المحتوى الرئيسى

باسل رمسيس : أيها الحكماء… اجعلونا وقودكم

04/17 19:45

ما بين (دي بلد حكما صحيح) و (دي بلد ثوار حمقي)، ربما نتوه ما بين الكثير من الطرق. فما يتم تسييده حاليا هو تصور أن الحكمة والثورية لا تجتمعان. وبأنه ليس هناك فرز ثوري حقيقي في ساحات النخب السياسية. وبما أن الثوار الحاليين هم “صيع” ولا نعرفهم، مثلما صرح بعض السياسيين، بالتالي خلينا مع الحكما أحسن.لم أكن أتصور أن يأتي اليوم الذي أقترب فيه من تصورات البرادعي، أبتعد عن حكمة عمرو حمزاوي، وأستشهد بما يقوله هيكل، حين وصفنا كمثل من صعد إلي القمر و طلب كيلو كباب!!!أعتقد بأن حالة قطاعات واسعة، مما يسمي بالنخبة السياسية، هي هذه الحالة التي يصفها هيكل. بعضها بسبب التخبط المؤقت والطبيعي. وبعضها الآخر ينبع من المصلحة السياسية الضيقة، ومحاولة جني المغانم السياسية من ثورة شعبية، هي أوسع بكثير من أفق السياسيين و تياراتهم، وخصوصا أنها فاجأتهم ولم يكونوا قادتها. وربما يكون الاكتفاء بالكباب، هو بسبب القلق والخوف من صدام شبيه بما حدث في ليبيا.حكمة حلف الناتو الأوروبية والأمريكية استطاعت أن تصنع النموذج الليبي، لتحجيم الثورات الأخري، ولزرع الخوف أمام الشعوب التي لم تنتفض وإن كانت تعيش حالة الاستعداد للانتفاض.في هذا السياق أستطيع فهم كم التعليقات التي تضع “البعبع” الليبي أمامنا. منها ما وضعه أحد الأصدقاء علي صفحته بالفيس بووك يوم ١٢ أبريل، حين قال: (اللي مش عاجبهم حكم المجلس العسكري بيحلموا بإيه؟ بانقلاب عسكرى؟) المسألة ليست بهذا التبسيط يا صديقي، والبدائل أوسع. لا نريد فتح ملف الفساد داخل الجيش، ولا نريد انقلابا عسكريا، ولا نريد مواجهة مع الجنرالات، فقط نريد بداية الديمقراطية. رفض الكثيرون مشاركة الضباط الصغار في اعتصام ميدان التحرير، بمنطق ألا يلعب العسكريون في السياسة، وهو ما أراه صوابا. لكن، ماذا عن اللعب الحالي للمجلس الرئاسي العسكري في السياسة؟ لماذا يسمح للجنرالات بهذا اللعب، ولا يسمح لضباط الاحتياط بنفس الحق؟هل يتذكر القارئ لجان الحكماء متعددة الأنواع التي كان يتم تشكيل العشرات منها كل يوم قبل ١١ فبراير؟ بعضها هو الانعكاس، المحلي، لحكمة حلف الناتو الغربية، التي أشرت إليها سابقا، في محاولة تحجيم الثورة الديمقراطية. وإن تحدث بعض الحكماء كثيرا عما يسمونه بالثورة العظيمة. القارئ هنا يستطيع تأمل حالة ساويرس، الذي شارك في المحاولات الحكيمة لإنقاذ النظام قبل ١١ فبراير. في أحد تصريحاته الأخيرة يهدد بالاعتصام في التحرير إن تمت الانتخابات بالنظام الفردي. لم يعتصم لإسقاط النظام، لكنه سيعتصم إن هُددت المغانم السياسية لحزبه الوليد!!!فيما يخص الأحزاب التي تنمو الآن مثل الفطر، يلفت الانتباه حكمة أغلبها، وحديثهم أحيانا عمن يملك ميدان التحرير، وبالتالي الثورة. من لهم الحق في الاعتصام ومن ليس لديهم هذا الحق. متهمين من يخالفونهم بأنهم حمقي. لا أستثني هنا بعض قطاعات اليسار. (لعب العيال) قادر علي إفساد هذه الثورة بالطبع. لكن الحكمة المبالغة ستفسدها أيضا وبالتأكيد. ستفسدها حين تحاول خداعنا بأن الضغط من أجل مجلس رئاسي مدني هو دعوة لمواجهة مع الجيش. وحين توهمنا أيضا أن المكاسب الانتخابية للأحزاب السياسية الجديدة، هي مكاسب سياسية للثورة.أمام كم هائل من الحكماء، علي اختلاف أنواعهم، أتوقف فقط أمام وائل غنيم. جميعنا نعرفه، بعضنا لا يعرف غيره. لن أشكك به مثلما فعل البعض، لكنني أشير فقط إلي أن حكمة وائل غنيم، التي ظهرت أيام قليلة قبل ١١ فبراير، كانت ستؤدي لكارثة إن كنا قد تجاوبنا معها، وبرغم حسن النوايا المفترض، كانت ستسوق الكثيرين للمشانق في ظل استمرارية نفس النظام.مقابل حكمته، أضع القارئ أمام حكمة آخرين، فقط ليتعرف علي أنواع أخري من الحكمة. وحتي لا تتردد نفس الأسماء الحكيمة طوال الوقت. هم ثلاثة من أجيال مختلفة: إسلام عبد المعطي ٤٨ سنة، خليل أبو شادي ٣٩ سنة، وعايدة الكاشف ٢٢ سنة. هم فقط ثلاثة حكماء من ضمن آلاف الحكماء الذين قابلناهم جميعا في ميدان التحرير.إسلام عبد المعطي، شاعر و مهندس، كان يحرص في ميدان التحرير علي حوارنا جميعا حول: ما العمل. يجبرنا علي محاولة فهم كل لحظة نعيشها قبل ١١ فبراير وماهية أولوياتنا. في ذات الوقت الذي يشارك في تكسير أرصفة الميدان، لاستخدامها كحجارة للمعتصمين يوم موقعة الجمل.خليل أبو شادي، صحفي بالبديل، متزوج من إيمان عوف، لديهما إبنان، أصغرهما لديها شهور قليلة. افترشا طوال الاعتصام رصيف الميدان. عند الليل يتناوبان علي المبيت به، حتي يقضي الآخر – غير المناوب – الليل مع الطفلين. فيما يكون الآخر نائما علي الرصيف دون خيمة. خليل الذي انقطع عن النضال السياسي سنوات، أدرك منذ اللحظة الأولي ليوم ٢٥ يناير، أن هؤلاء الشباب الفقراء في ميدان المطرية، والذي ينتمي لنفس طبقتهم، هم فقط القادرون علي حسم الصراع مع نظام مبارك.أما عايدة الكاشف، خريجة معهد السينما، والمنتمية للشرائح العليا من الطبقة الوسطي، فقد كانت من أوائل من نصبوا خيامهم بوسط الميدان. أرسلت لي رسالة يوم ٩ أبريل، تقول بها (أنا تعبت). اتصلت بها، متصورا بأن علي مهمة رفع معنوياتها. إلا أنها أدهشتني خلال المكالمة حين قالت: (الشباب اللي موجودين في الميدان دلوقتي من الناس الفقرا جدا، و دوول ملهومشي دية، يبقي لازم ناس من طبقتي تكون موجودة معاهم عشان تحميهم)أشعر بالأمان تجاه حكمة هؤلاء الثلاثة، وهي الحكمة التي تتناقض مع حكمة البعض الآخر، الذي لم يعترض علي فض الاعتصام الأخير بالقوة، ولم يعترض علي المحاكمات العسكرية الأخيرة. أقصد تحديدا الحكماء من أصحاب دعوات التركيز علي العمل السياسي و التجهيز للانتخابات المقبلة. أشاركهم القلق علي العمل السياسي والتجهيز للمعارك الانتخابية. ولكن لماذا لا تتخذونا – باعتبارنا حمقي – وقودا لكم؟ نعلم جميعا أن كل المكاسب والانتصارات التي انتزعت من الجيش بعد ١١ فبراير هي نتيجة ضغط الحمقي واستمرار احتجاجاتهم المتعددة الأشكال. أستفيدوا بنا سياسيا إذن. أتمني أن يفعلها البرادعي، أن يستخدمنا كورقة ضغط حاسمة، من أجل مجلس رئاسي مدني قبل الانتخابات. وأن يتجاهل حكمة الأخرين، مثل عمرو حمزاوي، الذي يري أن قصة المجلس الرئاسي المدني قد انتهت، وأنه لا يجب انتقاد الجيش.اعتبرونا وقودكم، لكن لا تساوموا علي دمنا. فحين نحاكم عسكريا، قوموا بضرب مائدة التفاوض أو الحوار، بغضب وحسم، أمام الجنرالات. ليس فقط حين يحاكَم من تعرفونهم، بل حين يحاكَم عسكريا أي مواطن، وإن كان بلطجيا.الحكمة ضرورية، لكنها حكمة من هم واعون بأن الشارع هو الحاسم. حماقتنا ومحاولاتنا لتجذير الثورة، ضرورية أيضا. سوف تمنحكم قوة إضافية مقابل المجلس العسكري. تنتزعون بها مكاسب سياسية حقيقية، وليس مغانم انتخابية. المغانم لن تأتي أبدا، وإن أتت فعمرها قصير. فمن أثبت فشله طوال عقود في بناء تنظيمات سياسية حقيقية، لن ينجز الجديد الآن، إن لم يضع في مقدمة صفوفه من هم حكماء، من نوعية إسلام عبد المعطي، خليل أبو شادي، و عايدة الكاشف.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل