشعب الهادرة التي اسقطت نظاما قديما, ماكان احد يتخيل درجة الفساد والإفساد التي انتهي اليها, وشجع عليها, فتسابقت رموزه في اقتراف أفظع عملية نهب في التاريخ المصري الحديث, وأقمع موجات الإرهاب التي حصدت من أرواح الشباب الثائر ماسوف يظل منارة للحرية التي انتزعها الوطن من غاصبيه. ولا يتوقف العرفان بفضل القوات المسلحة في هذا الجانب وحده, فهناك التأكيد المتكرر أن المجلس الأعلي للقوات المسلحة منحاز الي اقامة دولة مدنية حديثة, تقوم علي مبدأي المواطنة والديمقراطية اللذين يعنيان نظاما حزبيا وطنيا, تتسابق احزابه وتتنافس في تداول السلطة, وفي صياغة دستور مدني, لايتنكر للأديان, ولايمايز بين المواطنين علي اساس من جنس او دين او ثروة, بل علي اساس التنافس في إعلاء شأن الوطن والإسهام في تقدمه الواعد. وكان هذا التأكيد, ولا يزال حصن أمان من عواصف التديين, وحائط صد في مواجهة الدعوات الخطيرة التي لايزال تهديدها قائما باقامة دولة دينية, تقوم علي حكم مذهب ديني بعينه, يقصي بقية المذاهب ويعاديها, ويشعل نيران التعصب الديني والفتنة الطائفية, فيسقط أعز أماني الشعب في إقامة حكم مدني, يستعيد الميراث الوطني لثورة9191 التي اورثتنا مبدأ الدين لله والوطن للجميع. وهو المبدأ الذي حاول أنصار الدولة الدينية ودعاتها سرقته, لولا هتاف ثوار التحرير: مدنية.. مدنية وهو هتاف أثبت مدي الوازع الوطني للثوار, وتصاعده في التأثير, إلي درجة أجبرت جماعة الإخوان المسلمين علي تغيير استراتيجيتها, والتخلي عن شعار الإسلام هو الحل وتبني الدعوة الي حزب مدني باسم العدالة والحرية لاتتناقض مرجعيته الإسلامية مع كل لوازم المدنية التي يدعو إليها منظرو هذا الحزب الذي ظلت الجماعة المؤسسة له علي عداء لكل دعاة الدولة المدنية, وكل من طالبها بنوع من الوسطية المعتدلة علي الطريقة التركية التي نجح فيها حزب الرفاه, وذلك مافعله مؤسسو حزب الوسط الذين ناصبتهم الجماعة العداء لدعوتهم الوسطية التي تبنتها جماعة الإخوان سياسيا في حزبها الجديد بعد ان كانت معادية لها. وهو امر ماكان يتم لولا الحاح ثوار التحرير وهتافهم مدنية.. مدنية. والمؤكد ان هذا الشعار الذي رفعه الثوار, والذي تبناه المجلس الأعلي للقوات المسلحة, يظل احد الثوابت التي تشعر أنصار الدولة المدنية ودعاتها والحالمين بها بالأمان والتفاؤل بالمستقبل. وهو تفاؤل يزيد منه الإعلان الدستوري بتحديد فترة الرئاسة بأربع سنوات, وعدم تجديدها إلا مرة واحدة, وهو أمر يؤكد مبدأ تداول السلطة الذي هو أول لوازم الحياة الديمقراطية التي تقوم علي حق الاختلاف الذي يقف في صفه المجلس الأعلي للقوات المسلحة. ولكن رغم هذه الإيجابيات والإنجازات العظيمة التي تثلج صدر كل وطني ووطنية, فهناك تساؤلات حائرة بلا أجوبة شافية عمليا إلي الآن, ونوع لايمكن إنكاره من القلق الذي تسببه ضبابية الرؤية أحيانا, وتناقض بعض المواقف في أحيان أخري. وأولي المساءلات في هذا الجانب مايطرحه الإبقاء علي شرعية الحزب الوطني وعدم مساءلة كل قياداته الي اليوم. صحيح أن الإبقاء عليه هو الاتساق مع المبدأ الديمقراطي. لكن الديمقراطية جوهر لامظهر. وبقاء حزب أو الغاؤه منوط بما حققه من فوائد للتجربة ومدي إسهامه فيها وإثرائه لها, او إسهامه في الفساد والافساد ومعاداة الثورة الناشئة. وهذا الحزب قاد إفساد الحياة السياسية علي مدي ثلاثين عاما, والتف حوله الإنتهازيون, وتحت راياته نهب كباره من ثروات الشعب ما لايتخيله عقل, فجمعوا الي جانب الجرائم السياسية جرائم نهب الأموال, وأشاعواالرشوة والفساد والمحسوبية, ولم يكتفوا بذلك بعد ابتداء ثورة25 يناير, بل قاموا بمحاولة القضاء عليها, ولايزالون وراء موجات الثورة المضادة التي لايتورعون عن توظيف البلطجية فيها, والتحالف مع المجموعات المتطرفة من المتأسلمين السياسيين للقضاء علي إمكان إقامة الدولة المدنية من ناحية, وإشاعة الفتن الدينية وتأجيج نارها من ناحية ثانية, وإشاعة الفوضي وتغذية عدم الشعور بالأمن والأمان لدي المواطنين من ناحية ثالثة. وهو الأمر الذي يبعث علي السؤال الذي لا أجد إجابة مقنعة له. لماذا يبقي هذا الحزب الي الآن, ولماذا لايصدر قرار بحلة وإرجاع مقاره الي الدولة؟! لقد أبدي الشعب الثائر رأيه في هذا الحزب عندما قام بحرق مقره بوصفه مركز الفساد الذي انطلق منه الي كل الوطن. ولذلك تبقي الرغبة الوطنية في حل هذا الحزب قائمة ومشروعه وملحة. وقد كتبت عما فعله هذا الحزب بمصر في مقاليين ضافيين متتابعين في هذه الجريدة, ولا أزال علي موقفي الذي أبديته, مؤكدا ان العاقل لا يسمح ببقاء الثعابين في بيته, ولا الأفاعي في فرش منامه. وتلك حجتي لا في حل الحزب الآن فحسب, بل أزيد عليها المطالبة بالعزل السياسي لأبرز مرتكبي جرائمه, ومنعهم من دخول الانتخابات القادمة في مجلسي الشعب والشوري, الي ان تترسخ التجربة الديمقراطية, وتكتسب من المناعة مايجعلها قادرة علي مقاومة أفاعي هذا الحزب التي لاتزال متغلغلة في الأجهزة التنفيذية للدولة, ومسيطرة خارج مركزية القاهرة والمدن الكبري بواسطة النفوذ العائلي والقبلي مع عامل الثروة وغيره من العوامل المؤثرة في الواقع الاجتماعي السياسي. أما المساءلة الثانية, فتتصل بما شعر بعضنا به من بطء في اتخاذ القرار أحيانا, وتسرع مقابل في أحيانا موازية. ولا أزال أتساءل الي اليوم: لماذا كان التسرع في تحديد موعد الاستفتاء الاخير الخاص بالتعديلات الدستورية قبل عرض هذه التعديلات في حوار وطني بين عدد غير قليل من عقلاء الأمة وحكمائها وكبار مثقفيها. لقد جاء قرار الاستفتاء متعجلا, وما كان له ضرورة حتمية في واقع الأمر سوي إحباط عدد غير قليل من المثقفين, خصوصا بعد ان استغلت تيارات الأصولية الدينية والسلفية الاستفتاء لتديينه, وإثبات قوة تأثيرها علي الكثرة الكاثرة من بسطاء الناس. وهو أمر يدعو الي إعادة السؤال عن ضرورة استبدال الجزء بالكل, والتركيز علي تغيير جذري للدستور بواسطة لجنة تأسيسية, حتي يقوم التغيير الثوري علي أسس راسخة. أما المساءلة الثالثة فهي عن الضرورة القصوي لإحداث تغيير جذري في دولاب الدولة فمن الأدبيات المعروفة انه لايمكن لأية ثورة ان تنجح إذا اعتمدت علي دولاب دولة قديم, فإن هذا الدولاب سرعان ما يسرق مكتسبات الثورة الجديدة, وينهكها في أحابيل بيروقراطية تمتص الطاقة الثورية, وتبدد جهودها, والنتيجة هي إجهاد الثورة وإضعاف قوتها الدافعة, خصوصا حين تكون قيادات الصف الثاني والثالث متغلغلة في هذا الدولاب, مبقية علي عهد النظام القديم, مدركة ان النظام الجديد سيحرمها امتيازاتها الكثيرة, ابتداء من الأرقام المستفزة في المرتبات والحوافز ومكافآت لجان وهمية.. إلي أخر مايعرفه كل من خبر آليات النظام السابق وبيروقراطية العمل فيه. ولاتتباعد المساءلة الأخيرة عما لا أزال أراه تسرعا لاضرورة حتمية له بالبدء القريب( عدة أشهر فحسب) في إجراء انتخابات مجلسي الشعب والشوري. ومن الصعب علي عقل يضع الأمور الحيوية موضع المساءلة الجذرية أن يتقبل هذا الإسراع, مع نفوذ الحزب الوطني القائم الي اليوم, وضعف الأحزاب المدنية القائمة التي لاتزال منهكة, خصوصا بعد نحو ثلاثين عاما من عمليات الإفساد الداخلي والضغط الخارجي اللذين لم يتوقف الحزب الوطني عن ممارستهما, الأمر الذي أدي الي ضعف الاحزاب القائمة, وعدم اكتمال حيويتها. هذا من ناحية, ومن ناحية اخري, هناك الأحزاب الجديدة الواعدة التي اسهمت الثورة في وجودها, وترفع اهداف الثورة مباديء لها. أليس من حق هذه الاحزاب التي ماكان يمكن وجودها دون الثورة ان تأخذ حقها في الوجود واكتمال الفاعلية والتأسيس, علما بأن التسرع لن يؤدي إلا الي اضعاف الناطقين الحقيقيين باسم الثورة الذين أصبحوا من غرسها ودرعا لها في تحقيق اهدافها وحمايتها من الثورة المضادة. ويبقي, أخيرا التعامل مع جماعات الإسلام السياسي, خصوصا المتطرف والمعادي منها للدولة المدنية وللديمقراطية الحديثة علي السواء. وأنا لا أدعو الي مصادرة اي فصيل, او الحجر علي اي تيار, فالفكر يعالج بالفكر مهما كان. ولكن عندما يتحول الفكر الي فعل قمعي, له نتائج ضارة, تهدد امن الوطن وسلامة المواطنين فلابد من التدخل الفوري, والإعمال الحاسم لسلطة القانون, بل قانون الطواريء إذا لزم الأمر. وأعترف أني لا أفهم معالجة اعتداء فرد او افراد علي مسيحي بقطع اذنه, او ترويع مسلمة ذهبت الي منزل مسيحي في عمل والتهديد بحرق المنزل, فيضطر المسيحي الي الهرب, ولولا تدخل الشرطة لكانت الأمور تحولت الي مأساة. وقد تم الاكتفاء في الحالة الأولي بجمع عدد من رجال الدين المسيحي والإسلامي لعقد صلح بين الطرف الضغيف الذي اضطر الي التنازل عن حقه, وذلك بدعوي إيقاف امتداد لهب الفتنة. وهو امر يبعث علي السؤال المهم: وأين حق المجتمع؟ والإعمال الحاسم للقانون وهل يقتلع الفتنة من جذورها تصوير هذا الشيخ السلفي, وهو يتولي المصالحة بين الإخوة الذين جعلهم بأفكاره أعداء, أو بتبختر من يطلق علي نفسه داعية اسلاميا, في بلد به مؤسسة دينية عريقة, يترأسها عالم دين فاضل منفتح بحق, يمكن ان تسهم إسهاما اكبر في اشاعة مناخ التسامح الذي تتطلبه التعددية المذهبية والطائفية. ومن المؤكد ان الفتن الطائفية لن تحل بلقاء عدد من رموز الدين المسيحي والإسلامي للتهدئة, فالتهدئة ليست علاجا حاسما او دائما, ماظلت جذور المشكلة باقية, وعوامل الفتنة لاتعالج معالجة جذرية. إن الحل يجب أن يبدأ بالحوار حقا, ولكنه لن يكتمل ويصبح فعالا الا بالإعمال الحاسم لسلطة القانون التي لا تعرف التمييز بين المواطنين. وعدم التردد في إعمال سلطة القانون هو الحل الحاسم, ماظل في دائرة الجدية التي تقف بقوة ضد اي خروج علي الدستور والقانون, وذلك في حسم يردع اي احتمال قادم للخروج عليهما, سواء من مسلم او مسيحي. ويؤكد ذلك مانعلنه, ليل نهار, من ان الجميع يتساوون أمام القانون الذي لابد ان يطولهم ويحميهم علي السواء. المزيد من مقالات جابر عصفور

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل