المحتوى الرئيسى

سوريا قضية إقليمية تقرر في شأنها تركيا وإسرائيل.. وأمريكا مشلولة

04/17 15:24

واشنطن - بيير غانم ربما يكون تعاطي الإدارة الأمريكية مع الشأن السوري الأكثر حذراً إن لم نقل غموضاً مقارنة بالمواقف الأمريكية من تونس ومصر واليمن. ويسيطر تعقيد المشهد السوري على المواقف في واشنطن، فتركيبة النظام السوري تقوم على الحزبيين والعلويين والأقليات، وهي جعلت من الحكم في سوريا نظاماً أقلّياً وليس نخبوياً، فالنظام ليس عائلة حاكمة يمكن أن تذهب الى شرم الشيخ ولا رئيساً مع زوجته يهرب بطائرة ويبحث عن ملجأ. وما يزيد تعقيد المشهد السوري هو امتداداته الإقليمية؛ فلو رفعت سماعة الهاتف وسألت أي مسؤول أو منظّر في واشنطن عن النتيجة الاولى لـ"تغيير النظام السوري"، فالجميع يقولون لك إن تأثير إيران سيتراجع وسيخسر حزب الله طريق الإمدادات. لكن وجه سوريا الإيراني ليس الوجه الوحيد، بل هناك وجهان آخران يؤثران في واشنطن وعليها وهما الوجه التركي والوجه الاسرائيلي. أنقرة تريد تحديث النظام السوري أولاً ومنذ جاء حزب العدالة والتنمية الى السلطة في تركيا ارتفع التبادل التجاري بين سوريا وتركيا الى ملياري دولار، وسياسياً، وانتهت حالات التوتر المتعاقبة بين سوريا وتركيا، وأصبحت أنقرة وسيطاً في مفاوضات السلام. والآن تملك تركيا مصالح في سوريا وهذه المصالح تعطي تركيا صوتاً، كما تأخذ واشنطن موقف تركيا في الحسبان عندما تريد تقرير سياستها من ما يحدث في سوريا. لقد أبلغ الأتراك الادارة الأمريكية بأن انفجار الوضع في سوريا سيؤذي الاقتصاد التركي، وتركيا تبني سياستها الخارجية الجديدة على الاستقرار، وتقول إن هدفها الأول هو الحفاظ على هذا الاستقرار كشرط أول في التوسع التجاري. أما حالة الفوضى المفترضة فتسبّب أيضاً بمشكلة أمنية على الحدود الطويلة بين البلدين، كما تحرّك الأكراد السوريين قرب هذه الحدود مثلما حدث في كردستان العراق من قبل. ومن دون شك، ستكون الفوضى السورية مشكلة تركية لا تريدها أنقرة، بل إن ما تسعى اليه حكومة أردوغان في سوريا هو تحديث النظام السوري أولاً ثم إصلاحه، وقد عملت تركيا على هذا الإصلاح خلال السنوات الماضية من خلال النشاط التجاري في سوريا ولم تصل بعد الى تحقيق أهدافها كاملة، والآن تدفع أحداث الشارع السوري بعملية التحديث الى الهاوية وتكاد تخرّب المخطط التركي. "الصمت في الجولان" يناسب إسرائيل خططت اسرائيل منذ عام 1973موقفها من سوريا على أساس "الصمت في جبهة الجولان"، واعتبرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 37 عاماً أن النظام السوري يضمن الأمن في أهم منطقة عمليات حربية، أي الهضبة. أما دعم دمشق للتنظيمات المسلحة مثل حزب الله، فأمر تتسامح به إسرائيل لأنها قادرة على التعامل مع "هذا التهديد الصغير". والاستقرار السوري يعادل لدى إسرائيل نهاية الحرب في سيناء، وقد رسمت إسرائيل استراتيجيتها الاقليمية خلال العقود الاربع الماضية على إيجاد هذا الهدوء أولاً و"الفوضى السورية" ليست في مصلحة اسرائيل. وكان رحيل الرئيس المصري حسني مبارك سقوطاً لأحد أعمدة استراتيجية السلم الاسرائيلي، وتسبب موقف الادارة الامريكية المطالب برحيل الرئيس المصري حسني مبارك في مشكلة مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبعد عناء، تمكنت واشنطن من إقناع الاسرائيليين بأن التغيير في مصر لا يعني تهديداً لاسرائيل. والآن تريد واشنطن أيضاً ان تقنع اسرائيل بأن التغيير في سوريا ليس بالضرورة تهديداً لأمنها بل هو من مصلحتها على المدى البعيد، والنقاش لايزال دائراً. أمريكا تتخوّف من النتائج ويبدو أن الأمريكيين مترددون من ما يحدث في سوريا، وقد تراجعت البيانات الامريكية من المطالبة بتلبية مطالب الشعب السوري الى إبداء الحرص على حقّه بالتظاهر، وخلال الايام الماضية تحوّل الكلام الأمريكي الى التركيز على مساعدة إيران لسوريا في قمع المتظاهرين. في مقالة تشبه نعي الموقف الأمريكي، كتب دايفيد شنكير انه عندما كان يعمل في إدارة بوش طُلب منه ان يضع ورقة خيارات عن سوريا، فذهب شنكير الى بيتر رودمان ليأخذ رأيه، فقال رودمان "كيسنجر طلب مني إعداد الورقة ذاتها في بداية السبعينات". وأضاف شنكير "أن إدارة أوباما مشلولة بسبب المخاوف من الأسوأ في سوريا، ولو تمكّن نظام الأسد من تخطي الأزمة الحالية، فبعد عقود في ظل بشار وربما خلال عهد ابنه حافظ، ستبقى سوريا سؤالاً صعباً للسياسة الامريكية". وللإنصاف، لم يقُل الرئيس الأمريكي كلمته في موضوع سوريا وسيحرص على اللحاق بالشارع السوري، والكلمة الفصل ستكون للشارع، لكن واشنطن حتى الآن تقع تحت تأثير الأتراك والإسرائيليين، وتتحول قضية سوريا الى قضية إقليمية أكثر منها قضية دولية، و"أسوأ" ما يقوله المتحدثون باسم الدولتين الاقليميتين هو انه من الممكن تحمّل بعض الضحايا في سوريا على أمل ان يكون بشار الاسد إصلاحياً ويحقق وعوده في وقت قريب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل